ولنأخذ على سبيل المثال صنيع الدنمارك الأخير فقد أُطلقت يد الإعلام هنالك فنال بعضهم من بعض شعائر الإسلام بل من رسول البشرية _صلى الله عليه وسلم_.
وعلى الرغم من وجود أعداد كبيرة من المسلمين في الدنمارك، تمثل ديانتهم الديانة الثانية في تلك البلاد من حيث تعداد السكان19، فضلًا عن شعوب كاملة يسوؤها ويغضبها ويزكي روح البغض والبراء في نفوسها مثل هذا الصنيع، إلاّ إنك لا تجد لأدعياء الحقوق أثرًا، بينما لم يعبأ الساسة والمتأمرون بمشاهد الأسى والأسف التي علت وجوه المسلمين.
وكأنهم لم يوقعوا بالأمس أو يدعوا العالم للإعلان العالمي لحقوق الإنسان20، أو العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية21.
لقد جاء في الإعلان العالمي ما نصه:"الدول الأعضاء قد تعهدت بالتعاون مع الأمم المتحدة على ضمان اطراد مراعاة حقوق الإنسان والحريات الأساسية واحترامها"22. ثم قرر الإعلان أن من الحريات الدين في غير موضع ومن ذلك نص المادة الثامن عشرة:"لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين".
وجاء في العهد الدولي الخاص بالحقوق السياسية والمدنية ما نصه:"تحظر بالقانون أية دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية تشكل تحريضا على التمييز أو العداوة أو العنف"23.
فبموجب نص الإعلان العالمي فإن على حكومة الدنمارك أن تحترم الدين الذي أفادت تقارير الأمم المتحدة نفسها أنه أكثر الأديان انتشارًا.
فهل من احترام الدين السخرية من نبي ملة تعظمه مليار نفس بشرية على وجه الكرة الأرضية اليوم؟
وبموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق السياسية فإن على الحكومة الدنماركية وغيرها أن تحظر بالقانون أي دعوة تثير الكراهية الدينية لدى المسلمين.
وأي شيء يثير الكراهية لدى المسلم أكثر من انتقاص من لا يؤمن حتى يكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين؟
إن أمثال تلك الطعونات الرعناء في الإسلام وفي نبي الإسلام تنبئ عن مصداقية بعض الدول الغربية وتبين ما يعنيه التزامهم بتلك القوانين المتعلقة بالحقوق المدنية والسياسية، أو حقوق الإنسان عمومًا.
وكذلك فإنها تفضح المعيار المزدوج للدولة التي نصبت نفسها مسؤولًا عن احترام الحريات الدينية.
لقد جاء في التقرير السنوي الأمريكي حول الحريات الدينية في العالم عام 2004م ما نصه:"وتعترف الولايات المتحدة بمسؤوليتها الخاصة بالنسبة لاحترام تلك المعايير في الحفاظ على الحرية الدينية وفي حمايتها"24.
وأكد ذلك الرئيس جورج بوش عام 2005م إذ نقل عنه ما معناه:"على الرغم من تقدم الولايات المتحدة بسبب الحرية، نتذكر بأن الحرية ليست هدية أمريكا إلى العالم، لكنها هدية الله إلى كل رجل وامرأة في هذا العالم. هذه الحقيقة تقود جهودنا لمساعدة الناس ليحرزوا حرية دينية في كل مكان"25.
فهم يزعمون إذًا أنهم مبعوثون من قبل الله من أجل الحفاظ على الحريات الدينية وحمايتها.
فما رصيد هذا الزعم من التطبيق العملي ولنأخذ الدنمارك الذي تزايدت فيه الإساءة لنبي الإسلام ولدينه في السنوات الثلاث الأخيرة وبالأخص بعد عرض فلم الخضوع (Submission) الذي أساء إلى الإسلام أواخر عام 2004م، وكان قد أثار موجة احتجاجات إسلامية أول ما صدر -في هولندا- أسفرت عن مقتل مخرجه"ثيو فان جوخ" (Theo Van Gogh) ببعض شوارع أمستردام في أول عام 2004م.
مع ذلك جاء التقرير الأمريكي الأخير للحريات مليئًا بالمفارقات أو النفاق السياسي على حد قول البعض.
فقد أكد أن الدستور الدنماركي يعزز الحرية الدينية، ويحترم الحق الديني عمومًا، وأنه لم يكن هناك تغير في مكانة احترام الحرية الدينية أثناء المدة التي غطاها التقرير، وأن الحكومة واصلت سياستها في تعزيز حرية ممارسة الدين.
بيد أن التقرير أشار إلى اشتراط الدستور عندهم أن يكون الملك الحاكم عضوًا في الكنيسة الإنجيلية اللوثرية، وأن الكنيسة اللوثرية الإنجيلية هي المجموعة الدينية الوحيدة التي يمكن أن تستلم الإعانات المالية أو الأموال الرسمية مباشرة من خلال نظام الضرائب. وذكر أيضًا أن 12% تقريبًا من دخل الكنيسة يجيء من الإعانات المالية الرسمية.
ولم ينس التقرير أن يشير إلى حالات مسجلة مما يسمى بحوادث معاداة السامية مع أن الحكومة الدنماركية حققت في بعضها وأدانت المسؤولين عنها.
وكذلك نشرت مقالًا شاركت به السفارة الأمريكية في تقرير معاداة السامية يناير 2005م وذلك في صحيفة كريستيليج داجبلاد (Kristelig Dagblad) اليومية الوطنية، وهي الصحيفة الدينية الوحيدة بالدنمارك، أكدت فيه على حاجة الحكومات إلى اتخاذ خطوات صلبة لمعالجة قضية الانتهاكات المعادية للسامية المتزايدة في أوروبا وروسيا على حد وصف التقرير.
المفارقات في تطبيق قوانيين الحريات:
الشاهد مما سبق بيان المفارقة بين المكاييل التي تكيل بها بعض الدول التي تزعم رعاية الحرية وابتعاث الله لها لأجل صيانتها، فبينما تدرج دولًا كالسودان ضمن القائمة السوداء مع أنه لم ينص دستورها على ما نص عليه دستور الدنمارك في شأن الحاكم، ولا أُثبتت فيها حالات اضطهاد لأجل الدين لنصارى أو وثنيين، ولا يعرف نص في مواد أحكامها يأذن بدعم المسلمين على حساب غيرهم26، تشيد هنا بالتزام الدنمارك بالحريات الدينية وفي غير موضع، وبينما ينص على أن حكومة السودان تضيق باب بناء الكنائس وإحداثها، لايشار إلى تضييق الدنماركيين على أصحاب ثاني أكبر دينانة عندهم في بناء المساجد وإحداثها!
وبينما توضع المملكة العربية السعودية ضمن قائمة الدول التي لا تحترم الحريات الدينية تغفل الدنمارك، مع أن الأخيرة يهزأ فيها بنبي ودين جهارًا، والأولى لو تجرأ فيها مسلم فسخر من المسيح -عليه السلام- لتعرض لأشد العقاب. فما لهم كيف يحكمون!
ومن جهة أخرى يتعرض التقرير لقضية معاداة السامية على الرغم من جهود الدنمارك في هذا الصدد، وعلى الرغم من محاسبة الدولة لبعض المدانين في نحو هذه القضية، وعلى الرغم من أن اليهود شرذمة لا يتعدى تعدادها السبعة آلاف نسمة في الدنمارك، بينما يعرض عن الإساءات التي يتعرض لها الإسلام ثاني أكبر دين بالبلاد وكذلك المسلمون عبر وسائل الإعلام المرئية والمقروءة!
بل يُعَرِّضُ التقرير في معرض ذكر معادة السامية بالمسلمين المثيرين.
وبينما يحظر على البعض البحث ولو في مسألة تاريخية كشأن المحرقة اليهودية سدًا لذريعة معاداة السامية! يباح لآخرين الطعن في دين المسلمين ونبيهم _صلى الله عليه وسلم_ جهارًا نهارًا على الملأ.
وبعد ذلك يرون بوقاحة قول المسيح -عليه السلام-:"أَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تُقَاوِمُوا الشَّرَّ بِمِثْلِهِ، بَلْ مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ، فَأَدِرْ لَهُ الْخَدَّ الآخَرَ"27.
وقوله:"أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ، وَبَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ، وَأَحْسِنُوا مُعَامَلَةَ الَّذِينَ يُبْغِضُونَكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَضْطَهِدُونَكُمْ"28.
أهم حقًا أتباع عيسى _صلى الله عليه وسلم_، أم الذين قال فيهم القطامي:
تراهم يظلمون من استركوا ويجتنبون من صدق المصاعا29!
ويحق لنا أن نتساءل وإن كان الجواب واضحًا:
أبعض الظالمين وإن تعدى شهي الظلم مغفور الذنوب؟
وأقبح من نحو هذا الذي يتبجحون به، محاولة بعضهم إناطة أسباب بعض مظاهر الغلو في الدين بدعوات خرجت أكابر الدعاة والهداة، ويغفلون أفعالهم هذه وهم يعلمون أن كل فعل له ردة فعل معاكسة في بعض النفوس!
والخلاصة: