فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 1942

ونظرية العقد الاجتماعي لدى كل من توماس هوبز وجون لوك تحاول أن تفسر كيفية قيام الدولة في الماضي، من خلال افتراض أن الدولة قامت بموجب عقد بين الحاكم والمحكومين. ومن هذا المنطلق التعاقدي نشأ مفهوم الحق.

وتقوم نظريات العقد الاجتماعي على افتراض أن الأصل في الطبيعة الإنسانية أنها طبيعة شريرة، وأن هذه الخاصية خلقت بيئة صراعية مستمرة، قادت الجماعة الإنسانية إلى حالة اصطلح مفكرو العقد الاجتماعي على تسميتها:"حالة الطبيعة الأولى"، وأن هذه الحالة عرفت عند كل من هوبز ولوك باعتبارها حالة حرب الجميع ضد الجميع: أي تلك الحالة التي يعم فيها الصراع كل جوانب العلاقات الاجتماعية، بحيث يصير كل فردٍ عضوٍ في الجماعة البشرية خصمًا لكل أعضاء ذات الجماعة. ويرى كل من توماس هوبز وجون لوك أنه نتاجًا لهذه الحالة توافق الأفراد في الجماعة البشرية على التعاقد مع حاكم قوي ليكفل إدارة الجماعة البشرية على نحو يحقق الأمن للجميع، ويكفيهم مغبة حالة الطبيعة الأولى: حالة حرب الجميع ضد الجميع.

أما توماس هوبز فطرح فكرة تخلي الجماعة البشرية عن كل حقوقها لذلك الحاكم في مقابل أن يكفيهم حالة حرب الجميع ضد الجميع، ويوفر لهم الأمن.

وأما جون لوك فرفض فكرة تنازل الجماعة البشرية عن كامل حقوقها، وأكد أن الذي حدث هو تنازل الجماعة عن بعض حقوقها، وهي الحقوق التي يمكن أن نسميها اليوم الحقوق السيادية، في مقابل قيام هذا الحاكم أو الدولة بحماية سائر حقوق الأفراد، وعلى رأسها حق الملكية.

وأما جان جاك روسُّو فلم يتفق مع كل من هوبز ولوك في أن الأساس في البشر الشر، بل افترض العكس: الأساس هو الخير، ومن هنا فإن تصوره بالتالي لحالة الطبيعة الأول اختلف، فهي لم تكن من وجهة نظره حالة حرب الجميع ضد الجميع، بل كانت حالة رفاهية عامة.

وقد توجه جان جاك روسُّو إلى الأفكار الاقتصادية التي كانت قد بدأت تنتشر في عصره ليبين سبب نشأة الدولة على نحو مختلف، حيث أشار إلى تشكك الجماعة البشرية في إمكان استمرار هذه الحالة من الرفاهية إلى ما لا نهاية استنادًا إلى فكرة ندرة الموارد التي كانت قد بدأت تنتشر مع كتابات المفكرين الاقتصاديين أمثال آدم سميث وجيرمي بنثام. ولهذا أكد روسُّو أن الناس حرصًا منهم على عدم ضياع هذه الحالة الفردوسية قاموا بالاتفاق مع حاكم قوي قادر على تأمين عملية تداول القيم الاقتصادية، وتنازلوا له عن جزء من حقوقهم مقابل أن يكفل لهم استمرار حالة الرفاهة هذه.

ثم لم تلبث فكرة الحقوق أن تطورت مع إعلان فيرجينيا لحقوق الإنسان في الولايات المتحدة، ثم مع إعلان الثورة الفرنسية، وانتهاءً بإعلان الأمم المتحدة في نفس الصدد.

لقد كان مردُّ التفصيل في بسط نظرية العقد الاجتماعي إلى حاجتنا لتحليل الأسس التي استند عليها المفهوم. ومن خلال معاودة قراءة هذه الخبرة نجد أن أطروحة حقوق الإنسان في الغرب استندت إلى ثلاثة أسس، هي:

أ - التعاقد.

ب - الصراع.

جـ - المنفعة.

فالتعاقد تم استنادا إلى رؤية أولئك المفكرين أن الجماعة الإنسانية تواضعت على أن المنفعة التي ستعود عليها من جراء الاتفاق مع حاكم، ووقف حالة الصراع القائم (لدى كل من هوبز ولوك) ، أو المحتمل (لدى روسُّو) ستكون منفعة تستحق تقليص عدد الحقوق التي يتمتع بها الفرد.

أما الأساس الثاني وهو الصراع فيمكن تمثله في حديث كل من هوبز ولوك عن الطبيعة الشريرة للأفراد، والتي أدَّت بهم إلى حالة حرب الجميع ضد الجميع. وحتى روسُّو الذي تصور أن حالة الطبيعة الأولى كانت حالة رفاهية أكد على أن مصير الجماعة البشرية إلى الصراع استنادا إلى تجدد الحاجات وتغيرها وتنوعها في الوقت الذي تتجه فيه الموارد المتاحة نحو مزيد من الندرة. بل إن أساس المنظور الصراعي في الأدبيات التي تأسست عليها الحضارة الغربية يرجع في أحد روافده إلى الفكر الاقتصادي الوضعي الغربي الذي أكد على ندرة الموارد وتزايد الحاجات البشرية على نحو تعجز معه الموارد على الوفاء بهذه الحاجات.

وأما فكرة المنفعة فهي فكرة نشأت في حقل الأدبيات الفكرية الاقتصادية، في محاولة لتبرير الملكية ورأس المال وتحولات البرجوازية الأوروبية نحو التجارة ثم الصناعة، وجهود تعظيم الربح وتقليل الإنفاق.. إلخ. وكانت هذه الفكرة التي خط ملامحها المفكر جيريمي بنثام أساسا لنشأة مفهوم البراجماتية الذي مثَّل أحد أهم روافد بناء التشكيل الحضاري الغربي. كما أن نفس الفكرة: المنفعة، مثلت البيئة التي نما فيها مفهوم الرشادة أو العقلانية التي استند إليها بعض المفكرين في تدشينهم لمفهوم حقوق الإنسان.

فالحالة التعاقدية جماع ذلك كله، كما أنها في النهاية التجسيد الملموس لمفهوم الحق. فالترجمة العملية لأية حالة تعاقدية تتمثل فيما يترتب على العقد من حقوق على طرف والتزامات على طرف آخر في نفس العقد.

الطرح الإسلامي: التمايز والتميز:

أشرنا من قبل لحالة بعض المفكرين المسلمين الذين سارعوا إلى تقليد الغرب وأعلنوا أن الإسلام لديه منظومة حقوق إنسان كما لدى الغرب، وأن حقوق الإنسان في الإسلام لا تقلُّ ألبتة في نطاقها وفي قيمتها عن حقوق الإنسان في الفكر الغربي. من السهل أن نحذو حذو هؤلاء المفكرين، الذين اصطلح عدد غير قليل من المفكرين على تسميتهم بالمفكرين الاعتذاريين، ومن ثم نؤكد بأغلظ الأيمان على احتواء الإسلام على حقوق إنسانية مماثلة للحقوق الواردة في المواثيق والإعلانات الغربية لحقوق الإنسان.

بل من السهل علينا أيضا أن نقول: إن أسس حقوق الإنسان في الإسلام تعاقدية كما في الغرب.. فالإسلام كله تعاقد على التسليم لله رب العالمين في مقابل الجنة.

ومن السهل أن نقول: إن المنفعة أيضا أساس إسلامي للحقوق، ونلبس نظريات المقاصد والمصالح في الفقه الإسلامي وأصوله لباس نظرية المنفعة بدلالتها الأدنى في الفكر الغربي.

ويمكن من باب المزايدة أن نقول: إن الصراع أحد الأسس التي يحفل بها الإسلام ملبسين في هذا الإطار نظرية التدافع لباس نظرية الصراع.

يمكننا أن نفعل هذا كله، لكن لن نفعل لأسباب وجيهة. فإن لم يكن الوقت قد أسعف إخواننا المفكرين الاعتذاريين ليراجعوا كنزهم القرآني؛ فإن الوقت قد فسح أمامنا لنبحث في هذا الكنز، ولنخرج منه بما هو أرقى من طرح الغرب في مجال حقوق الإنسان.

إن محاولات مفكري الإسلام إثبات أن الإسلام ليس أدنى من الحضارة الغربية أدت بهم إلى أن استوردوا المنظومة القيمية الغربية، وقاموا بطلائها بلون إسلامي - إن جاز التعبير- وفاتهم أن المفاهيم مرتبطة بأسسها الفلسفية، وأن محاولة استيراد النموذج الغربي بأسسه الغربية ستؤدي بنا، وقد أدت بالفعل، إلى استمرار الاعتماد على الاستيراد الفكري من الآخر، ومن ثم قادت أمتنا العربية والإسلامية إلى حالة من التبعية الثقافية، ناهيك عن أثر المنظومة الحقوقية المستوردة في إحداث التفرق والصراع الاجتماعي. كما أن هذا الاستيراد حرمنا من أن نبني منظومتنا الخاصة، وحرم الغرب من مشعل حضاري هو اليوم في مسيس الحاجة إليه بعدما وصل إليه من تفسخ اجتماعي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت