أحدهما: استحضار أن هناك خمسة طوائف من الغربيين، فكما أن هناك طائفة أولى من المستكبرين باطري الحق وغامطي الإسلام، فإن هناك طائفة ثانية من الجهلة المغرر بهم، أما الطائفة الثانية فلا يعرف أهلها عن الإسلام إلاّ ما صورته الطائفة الأولى، فهؤلاء المساكين يحب أن يستنقذوا من بني الإسلام، فيعرفوا بنبي الثقلين وبدين الحق فتعرض لهم صورته المشرقة في سكينة وهدوء، وتقصير المسلمين في حقهم من أفحش الظلم لهم.
أما الطائفة الثالثة فهي بين هؤلاء وهؤلاء وهم المعرضون الذين لا يريدون معرفة الحق وتمييزه من الباطل، يصمون آذانهم ويستغشون ثيابهم، إما لهوى أو ظلم أو جهل، وهؤلاء ينبغي أن يرغبوا في الإسلام وينبهوا إلى أهمية النظر فيه، قبل أن يُلحقوا بالفريق الأول.
وأما الطائفة الرابعة فهم المنصفون من الغربيين الذين عرفوا شيئًا من الإسلام فبانت لهم تعاليمه السمحة، وتشريعاته الحكيمة، وعرفوا شيئًا عن نبينا _صلى الله عليه وسلم_ فعظموه، فوقفوا موقف أبي طالب من محمد _صلى الله عليه وسلم_، وقاموا مقام غيره ممن حمى بعض أهل الإسلام وذب عنهم.
ومن هؤلاء على سبيل المثال جوسلين سيزاري (الباحثة الفرنسية) ، روبرت فيسك الصحافي البريطاني، ماركوس بورج استاذ علوم الدين في جامعة أوريغون الأمريكية، فرانسوا بورجا الباحث الفرنسي المرموق وكذلك كارين أرمسترونج الكاتبة البريطانية والراهبة الكاثوليكية سابقا وصاحبة العديد من المؤلفات عن الإسلام والمسيحية واليهودية.
بل الأمير الإنجليزي تشارلز وشهادته النادرة التي أسقط فيها صفة التطرف التي يحاول الإعلام الغربي أن يربطها بالإسلام إلى جانب دفاع تشارلز عن فضل الحضارة الإسلامية على القارة الأوروبية وعلى الحضارة الغربية بصفة عامة.
وأمثال هؤلاء ينبغي أن يعرف لهم فضلهم، وأن يكافؤوا عليه، وأن يحرص على دعوتهم وهدايتهم، وحري بمثلهم أن يسلموا إذا تعرفوا على الإسلام أكثر.
وأما الطائفة الخامسة والأخيرة فهم مسلمو الغرب، فهؤلاء ينبغي أن نكون ردءًا لمحسنهم، حادبين على مسيئهم، حريصين على هدايته وتوجيه التوجيه الأمثل.
أما الأمر الثاني الذي تنبغي مراعاته:
فهو معرفة الأسباب الأخرى التي ساعدت على تشويه صورة الإسلام والمسلمين، على الرغم من توافر عوامل التعريف بالإسلام وأهله في عصر الفضائيات وثورة الاتصالات.
ولعل أهما ينحصر في اثنين:
الأول: تقصير بني الإسلام في عرض صورة الإسلام الواضحة النقية.
والثاني: عرض صورة لمسخ مشوه والتصريح بأنها صورة الإسلام، أو الإيهام بذلك، عمدًا أو خطأ.
ولاشك أن هذين السببين يتداخلان مع ما سبق ذكره، ولاسيما الثاني فإن أثر الغرب في هذا ظاهر، بيد أن الغرب ليس هو كل شيء فيه، كما أن حقد الغربيين له من يدعمه من الأطراف العميلة المؤثرة وليست كل شيء فيه.
أما تقصير بني الإسلام في عرض صورة الإسلام الواضحة النقية فيشمل أمورًا منها:
* تقصيرهم في عرضه ابتداء.
* وتقصيرهم في تنقية الصورة المشوهة بالشبه الغربية أو المستغربة الناطقة بالعربية.
* تقصيرهم في بيان الأخطاء ومعالجتها، على المستوى الداخلي والخارجي، فعندما تزور ممارسات باسم الإسلام خطأ، ثم لا يوضح بجلاء أن الإسلام منها براء داخل الصف المسلم أو خارجه، فإما أن تبقى الصورة مشوهة عند إغفال الاعتراف بالخطأ وتصحيحه في الذهن الغربي، وإما أن تتكرر الأخطاء عند إغفال توعية الصف المسلم وحواره وتعريفه بالخطأ الذي وقع فيه.
وأما عرض صورة لمسخ مشوه والتصريح بأنها صورة الإسلام، أو الإيهام بذلك، عمدًا أو خطأ، فذلك يشمل أمور أيضًا:
* منها الممارسات التي يعتقد بعض الجهلة أو المتحمسين أو المنهزمين أنها من الإسلام والإسلام منها براء.
* ومنها ما يزوره العلمانيون وأضرابهم وأذنابهم من دعاة التنوير بإحراق الفضائل، الذين يزعمون جهلًا أو كذبًا أن الإسلام لايعارض ما يعرضون وأن معارضته تشدد أو تزمت.
* ومنهم ما يُعرض في وسائل الإعلام المسلمة، أو يعرض في واقعهم من تعاملات مشينة، أو ممارسات تخالف هدي الإسلام، بغير نكير في أحيان، وبنكير لايلتفت إليه في أحايين أخرى، فكل هذا مما يوهم الغربيين بأن تلك الصورة المشوهة هي الإسلام.
فلعل ما سبق من أسباب داخلية وخارجية، هي أعظم الأسباب التي قادت إلى تشوه صورة الإسلام لدى الغرب.
ويحسن التنبيه إلى أن العلاج الذي نملكه يتعلق أولًا بعلاج المظاهر والأسباب التي للمسلمين فيها يد، كتصحيح واقعهم، مثلًا وإنكار المناكر التي ليست من الإسلام في شيء.
ثم ثانيًا بمدافعة الباطل وأهله الناقمين على الإسلام ومجاهدتهم جهادًا كبيرا من أجل إيصال صورة الإسلام للناس بيضاء نقية كما جاءنا به محمد _صلى الله عليه وسلم_.
وهذا يتطلب خطابًا إعلاميًا عصريًا نقديًا وموضوعيًا يغزو الأسواق الغربية ويبتعد عن رتابة الخطاب الإعلامي الغربي والإسلامي الموجود اليوم.
كما أن الحاجة إلى الاتجاء إلى الله ماسة، والاعتماد عليه كبيرة، والدعاء لأهل الضلال من الكفار بمعرفة الحق واتباعه، وفي صحيح البخاري ابن مسعود قال: كأني أنظر إلى النبي _صلى الله عليه وسلم_ يحكي نبيا من الأنبياء ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون.
فكما أننا بحاجة إلى دعاء الله بأن يهلك الظالمين المستكبرين المعرضين من الكافرين المستهزئين، نحن أيضًا بحاجة إلى أن نسأله سبحانه أن يهدي ضالهم ويدل حائرهم ولاسيما أولئك النفر الذين لا يزالون ينافحون عن الإسلام ونبيه عليه الصلاة والسلام.
رابعًا: تحرير مفهوم حرية التعبير واحترام الأديان والمقدسات.
شاعت عند الغربيين منذ قرن من الزمان عبارة يبدو أن من أشهرها بينهم أحد أعمدة كتاب الخيال العلمي ألا وهو الكاتب الشهير المولود أوائل القرن الماضي روبرت هاينلاين (Robert Heinlein) . الذي قال:"حقك في أرجحة قبضتك ينتهي حيث تبدأ أنفي"17!
ويصوغها بعضهم في شكل طرفة يصور فيها رجلًا يتثاءب ويتمطى على مقعده بحديقة عامة، فيفرد يده بكل قوة لتستقر في أنف جاره الغافل، والذي ما أن رقأ دمعه، وذهب احمرار وجهه، واختفت أصداء صرخته، حتى قال لجاره: بهدوء -يغبط على تمالك نفسه فيه-: يا عزيزي لقد هشمت أنفي!
فما كان من جاره إلاّ أن فرَّ ثغره مبديًا أسنانًا صفراء في ابتسامة باردة، ثم قال مجيبًا صاحبه: أنا.. أنا حر! أتمطى كيف شئت أن أتمطى!
وبعدها أظلمت الدنيا أمامه إثر شيء صلب اصطك بصدغه، وكان آخر ما سمعه كلمات بل صرخات يقول فيها جاره الذي تصاعدت أبخرة الغضب من رأسه، وحاكى لونه لون الجزرة، بينما انطلقت أطرافه الأربعة نحوه كأنها نبال: حرية يدك تنتهي حيث تبدأ حرية أنفي يا...
ومن رحمة الله به أن حجب عنه سماع بقية الكلمات فقد أغمي عليه إثر اصطكاك بعض الأطراف برأسه!
ولعل مضمون هذه العبارة أمر بدهي، كما أن ما يرد عليها من قيود أمر بدهي كذلك، ومن ذلك ما قاله السياسي الأمريكي نجم المحافظين الصاعد والمدافع عن الحريات الفردية الشهير بول جاكوب (Paul Jacob) إذ قال ما حاصله: إنك قد تملك الحق في أرجحة قبضتيك حتى تستقر ليس فقط على رأس أنف صاحبنا، بل أبعد من ذلك بنصف بوصة إلى حيث يتكوم أنفه!
وذلك في حالات المجازاة بالمثل، أو الدفاع عن النفس، شريطة ألا يصل ذلك إلى حد أبعد من: (العين بالعين) 18.