فهرس الكتاب

الصفحة 678 من 1942

وقد وجه النقد إلى الكتابات الإسلامية بأنها تنطلق من العداء للاستشراق كما في كتابات أنور الجندي أو بعض الكتابات الأزهرية أو غيرها كتلك التي أشرنا إليها في بداية الموضوع. وقد أفاض فؤاد زكريا في نقد ما أسماه الاتجاه الديني في نقد الاستشراق حتى إنه أخذ على بعض الباحثين"الإسلاميين"أنهم لا يعرفون التوثيق العلمي في كتاباتهم أو أن أمانتهم العلمية ليست كما ينبغي. وقد يكون محقًا في بعض هذا النقد. ولكن الحقيقة أن علماء الشريعة المسلمين من المفترض أنهم ينطلقون في نقدهم للاستشراق أو للغرب عمومًا من قوله تعالى (ولا يجرمنّكم شنآن قوم على ألاّ تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله)

كما أن السيد محمد الشاهد تناول هذه القضية في بحث له حول نقد الاستشراق في الكتابات الإسلامية المعاصرة ولعله أضاف إن كثيرًا من الكتابات التي تتناول الاستشراق لا تعرف من الاستشراق إلاّ بعض الكتابات القليلة للمستشرقين التي تمت ترجمتها إلى اللغات الإسلامية فتأتي كتاباتهم نقلًا عن بعضهم البعض. فما أكثر الكتابات التي انتقدت جولدزيهر ومعظمها إن لم يكن كلها تنتقد ما ترجم لهذا المستشرق للغة العربية أما ما ترجم له إلى اللغة الإنجليزية أم ما كتبه في لغته الأصلية فإن هذه الكتابات لا تكاد تكون موجودة. كما انتقد هؤلاء في عدم معرفتهم بجهود المستشرقين المعاصرين في التعريف بالإسلام ونقد النصرانية وضرب كثيرًا من الأمثلة على ذلك من الاستشراق الألماني المعاصر. وللدكتور قاسم السامرائي ملاحظات شبيهة بحكم احتكاكه بالاستشراق الهولندي ومعرفته بهم معرفة وثيقة.

ولعل الكتابات في العصر الحاضر تناولت العلاقة بين الإسلام والغرب أو العالم العربي والغرب وبخاصة في ضوء ازدياد قوة وسائل الإعلام وانتشار نفوذها حتى أصبحت كما ذكر الرئيس البوسني علي عزت بيجوفيتش في كتابه القيم ( الإسلام بين الشرق والغرب) أكثر خطورة من الدكتاتوريات السابقة لقدرته الطاغية على التأثير في الجماهير. ولعل هذا ما يفسر لنا دخول علماء السياسية والاتصال لهذا المجال الحيوي. فهذا غسان سلامة ( المتخصص في العلوم السياسية ) يرى أن انتشار مراكز البحث والمعاهد وأقسام الدراسات الشرق أوسطية والمكتبات إنما هي"نوع من الامتداد الطبيعي والمنطقي لظاهرة الاستشراق وأطلق عليها"مرحلة الاستشراق الجديدة." (20) "

ولكن التساؤل الذي يطرح نفسه بإلحاح في أي مجال من مجالات المعرفة ينبغي أن ندرس الاستشراق؟ وهل الاستشراق شيء واحد أو إنه متعدد؟ الحقيقة إن الاستشراق لم يعد شيئًا واحدًا من ناحية الدراسة والتخصص فقد توزعت اهتمامات المستشرقين القدماء إلى عشرات التخصصات حيث أصبحت دراسة الإسلام والعالم الإسلامي تتم من خلال أقسام الاجتماع والجغرافيا والتاريخ وعلم الإنسان والأديان ومن خلال أقسام دراسات المناطق والدراسات الإقليمية وغيرها من الأقسام.

فبالرغم من تعدد الأقسام التي تدرس العالم الإسلامي وقضاياه لكن كثيرًا من الجامعات تحافظ على وجود قسم دراسات الشرق الأدنى أو الشرق الأوسط للتنسيق فيما بينها وكأنه الرابط الأخير بالدراسات الاستشراقية القديمة والتي يتم فيها دراسة كتابات المستشرقين التقليديين مثل بروكلمان وجولدزيهر وشاخت وبوزوورث وبرنارد لويس وغيرهم. وفي هذه الأقسام يتم تسجيل رسائل الدراسات العليا كما يحدث في كل من جامعة برنستون وجامعة كولومبيا وجامعة كاليفورنيا في بيركلي وفي جامعة كاليفورنيا بمدينة لوس أنجلوس.

وقد أصبح يشارك الاهتمام بالدراسات العربية والإسلامية مراكز البحوث والمعاهد المتخصصة في دراسة الشرق الأوسط وهذه وإن لم تكن أكاديمية في مناهجها ولكنها تستعين بالأكاديميين أو إن الأكاديميين هم الذين يقومون بالعمل فيها وإدارتها. وإن كانت بعض المعاهد تستعين بالسياسيين أو الدبلوماسيين القدامى مثل معهد الشرق الأوسط بواشنطن العاصمة أو معهد دراسات الشرق الأدنى في واشنطن أيضًا.

والسؤال كيف ندرس الاستشراق هل هو اتجاه فكري يتم دراسته من خلال أقسام كليات الشريعة واللغة العربية والعلوم الاجتماعية أو يمكن أن نفرد دراسة الاستشراق من خلال كليات يمكن أن نطلق عليها كليات الدراسات الأوروبية والأمريكية؟ ما دام الاستشراق قد انتقل من الوضع القديم إلى وضع أصبح فيه يتناول العالم الإسلامي من جميع الجوانب ويستخدم مناهج البحث الخاصة بالعلوم المختلفة كالعلوم الاجتماعية وعلوم الاتصال وعلوم اللغة وغيرها. وما دام الباحث الغربي الذي ينطلق لدراسة العالم الإسلامي إنما هو ابن بيئته ولا يختلف تكوينه الفكري والمنهجي عن أي أكاديمي غربي في أي مجال من المجالات المختلفة.

ولذلك فإن المطلوب في مواجهة الهجمة الاستشراقية أن نعرف الغرب معرفة دقيقة في جميع جوانب الحياة فلا بد أن يتم دراسة الغرب في أقسام علم الاجتماع والتاريخ واللغة وعلم النفس والاتصال وقد حضرت مؤتمرًا في عمّان (10-12 أبريل 2000م) حول العلاقات العربية الأمريكية وقد تناول عدد من الباحثين صورة العرب والمسلمين في الإعلام الأمريكي ولكنهم لم يتعمقوا في فهم هذا الإعلام وعلاقته بالحكومة الأمريكية وهل تستطيع الحكومة الأمريكية التأثير في وسائل الإعلام. فقد فعلت هذا الأمر في حرب الخليج الثانية حيث أصرت على أن تكون أخبار هذه الحرب صادرة عن غرفة عمليات تابعة للقوات الأمريكية أو قوات الحلفاء. ولم تشر أي من الأوراق المقدمة لارتباط الحكومة الأمريكية بعقود تسلح مع عدد من كبريات الشركات الأمريكية التي تمتلك بعض كبريات وسائل الإعلام الأمريكية كما أشار مؤلفا كتاب ( مصادر غير موثوقة.) (21)

ولتكن البداية في دراسة الاستشراق في العصر الحاضر أن ينطلق الباحث المسلم بمعرفة الإسلام معرفة حقيقية من مصادره الأصلية فيعرف كيف دوّن القرآن الكريم وكيف دوّن الحديث الشريف وما مصطلح الحديث كما عليه أن يعرف أساسيات الإسلام وثوابته الكبرى كما لا يمنع أن يعرف بعض التفاصيل في الفقه والحديث والتفسير واللغة فكيف يمكن لنا أن ننتقد الكتابات الغربية حول الإسلام والمسلمين ونحن لا نعرف إسلامنا معرفة أصيلة.

أما الأمر الثاني فعلينا أن نعرف اللغات الأوروبية معرفة تمكننا من قراءة ما كتبه الغربيون بلغاته الأصلية حتى نستطيع أن نفهم فهمًا دقيقًا ما قالوه فلا نقع في التأويل والتفسير بدون أساس علمي صحيح. وعلينا أن نفهم المجتمعات الغربية ذلك أن الباحثين الغربيين في قضايا العالم الإسلامي إنما هم نتاج بيئتهم وإن كثيرًا من القضايا التي ينتقدون فيها الإسلام إنما هم أولى بنقد أنفسهم فيها. ويحضرني في هذه المناسبة حوارًا رواه منصر بينه وبين أحد المغاربة حيث قال المغربي للمنصّر لماذا تأتوننا تدعوننا للأخلاق والإيمان بالمسيح أليس من الأولى أن تدعوا بني قومكم لمنع الانحرافات الأخلاقية وشرب الخمور وغير ذلك من المعاصي؟

ولعل الدراسة الصحيحة للاستشراق أن لا تتوقف معرفتنا بما يدور في الأوساط العلمية في الغرب عن طريق قراءة بعض الإنتاج العلمي فلا بد أن يكون لنا وجود فاعل في المؤتمرات والندوات وأن نشارك في الإصدارات العلمية باللغات الأوروبية المختلفة. فكم مادة تدرس في الجامعات الغربية باسم مدخل إلى الدين الإسلامي ويكون الكتاب المنهجي في هذه المادة كتبه مسلم باللغات الأوروبية؟

الخاتمة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت