لقد بدأ التفكير الفعلي في إنشاء هذه المدارس النظامية للوقوف أمام المد الشيعي الإمامي والإسماعيلي الباطني عقب اعتلاء السلطان ألب أرسلان عرش السلاجقة في عام 455ه، فقد استوزر هذا السلطان رجلًا قديرًا وسنيًا متحمسًا هو الحسن بن علي بن إسحاق الطوسي، الملقب بنظام الملك، فرأى هذا الوزير أن الاقتصار على مقاومة الشيعة الإمامية والإسماعيلية الباطنية سياسيًا لن يكتب له النجاح إلا إذا وازى هذه المقاومة السياسية مقاومة فكرية، ذلك أن الشيعة ! إمامية كانوا أو إسماعيلية نشطوا في هذه الفترة وما قبلها إلى الدعوة لمذهبهم بوسائل فكرية متعددة، وهذا النشاط الفكري ما كان ينجح في مقاومته إلا نشاط سني مماثل يتصدى له بالحجة والبرهان، خاصة وأن السلاجقة ورثوا في فارس والعراق نفوذ بني بويه الشيعيين، وهؤلاء لم يألوا جهدًا في تشجيع الإمامية على نشر فكرهم، كما غضوا الطرف عن نشاط دعاة الإسماعيلية في فارس والعراق وترتب على ذلك كله تزايد نفوذ الشيعة فيهما، خاصة بعد أن لجأ الشيعة إلى إنشاء مؤسسات تعليمية تتولى الترويج لعقائدهم، وتعمل على نشرها، فقد أنشاء أبو علي بن سِوّار الكاتب أحد رجال عضد الدولة ت 372ه دار كتب في مدينة البصرة وأخرى في مدينة رام هرمز: وجعل فيها إجراء على من قصدهما، ولزم القراءة والنسخ وكان في الأولى منهما شيخ يدرس عليه علم الكلام على مذهب المعتزلة [9] ، كما أسس أبو نصر: سابور بن أرد شير: وزير بهاء الدولة ت 416ه دارًا للعمل في الكرخ فيعام 383ه، ووقف فيها كتب كثيرة، ذكر ابن الأثير أنها بلغت عشرة آلاف وأربعمائة مجلد في أصناف العلوم، وأسند النظر في أمرها ورعايتها إلى رجلين من العلويين يعاونهما أحد القضاة [10] ، وبعد وفاة سابور آلت مراعاة هذه الدار إلى الشريف الرضى نقيب الطالبيين [11] كذلك اتخذ الشريف الرضي ت 406ه الشاعر الإمامي المشهور دار اسماها دار العلم، وفتحها لطلاب العلم، وعين لهم جميع ما يحتاجون إليه [12] . ويدل مجرد اسم هذه المؤسسات على الفرق بينهما وبين دور الكتب القديمة، فكانت دار الكتب تسمى قديمًا خزانة الحكمة، وهي خزانة كتب ليس غير، أمام المؤسسات الجديدة فتسمى دور العلم، وخزانة الكتب جزء منها [13] . وهذا يشير إلى هذه الدور الجديدة كانت لها وظيفة تعليمية أيضًا [14] .
وإلى جانب دور العلم هذه كان كثير من أئمة الشيعة الإمامية يقومون بالدعوة إلى مذهبهم ونشر عقائدهم في بيوتهم الخاصة، أو في مشاهدهم وأعنى بها المساجد التي دفن فيها أئمتهم - على حد قولهم - لئن بعضها لا يثبت والتي عرفت عندهم بالعتبات المقدسة [15] : فقد كان الشيخ المفيد محمد بن محمد النعمان، شيخ الإمامية المتوفي في عام 413ه يعقد: مجلس نظر بدار يحضره كافة العلماء وكانت له منزلة عند أمراء الأطراف يميلهم إلى مذهبه [16] وأما أبو جعفر الطوسي محمد بن الحسن فقيه الإمامية ت 460ه، فقد فر إلى النجف بعد أن هو جمت داره في بغداد، ونهبت محتوياتها في عام 448ه في حملة الضغط التي تعرض لها الشيعة في بغداد عقب دخول السلاجقة إليها وتمكن الطوسي في مقره الجديد من مواصلة نشاطه العلمي والتعليمي فألف مجموعة من الكتب في الفقه والحديث على مذهب الإمامية احتلت مكانًا بارزًا في الدراسات الشيعية الإمامية، كالتهذيب والاستبصار، وهما من الكتب الأربعة المعول عليها عندهم والتي تحفل بالروايات الضعيفة والموضوعية والتي لا وزن لها في الميزان العلمي الصحيح، كما أملى الطوسي - في مشهد النجف - على طلبته كثيرًا من الدروس جمعها في كتاب سماه الأمالي [17] . هذه بعض الجهود التي قام بها الإمامية للترويج لمذاهبهم والدعاية له، أما الإسماعيلية، فكانوا أساتذة هذا الميدان ولهم القدم الراسخة فيه إذ حازوا قصب السبق في إنشاء المؤسسات التعليمية، وتوجيهها وجهة مذهبية . [18]
بدأ الفاطميون نشاطهم في هذا المجال - منُذ قيام دولتهم في الشمال الإفريقي - وكان عهدهم الذهبي بإنشاء الجامع الأزهر عام 359ه وجعلوا منه مؤسسة تعليمية تعني بنشر مذهبهم في عام 378ه عندما ما سأل: الوزير يعقوب بن كلس الخليفة العزيز في صلة رزق جماعة من الفقهاء: فأطلق لهم ما يكفي كل واحد منهم، وأمر لهم بشراء دار وبنائها فبنيت بجانب الجامع الأزهر، فإذا كان يوم الجمعة حضروا إلى الجامع: وتحلقوا فيه بعد الصلاة إلى أن تصلى العصر، وكان لهم من مال الوزير صلة في كل سنة ثم أنشأ الحاكم بأمر الله دار العلم"دار الحكمة"للغرض ذاته في عام 395ه وحملت الكتب إليها من خزائن القصور، ومن خزائن مقر الدولة الفاطمية وأجرى الأرزاق على من رسم له بالجلوس فيها، والخدمة لها من فقيه وغيره، وحضرها الناس على طبقاتهم فمنهم من يحضر لقراءة الكتب ومنهم من يحضر للنسخ، ومنهم من يحضر للتعلم وجعل فيها ما يحتاج الناس إليه من الحبر والأقلام والورق والمحابر [19] ، هذا بالإضافة إلى البرامج التعليمية التي كانت تعد بعناية خاصة في عاصمة الخلاقة الفاطمية لإعداد الدعاة، وتثقيفهم ثقافة مذهبية واسعة قبل إرسالهم إلى البلاد الإسلامية لنشر المذهب الإسماعيلي، وكان لذلك أثره في رواج هذا المذهب في بعض مناطق الشرق الإسلامي نتيجة لهذه الجهود المنظمة المستمرة في نشر هذه الدعوة [20] ، لذلك كله فكر نظام الملك في أن يقاوم النفوذ الشيعي بنفس الأسلوب الذي ينتشر به، ومعنى ذلك أنه رأى أن يقرن المقاومة السياسية للشيعة بمقاومة فكرية أيضًا [21] ، وتربية الأمة على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وعقيدة أهل السنة والجماعة المستمدة من الوحي الإلهي. ومن هنا كان تفكيره في إنشاء المدارس النظامية التي نسبت إليه، لأنه الذي جد في إنشائها وخطط لها، وأوقف عليها الأوقاف الواسعة، واختار لها الأكفاء من الأساتذة فكان من الطبيعي أن تنسب إليه من دون السلاجقة [22]
لقد كان النظام شافعيًا سنيًا حريصًا على الإسلام الصحيح وقد عاصرت نظام الملك آراء وأفكار متباينة مختلفة كانت منتشرة في العالم الإسلامي كالمعتزلة والباطينة وبقايا القرامطة وغيرهم من أصحاب الملل والنحل وكان نظام الملك يرمي بدرجة كبيرة إلى توجيه الرعية وجهة تخدم مصلحة الدولة وتبعث على الاستقرار والسكنية والأمن، لذا كان هم نظام الملك التأكيد على مواضع الدراسة على إفهام الناس عامة ومنتسبي النظامية خاصة أصول الدين الصحيحة، ولما كان نظام الملك شافعيًا، كان يرى أن يدرس الفقه والأصول المستمدة من أفكار وأراء الشافعية وكان من شروط النظامية أن يكون المدرس من الشافعية أصلًا وفرعًا [23] .