يقول لورانس براون: ' لقد كنا نخوف بشعوب مختلفة ، ولكننا بعد الاختبار لم نجد مبررًا لهذا الخوف ، لقد كنا نخوف من قبل بالخطر اليهودي والخطر الأصفر وبالخطر البلشفي إلا أن هذا التخويف كله لم نجده كما تخيلناه ، أننا وجدنا اليهود أصدقاء لنا ، وعلى هذا يكون كل مضطهد لهم عدونا اللدود ، ثم رأينا البلاشفة حلفاء لنا ، أما الشعوب الصفر 'الصين ، اليابان ' فإنها ليست خطيرة لهذه الدرجة ، ولكن الخطر الحقيقي كان في نظام الإسلام وفي قدرته على التوسع والإخضاع ، وفي حيويته ، أنه الجدار الوحيد في وجه الاستعمار الأوروبي ' د . مصطفى الخالدي.. د . عمر فروخ - التبشير والاستعمار.
وأحداث 11 سبتمبر وفرت لفريق الأصوليين المتعصبين والمتصهينين في الإدارة الأمريكية حجة قوية لاعتبار العالم الإسلامي عدوًا يجب قهره وتطويعه، حتى لا يظل مصدرًا يهدد الأمن القومي الأمريكي ولأن هذا العالم يكره الأمريكيين - كما ادعوا- فقد يخرج من بين أبنائه يومًا ما في المستقبل من يكرر ما جرى في 11 سبتمبر.
والخلاصة
نقول: إنه بالرغم من كل ذلك، فإن الدين في الدول الغربية لا يلعب إلا دورًا ثانويًا وهامشيًا للغاية. وبالتالي فليس للدول الأوربية في الجملة حساسيات عقدية ولا ثارات ضد الإسلام بالمعنى الدقيق رغم اختلاف الايدولوجيات السالفة ، هذا إذا استثنينا مجتمع المتدينين المتعصبين في الولايات المتحدة وغيرها ، وإذ كان الإنصاف يقتضينا أن نقرر أن اسم الإسلام أصبح مخيفًا لكثيرين الآن في الغرب ، وهذا الخوف نابع من انطباعات زمنية وليس من تأثيرات عقدية (بما يحمل اللفظ من معنى) !! .
ولكن هذه الخلفيات يمكن أن تسوغ لنا أن نقول أن الغرب بالمفهوم الذي تحدثنا عنه ليس ضد الإسلام كعقيدة ودين، ولكنه متمسك بإضعاف الإسلام وتقليص دوره في المجتمع.
لكننا إذا نظرنا إلى المشهدين من زاوية المقاصد والمآلات فلا مفر من أن نعترف بأن عملية الإضعاف هي في حقيقة الأمر نوع من إماتة الإسلام وتضييق الخناق عليه إلى حد خنقه في نهاية المطاف ، وقد يجوز ذلك أن نقول أن العبرة ليست بالنوايا ولكنها بالنتائج، فالإماتة في النتيجة لا تختلف كثيرًا عن القتل، إذ في الحالتين تشل حركة الإسلام ويفقد"روحه"حتى وإن استغرقت عملية الإماتة وقتًا أطولمن مقال للأستاذ فهمي هويدي .
وبالرغم من ذلك نقول: إن إطلاق العداء للغرب خطأ كبير. فليس الغرب باطلًا كله ولا ظالمًا كله ، وإنما ينبغي أن يتحرى المؤمن العدل في أحكامه والضبط في مشاعره.
ولا أدل على ذلك مما استطعنا جمعه من كاتبة غربية مثل (شرين هانتر) في كتابها (مستقبل الإسلام والغرب) ، والذي كانت فيه تحاول الإنصاف حتى أنها اعترفت بأمور كثيرة هي في حقيقتها مرة عند الغربيين منها على سبيل المثال:
أ - تقرير حقيقة أن الإسلام لا يمكن أن يهزم من خلال انتصارات عسكرية وأمثالها كما هزمت النازية والاشتراكية وأمثالهما.
ب - إن الايدولوجيا لا يمكن أن تفصل عن الحياة الاجتماعية ذلك لان المسألة الاجتماعية يجب أن تقام - ولو بشكل لا شعوري - على المسألة الفلسفية والاعادت بلا هدف ولا مبررات.
ج - إن الغرب لا يأبه بالقيم التي يدعيها كالديمقراطية وحقوق الإنسان إذا لم تخدم مصالحه.
د - إن العلمانية لا تجتمع مع النظام الديني حتى ولو كان مستمدًا من المسيحية أو اليهودية.
هـ - إن الذين ينظرون إلى رؤى الإسلام بسطحية هم سطحيين .
و - السخرية من هنتنگتن (3) عندما يقول إن الإسلام لا يعرف المساواة
ز - التفريق بين إيمان الإسلام بحقوق الإنسان وعمل المسلمين.
ح - الاعتراف بان العلمانية فرضت فرضًا على العالم الإسلامي.
ط - إن الغرب قد ينطلق من مواقف أخلاقية منحطة كالحسد والحقد وأمثال ذلك.
ولا شك أن هنالك أسبابًا عديدة تدعو غالبية المسلمين للشعور بحالة من النفور من السياسات والمواقف الغربية والتي اتسمت بماضٍ استغلالي استعماري وحاضر لا يقيم العلاقات على العدالة والإنصاف ، وهنالك شعور يسود في أوساط المسلمين أن هنالك تحيزًا ثقافيًا ودينيًا يسود أوساطًا واسعة في الشعوب الغربية ضد الإسلام. وأن موقف الإعلام الغربي الذي يأخذ صورة العالمية اليوم مناهض مناؤي للإسلام، ثم إن هنالك رموزًا حية لانحياز الغرب إلى جانب المعتدين على بعض شعوب الأمة المسلمة ومظاهرته لأولئك بالسلاح وبالمواقف السياسية ، وأبلغ الأمثال على ذلك هو الموالاة المطلقة لغالب دول الغرب لإسرائيل.
فكل هذه أسباب لا تفرش الطريق إلى محبة وتواصل مع الغرب. بيد أن الحكمة تشير أن الطريق الأوفق لا يتمثل في تسعير العداوة والبغضاء للشعوب والحكومات الغربية، بل بذل الجهود لإزالة التحيزات الثقافية ومناهضة الحملات الإعلامية والعمل على إحداث تغييرات في سياسات الحكومات الغربية وكل هذا بالإمكان من خلال العمل المثابر الدؤوب.
بيد أن إزالة نزعة العداء للغرب والتي تتفجر الآن في أعمال ترويعية لا تفرق بين المدني والعسكري، وبين الغافل والظالم لن يتم من جانب واحد. فالغرب الذي يجتهد اليوم في البحث عن أنجع السبل لمناهضة الإرهاب يتوجب عليه أن يدرك أن أقصر الطرق لمناهضة الأعمال الإرهابية هو التعامل بعدالة ونزاهة مع الشعوب الإسلامية.
فذلك هو السبيل لنيل ثقة أهل التوسط والاعتدال والذين هم الضمانة الأولى لكبح نزعات التطرف والغلو.
ولكن السياسة الأمريكية اليوم ماضية في منطقها الاستعلائي، وتكاد تقاريرها المتغطرسة أن تقول شيئًا واحدًا لقد انتصر الغرب على الشرق، وتفوقت المادة على الروح، وأن عصر المادية الأمريكية هو نهاية التأريخ.
إن مسؤولية الاتصال والتواصل السليم بين العالم الإسلامي والغرب مسؤولية مشتركة، ولسنا في مجال تحديد التقصير أو الخطأ من أحد الأطراف، ولكن واقع العلاقة الآن يفرض علينا أن ندعو إلى بناء هذه العلاقة على أساس سليم ووفق منهج علمي يليق بتاريخ هذه العلاقة، وبالكثير من جوانبها المهمة، وبأثرها في تحقيق السلام والخير للبشر جميعًا، فهي علاقة، بين مئات الملايين من البشر.
والحقيقة أن القيم الإسلامية إنما ترفض الجانب المعادي للإنسانية في الغرب كالتحلل الجنسي، واستغلال الشعوب، ورفض الحياة الخلقية والكيل بمكيالين والعمل على محو الثقافات الأخرى، والاستعمار بشتى ألوانه، وأمثال ذلك وفيما عدا ذلك فان هناك نقاط التقاء كثيرة ونقاط تقبل الحوار.
يقول الدكتور المسيري:"فعداء الغرب للإسلام ليس عداء في المطلق، وإنما هو عداء للإسلام المقاوم، ولأي شكل من أشكال المقاومة تتصدى لمحاولة الغرب تحويل العالم إلى مادة استعمالية". الإسلام والغرب.
ومع هذا تظل إمكانية الحوار والتفاهم قائمة، وإن كان ثمة عائق أساسي وهو أن الرؤية الغربية الإمبريالية الداروينية غير عقلانية. فمن يجعل القوة معيارًا واحدًا ووحيدًا ولا يقبل الاحتكام إلى منظومة قيمية خارجة، إنسان غير عقلاني، لأن العقلانية تفترض وجود معايير إنسانية وأخلاقية مطلقة خارج الإنسان يمكن الاحتكام إليها. والسؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف نتحاور في غياب معايير أخلاقية وإنسانية يمكن الاحتكام إليها والإهابة بها؟
وأرى ـ والله أعلم ـ أن هناك ثلاثة مستويات للحوار: