فهرس الكتاب

الصفحة 797 من 1942

إذا تخيل العاملون للنهضة شلالًا من الأحداث، يبدأ من نقطة هي النهضة الأوروبية من بداية القرن الخامس عشر الميلادي- أي حدوث التحول العلمي المعرفي العقلي في المجتمعات الأوروبية، والتحول الاقتصادي الرأسمالي في المجتمعات الغربية، والتحول الاجتماعي الذي سنتحدث عن مظاهره اللاحقة بعد ذلك، والانطلاق من مرحلة الإقطاع إلى مرحلة الليبرالية ثم الديمقراطية بعدها - هذه النهضة والتي تمثلت في هذه التحولات الكبيرة في المجتمعات الأوروبية يمكن أن تكون نقطة البداية في هذا الشلال.

النهضة الأوروبية

تحول علمي معرفي عقلي

تحول اقتصادي رأسمالي

تحول اجتماعي

النقطة الثانية: العلمانية

ثم لننطلق مع شلال الأحداث إلى المرحلة الثانية، فيتجلى أثر هذه العوامل التي ذكرناها في:

1.بروز ظاهرة روح الفردية في المجتمعات الأوروبية.

2.بروز ظاهرة الإلحاد بنسب مختلفة. حيث لم يبق من الكنيسة في الداخل إلا الرمز، إلى جانب دورها الخارجي في ترويج الحالة الاستعمارية. أما في المجتمعات الأوروبية فالغالب الأعم من المجتمع ملحد بشكل من الأشكال.

كان من الممكن أن تكون العلمانية نموذجًا أوروبيًا محليًا. ولكنها كأي أيديولوجيا لا تقبل البقاء في مساحة من الأرض؛ بل تعد نفسها نموذجًا عالميًا لابد من تطبيقه في كل أنحاء العالم

3.بروز ظاهرة الربا. فالمجتمعات الأوروبية مجتمعات ربوية بشكل لا مثيل له.

4.بروز ظاهرة الإباحية - أي أنماط العلاقات غير الشرعية والشاذة بين الرجل والمرأة؛ بل بين الرجل والرجل، والمرأة والمرأة - في هذه المجتمعات. والتي هي في أساسها تمرد على ظاهرة الزواج وظاهرة الأسرة، إلى أنماط جديدة من ألوان المعاشرة الجنسية والاستمتاع بالغرائز الجسدية.

شكلت هذه الظواهر الأربع قناعات لدى قادة المجتمع الأوروبي قادتْهُ إلى التوصل إلى ضرورة نزع الدين من ثلاث مناطق: المدرسة والمحكمة ونظام الحكم. وتكرس في أوروبا مبدأ العلمانية على هذه الأسس. أن المدارس يجب أن تُجنب الظاهرة الدينية، وأن المحاكم يجب أن تُنفذ فيها قوانين وضعية لا علاقة لها بالأديان، وأن نظام الحكم هو نظام بشري، يضعه البشر، ولا يجب أن يتدخل فيه أي نص سماوي.

كان هذا تشكيلًا للحياة الأوروبية، وكان يمكن أن يكون نموذجًا محليًا، ولكنه كأي أيديولوجيا لا تقبل البقاء في مساحة من الأرض، بل تعد نفسها نموذجًا عالميًا لابد من نقله إلى كل أنحاء العالم.

روح الفردية

الإلحاد

الربا

الإباحية

الحكم

المدرسة

المحكمة

الحكم

المدرسة

المحكمة

العلمانية

العلمانية

العلمانية

العلمانية

العلمانية

العلمانية

العلمانية

العلمانية

لقد أيقن المشروع الغربي في تحركه أنه يحتاج إلى مبرر أخلاقي، فكانت مهمة الرجل الأبيض وتحرير الشعوب ونقل الحضارة ونشر الديمقراطية هي مبرر عمليات الاستعمار

النقطة الثالثة: تشكل الأيديولوجيا

أما النقطة الثالثة من الشلال فهي تحول هذه المنظومة الفكرية القيمية إلى أيديولوجيا تسعى للهيمنة على مستوى العالم. وتقرر أن بقية المنظومات ما هي إلا منظومات ثانوية، يجب أن تتوارى في مقابل هذا المشروع الضخم - كما يقول بعض الكتاب الغربيين في مراحل لاحقة (Liberalism is an unfinished project) فهو مشروع لم ينتهي إلى الآن ويجب أن يستمر حتى يُنجز على مساحة العالم بالكامل.

النقطة الرابعة: إنشاء الدول الرديفة

لإيجاد هذا المشروع الذي يحتوى هذه الأيديولوجيا، أو يقف على هذه الأيديولوجيا الليبرالية بالمعنى الغربي - وخاصة في شقها المتعلق بنزع الدين من المدرسة والمحكمة والحكم - والذي يستند إلى ذراع أكبر، وهي القضية الاقتصادية، واستغلال موارد الدول الأخرى -تحرك المشروع الغربي. ولكنه أيقن في تحركه وانتشاره بأن أي عملية استعمار تحتاج إلى مبرر خلقي. فاتُخذت تكأة الرجل الأبيض30، وقضية تحرير المجتمعات الأخرى كمنطق للتحرك. وهنا لعبت الدبلوماسية والعسكر - وبعد ذلك المدارس والجامعات والإعلام - دورًا ضخمًا في تكريس النموذج وتحريكه من بلد إلى آخر. فتمكن المشروع الغربي من فرض سيطرته على الدول الناشئة والتي بدأت تتبلور فيما بعد حركة التحرير وثورة هذه المجتمعات ضد ظاهرة الاستعمار. ثم تم إغراء من لم يقع تحت هذه السيطرة بقضية الاستدانة لتنمية بلادهم. ومع وجود الفراغ العلمي والقصور الإداري والفساد المالي،

الدول الرديفة هي الذراع الأيمن القوي الذي يستند عليه المشروع الغربي في أمتنا

كانت المحصلة الأكيدة أن تبدد هذه الأموال، ولا يحسن استخدامها، وأن تقع هذه الدول في شراك مصيدة الديون، والتي لم تخرج منها حتى بعد استقلالها. وإلى اليوم تقع كثير من دول العالم في أمريكا الجنوبية وفي العالم العربي وفي العالم الإسلامي وفي آسيا تحت مصيدة الديون التي تتراكم شيئًا فشيئًا، وتؤدي إلى المرحلة الأخرى، وهي العجز عن السداد. ثم يتدخل صندوق النقد الدولي والقوى الاستعمارية لتفرض سيطرتها على اقتصاد هذه الدول. وتصبح هي المسيطرة على الاقتصاد. فتكون بذلك مرحلة أخرى من الشلال قد بدأت، وهي المطالبة بتطوير هذه البلاد - والمقصود به نزع الدين من المدرسة والمحكمة والحكم - لإقامة الدولة الرديف المؤيدة والمساندة للمشروع الغربي، والمعارضة والنابذة لهوية الأمة. وبالتالي تصبح هذه الأنظمة، وهذه الدول بمثابة الذراع الأيمن القوي الذي يرتكز عليه المشروع الغربي في أمتنا، والذي يبطش بأعداء هذا المشروع.

أصبح العالم مقسمًا إلى منظومتين. استعمارية تمثلها دول الشمال، ومُستغلة محرومة تمثلها دول الجنوب

وهكذا يتم تأمين انتشار وتطبيق النموذج الغربي وضمان استمرار تدفق المصالح إليه - بأيدينا وبأموالنا - مع حرمان هذه الدول من المعرفة الحقيقية، والقدرة على النهوض الاقتصادي المستقل فيما بعد.

النقطة الخامسة: انتشار المشروع وانتقاله

وهكذا يصبح عندنا حلقة مفرغة من تعزيز الحالة الاستعمارية ثم دعم ودفع المشروع مرة ثانية في دول أخرى. وهكذا أصبحت هناك منظومة عالمية تتكون في القلب من النظام الاستعماري أو الدول التي تقع في القلب وتمثلها الآن - كما يقال - دول الشمال، ومنظومة تقع في دائرة الاستغلال والحرمان من المعرفة العلمية الحقيقية العميقة وتمثلها دول الجنوب. ومن هذه الجدلية الكبيرة تبرز ظاهرة الصراع الموجودة الآن في العالم،

الانتشار والانتقال إلى دول أخرى

النهضة الأوروبية

العلمانية

أيديولوجيا تسعى للهيمنة

إنشاء الدول الرديفة

الحرية والعدالة والتعاون هي صمام أمان العالم

إن القضايا الثلاث الرئيسة التي تحتاجها البشرية هي: الحرية والعدالة والتعاون. فإذا افتقدت الأمم الحرية والعدالة، وغاب التعاون - الذي لا يتحقق إلا بهما - تنشأ الاضطرابات والصراعات، وتنشأ إشكاليات لا حصر لها ولا يمكن وقفها، لأن تلك سنة الله تعالى:"ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض"31. ولا يتم هذا التدافع إلا بطغيان بعض القوى على قوى أخرى والأمر لله من قبل ومن بعد.

الخلاصة

بواعث النهضة الحقيقية لهذه الأمة تتمثل في مبدأ شمول الإسلام، والتحديات الكبرى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت