فهرس الكتاب

الصفحة 714 من 1942

5-عفاف الغمري: «على صفحات هذا الكتاب بيان لمحاولة ابن تيمية المنطقية، وهي من المحاولات القليلة للنقد العلمي الموضوعي من عقلية عربية لمنطق أرسطو، فهي محاولة لم تكتف بالرفض دون تقديم الأسباب، أو القبول دون التوصّل إلى أدلة أو براهين على الصدق بالصحة. فلم يكن نقد ابن تيمية للمنطق لمجرد الهدم، أي هدم طريقة قديمة في التفكير بل كان لإظهار عدم كفاية هذه الطريقة في بلوغ المعرفة، أو في عصمة التفكير الإنساني عن الوقوع في الخطأ، لأن طرق الاستدلال الصحيحة موجودة في القرآن، ومن ثم فلا حاجة بنا إلى المنطق التقليدي طالما أننا نستغني عنه بما هو أكثر دقة .. جاء رفضه واعيًا عن دراسة وفهم، فناقش المنطق القديم بصفة عامة ونظرياته، وأهمها نظرية القياس وقواعده وبراهينه وأوضح بطلانها أو عدم كفايتها في الوصول إلى المعرفة الحقة. فقدم بذلك محاولة نقدية مكتملة .. وكانت من المحاولات النقدية القليلة في تاريخ الفكر الإسلامي التي رفضت المنطق الأرسطي بناء على نقد ومناقشة لا عن إسقاط أو إحجام أو تكفير .. في دراستنا لحجج ابن تيمية التي وجّهها للمقام الموجب في الحد؛ وافقنا الدكتور عزمي إسلام في إثبات وجود تشابه بين بعض ما قاله ابن تيمية في هذه الحجج من نقد للمنطق الأرسطي، وبين الوضعيين المنطقيين أو التحليليين المعاصرين، خاصة: كارناب، وبرتراند رسل، وفتنجشتين، فابن تيمية في نقده لفكرة الماهيات الثابتة، وقوله بعدم وجود الماهيات والكليات إلا في الأذهان؛ يستخدم منهجًا تحليليًا لا يقل في دقته ووضوحه عن تحليلات فلاسفة ومناطقة التحليل المعاصرين أمثال رسل وفتنجشتين» . [50]

لِمَ أغَذَّ صاحبُنا السير عند الحديث عن المنطق وابن تيمية، فلم يعد به حاجة إلى الإطالة؟

أيكون الكلام عن قيمة تراث ابن تيمية في المنطق ينقض عليه بحثه كله ويهدمه على رأسه، لذا آثر السلامة وأسرع السير مخافةَ أن يصيبه مكروه؟ إن القول بعدم معرفة «الفقيه الحنبلي» ابن تيمية بالفلسفة، وعدم اطلاعه عليها في مصادرها الأصلية وتلقيه لها عن شيوخها، والقول بقيام منهجه فيها على التلفيق والنفعية؛ يقال في المنطق أيضًا فما الفرق؟

لاسيما أنه قد جرى على لسانه غفلةً منه: «ارتباط نقده للمنطق بنقده للفلسفة عمومًا» .

إنه ليس يصح في الذهن أن يبلغ ابن تيمية في نقده للمنطق المشائي هذا المبلغ؛ ثم هو يفشل بعد ذلك في الفلسفة الفشل الذريع الذي يريده له هذا المتعجّل.

يرى جون ديوي: أن علاقة المنطق بالفلسفة كعلاقة المنطق بالبحث ذاته، فأيّ تغيير في أحدهما لا بد أن ينعكس على الآخر، والمؤلفون في المنطق حين لا يفصحون عن ميولهم في اتجاهاتهم الفلسفية؛ فإن التحليل يكشف عن الرابطة بين الميول وما يذهبون إليه من نظرية منطقية. [51]

قال ابن تيمية: «لما كنت بالإسكندريّة اجتمع بي مَنْ رأيتُه يعظم المتفلسفة بالتهويل والتقليد، فذكرتُ له بعضَ ما يستحقونه من التجهيل والتضليل، واقتضى ذلك أني كتبتُ في قعدة بين الظهر والعصر من الكلام على المنطق ما علّقتُه تلك الساعة، ثم تعقّبتُه بعد ذلك في مجالس إلى أن تمّ. ولم يكن ذلك من همّتي، فإن همّتي إنما كانت فيما كتبتُه عليهم في «الإلهيات» . وتبين لي أن كثيرًا مما ذكروه في أصولهم في الإلهيات وفي المنطق هو من أصول فساد قولهم في الإلهيات .. فأراد بعض الناس أن يكتب ما علقته إذ ذاك من الكلام عليهم في المنطق، فأذنتُ في ذلك، لأنه يفتح باب معرفة الحق، وإن كان ما فُتح من باب الردّ عليهم يحتمل أضعاف ما علّقتُه تلك الساعة». [52]

«كتبتُ في قعدة بين الظهر والعصر .. ولم يكن ذلك من همّتي» ...

