وفي عهد المماليك والأتراك كانت البيوت الكبيرة في القاهرة تشمل طابقا أرضيا للرجال ( سلاملك ) ،وطابقا علويًا للنساء ( حرملك ) ،وكان يلاحظ في تصميم الدار أن تُطلَ القاعات الرئيسية على الجهة البحرية لتستقبل النسيم . وكانت المشربيات أهم مايزين واجهات البيوت والقصور، فتلطف شدة الضوء وتدخل النسيم وتمكن النساء من رؤية ما يحدث الخارج بدون أن يراهن أحد . وكانت النوافذ المتسعة في القاعات تطل على صحن الدار ، أما النوافذ المطلة على الشارع فكانت صغيرة ومرتفعة .
ومن أمثلة القصور في الحضارة الإسلامية ما يلي:
قصير عمرة بالأردن
قصير عمرة قصر صغير يقع على بعد حوالي 50 كيلو مترًا غرب الرأس الشمالي للبحر الميت، و يرجع بناؤه إلى عهد الخليفة الوليد بن عبد الملك سادس الخلفاء الأمويين، و الذي حكم ما بين عامي 705 - 715 م، ويضم قاعة استقبال مستطيلة الشكل ذات عقدين يقسمانها إلى ثلاثة أروقة ، لكل رواق منها سقف من قبو نصف دائري ،ويتصل الرواق الأوسط في الجهة الجنوبية بحنية كبيرة على جانبيها غرفتان صغيرتان بدون نوافذ .
وإلي جانب قاعة الاستقبال حمام من ثلاث قاعات صغيرة: الأولى ذات سقف من قبو نصف دائري ،والثانية سقفها من قبوين متقابلين ، والثالثة تعلوها قبة نصف كروية ، أما الحمام فهو بحالة جيدة، و يشبه الحمامات الرومانية بشكلها ومكوناتها، حيث يتألف من قاعة كبيرة مخصصة لخلع الملابس مزودة بمقصورتين، و هناك أيضًا الغرفة الباردة والغرفة الفاترة و القاعة الحارة المجهزة بأنابيب البخار، أما جدران القصر فكانت مليئة بالرسومات و الجداريات. وكانت جدران هذا القصر وسقوفه محلاة بنقوش دب التلف إلى معظمها . وتضم هذه النقوش رسوم صيد، واستحمام، ورسوم راقصات، ونساء، ورسومًا رمزية لآلهة الشعر والفلسفة والنصر والتاريخ عند الأغريق، وأخرى لبعض مراحل العمر المختلفة: الفتوة والرجولة والكهولة، ورسما لقبة السماء وبعض النجوم فضلا عن البروج المختلفة، ورسوم طيور وحيوانات وزخارف نباتية.
وأهم نقوش هذا القصر نقشان: الأول رسم الخليفة على عرشه وحول رأسه هالة وفوقه مظلة يحملها عمودان حلزونيان، ويحف به شخصان ، وكان على عقد المظلة عصابة من الكتابة الكوفية تطرَق التلف إلى كثير من أجزائها، ويستنبط من الكلمات الباقية أنها كانت تشتمل على عبارات دعائية، أما النقش الثاني فالصورة المشهورة فيه باسم صورة ملوك الأرض والتي اعتمدها علماء الآثار في تأريخ قصير عمرة .
قصر المشتى بالأردن
يقع القصر على مسافة حوالي 32 كم جنوب شرق مدينة عمان، وتم إنشاؤه على يد الخليفة الأموي الوليد الثاني عام 744م، ويحيط بالقصر سور مربع طوله 144 مترًا، و يكتنفه 25 برجًا دائريًا، عدا برجي المدخل فهما بشكل نصف مثمن، و يمتاز القصر بتقسيماته المختلفة، فهو مقسم إلى ثلاثة أجنحة، الجناح الأوسط
الأوسط مقسم إلى ثلاثة أقسام يضم القسمان الشمالي و الجنوبي الأبنية الرئيسية، أما القسم المتوسط فهو يشكل ساحة مكشوفة، وكان الجناح الشمالي مقرًا للخليفة، أما الجناح الجنوبي فهو ممرات و غرف ومسجد، ومنه ينفتح المدخل الوحيد الذي تزينه من الخارج واجهة مزخرفة.
علي أن أعظم ما في قصر المشتى من الناحية الفنية الزخارف المحفورة في الحجر الجيري في الواجهة القبلية التي يقع بها المدخل . ونقلت تلك الواجهة إلى القسم الإسلامي بمتحف برلين، ونرى في قصر المشتى بعض العناصر الفنية التي تشبه زخارف قبة الصخرة
صراع الحضارات ومستقبل الدعوة الإسلامية
أ. د. جعفر شيخ إدريس
قُدم هذا البحث لمؤتمر عقدته مجلة البيان بقاعة الصداقة بالخرطوم يوم 17 رجب 1423 هـ الموافق 24سبتمبر سنة 2002
هيمنة الحضارة الغربية
إذا أردنا للحديث عن صراع الحضارات أن يكون حديثا تبنى عليه مواقف فكرية وعملية فيحسن أن لا يكون حديثا عاما، بل يحسن أن نشير فيه إلى وقائع وحالات محددة. لذلك نقول:
ما الحضارات التي يقال إنها تتصارع الآن؟
لكي نجيب عن هذا السؤال يحسن أن نتفق على ما نعنيه بكلمة الحضارة، في بحثنا هذا على الأقل. الحضارة كما نستعملها هنا هي الكلمة العربية المقابلة للكلمة الانجليزية civilization . فالحضارة بحسب ما نراه هنا مكونة من جوهر ومظهر. أما الجوهر فهو معتقداتها وقيمها وأنماط السلوك الشائعة فيها، وأما مظهرها فهو انجازاتها المادية من قوة عسكرية واقتصادية، ونظم سياسية وعمران.
الحضارة بهذا المعنى مفهوم محايد، أعني أنه لا يدل بنفسه على مدح أو ذم، شأنه في ذلك شأن عبارات الأمة، والأئمة، والخُلق والدين وغير ذلك. فالأمة قد توصف بالاستقامة أو الزيغ، والأئمة قد يكونون هداة إلى الحق أو موردين لمتبوعهم إلى النار، والخُلق قد يكون حسناَ وقد يكون سيئًا، والدين قد يكون حقًا وقد يكون باطلًا. وكذلك الحضارة قد توصف بالمادية أو الإيمانية، وبالقوة أو الضعف.
فما الحضارات ـ بهذا المعنى ـ التي تتصارع في عصرنا؟
لا نستطيع ـ فيما أرى ـ أن نشير في واقعنا الراهن إلى حضارة ماثلة محددة المعالم إلا حضارة واحدة هي الحضارة الغربية. وذلك أننا حين نتحدث عن الحضارة الغربية نستطيع أن نشير إلى دولٍ قائمة تتمثل فيها هذه الحضارة: فهنالك دول أوربا الغربية، والولايات المتحدة، وكندا، واستراليا ونيوزيلاندا. يجمع بين هذه الدول كونها كلها ذات نظام سياسي واحد هو الديمقراطية الليبرالية العلمانية، وأن بينها علاقات وتعاون، وأن لها تاريخًا واحدًا مشتركًا، وأن الديانة النصرانية هي أكثر الديانات انتشارًا بين شعوبها. بل إن هذه الدول لتشترك شعوبها حتى في أزياء رجالها ونسائها، وفي كثير من اذواقها الأدبية والفنية. هذه الدول في مجموعها هي أقوى دول العالم اقتصادًا، وسلاحًا، وتأثيرًا إعلاميًا. حضارتها هذه هي الحضارة الغالبة المهيمنة على العالم.
هل نستطيع أن نقول مثل هذا عن أية حضارة أخري في واقعنا الراهن؟ كلا. نستطيع أن نشير إلى أقطارٍ أخرى إشارات سلبية بأن نقول إن حضارتها ليست غربية بالمعنى الكامل. فاليابان تشبه دول الحضارة الغربية في نظامها السياسي وفي تقدمها الاقتصادي، وتخالفها في تاريخها، وفي الدين السائد بين أهلها. وهي صديقة للغرب ومتعاونة معه لا مصارعة. وقل مثل ذلك عن الهند.
أما الصين فإنها تشبه الدول الغربية من حيث نموها الاقتصادي، بيد أنها تخالفها في نظامها السياسي والاقتصادي. لكن حتى هذين النظامين ليسا بنابعين من ثقافة صينية أو تاريخ صيني وإنما هما مستوردان من فكر غربي هو الفكر الماركسي.
مجموعة الدول التي كانت تسمى بالاتحاد السوفيتي كانت متشابهة في نظامها السياسي والاقتصادي، وكانت لها قوة عسكرية ورسالة أيدُلوجية ومطامع توسعية، فكانت هي فعلاُ المنافسة للغرب، لكنها حتى في أوج عظمتها لم تكن تمثل حضارة متميزة. أما بعد تفكك اتحادها وسقوط نظامها السياسي والاقتصادي وذهاب بريقها الأيدلوجي، فقد صارت دولاُ ضعيفة تحاول أن تتأسى بدول الحضارة الغربية في أنظمتها، كما تحاول تحسين علاقاتها بتلك الدول، ولا سيما الولايات المتحدة، طمعًا في مالها وجاهها.