كان صاحبنا قد قال في مقدمة بحثه: «تتجاوز أهمية هذا البحث مجرد كونه ..» وقال: «وحسبي أن أكون مهدت الطريق أمام هذه الدراسات..» ؛ زائرٌ ينصب خيمةً قديمةً وسط ناطحات السحاب في نيويورك، ثم يذهب يتحدَّث ـ بلا خَجلٍ ـ عن شيءٍ يشبه بداية تأسيس الهندسة المعماريّة!

إنك فشلت في أن تكون مشروعَ شيخٍ في الإسلام، وتريد ـ ويْحَكَ ـ أن تَنْقُضَ شيخَ الإسلام كلِّه..

أما بعد: فقد كان شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد ابن تيمية ـ رحمه الله ورضي عنه ـ واحدًا من أكبر العقول العلمية التي عرفها تاريخ الإنسان، ورائدَ دعوة تجديدية تنويرية قلَّ أن بلغتْها دعوةُ مجدّد في الإسلام، وهو حجة الله على أهل العقول: {يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ} البقرة: 269.

وإن بلدًا طيبًا شعاره التوحيد، ودثاره منهج السلف الصالح؛ ليس يسمحُ بأن تُعرّيَه منهما أقلامٌ غِرَّةٌ مغرضةٌ، لم تجد نفسها في الحق، فبحثتْ عنها في الباطل، ومن رام دَرْسَ الفلسفة الوثنيّة ففي تلك البلاد متَّسع.. ما دام قد ضاق صدره بلا إله إلا الله تعلو بها مآذن المساجد في جامعاتنا.

شيءٌ من مثل ما نحن بسبيله:

كثُر حديث المتحدِّث عن: «الانفتاح العالمي» وأثرِه في الصحوة الإسلامية، لكن قلّ الحديث عن أثر هذا الانفتاح العالمي في: «انتكاسات الصحوة» .

كان غايةُ منتكس الصحوة قبل عدة سنوات: سيجارةً يشربها في تخفٍّ، أو أغنيةً يسارق سماعها، فإذا تفلَّتَ؛ أكثر من السهر.. أفعالٌ تحكمها براءة المجتمع ويتوب الله على من تاب.

وأما اليوم؛ فثمَّ ـ مع الشهوة ـ تلوُّثٌ فكريٌّ، وجماحٌ عقليٌّ غالب، وشططٌ بالغ السوء؛ جعل منتكسَ الصحوة يواجه الصحوةَ نفسَها بوجه صفيق بعد أن كان يتوارى منها خجلًا.. صار ينازعها أصولَها وثوابتها في سَوْرةٍ محمومةٍ، وأصبحتَ تسمعُ أصواتًا مبحوحةً تتحدث عن: «المفصل الثقافي» والعروي، والجابري، و «الحراك الاجتماعي» وصادق العظم، وأركون، وابن تيمية الذي لا يفهم في الفلسفة.. فعسى أن أوفَّقَ للعَوْد وبسط هذا الموضوع، لأن السلفية ليست تطامن من العقل، ولا ترفض أن يُعْمَل العقل فيما حَقُّه أن يُعْمَل فيه، ولأن العقل الغربيَّ بمنهاجه ليس أقدَرَ على الدَرْس الحضاري من عقلٍ بمنهاجٍ سَلفيٍّ.

والعقل، هذا العقل ويلٌ له إن هو تَلَعَّبَ به صاحبه.

ونحن، نعم نحن: متى ندرك أن سرعة تغيّر الأفكار من خصائص العقل الناشئ، وأننا إن لم نحرص على هذه العقول تخَطَّفتْها عصاباتُ المعرفة فأحدثتْ بها عاهاتٍ فكرية؛ ثم أعادتها لتتسوّل بها على حسابنا!

عبدالله بن عبدالعزيز الهدلق

الهوامش

[1] حسن حنفي، مقدمة في علم الاستغراب، ص57.

والاستغراب: دراسة الغرب برؤية شرقية.

[2] محمود ماضي، جذور علم الاستغراب، وقفة مع الرد على المنطقيين لابن تيمية، ص5، 6. وقارن هذا بقول باسمة جاسم: «وهنا نلاحظ أن ابن رشد يظهر مع عموم الفلاسفة والمناطقة والشراح مدافعًا بذلك عن المذهب الأرسطي، ويؤاخذهم لأنهم خرجوا على المعلم الأول ونصوصه، وهذا الموقف نابع من استحكام تأثر ابن رشد الشديد بأرسطو» . النقد المنطقي لابن رشد، ص8.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت