فهرس الكتاب

الصفحة 829 من 1942

-ولا يمكن استكمال صورة الفكر الليبرالي في مصر دون التوقف مطولًا مع تجربة د. محمد حسين هيكل (61) (1888-1956م) ، فقد تتلمذ في السياسة والفكر على لطفي السيد، وفي باريس انفتح على الثقافة الأوروبية بكل تجلياتها، وأبدى إعجابًا بها وحماسًا كبيرًا نحوها (62) ، وساهم في صياغة الفكر الليبرالي في مصر عبر ترجماته المتعددة في الأدب الفرنسي خاصة لأناتول فرانس (63) ، وعبر مؤلفاته، وكان من أهمها"جان جاك روسو: حياته وأدبه" (1921-1923م) . وإن كان جهده الفكري والثقافي الأبرز في رئاسة تحرير"السياسة"، أبرز منابر الفكر الليبرالي في مصر خلال هذه المرحلة (64) .

وإذا كان د. هيكل من أجرأ من عبّر عن أفكاره التحديثية الليبرالية، فإنه أيضًا تمتع بقدر عالٍ من الجرأة في التعبير عن مراجعات فكرية عميقة وجذرية إلى حد ما، في مرحلة العودة إلى الإسلام أو إلى"التوفيقية" (65) في عقد الثلاثينيات، لقد استفزته الهجمة التبشرية على مصر (66) ، فتصدى لها (67) .

وبدأت المقالات الإسلامية تجد سبيلها للنشر على صفحات"السياسة" (68) ، وانطلق يؤلف في الدراسات الإسلامية، فأصدر"حياة محمد" (1932-1935م) ، و"في منزل الوحي"1936م، كما عبر بصراحة عن خيبة أمل عميقة بالحضارة الغربية، وبسياسات الغرب، وبفرص نجاح الثقافة الغربية في البيئة المصرية والعربية (69) .

-ويعد د. طه حسين (1889-1973م) (70) ، من أبرز دعاة الليبرالية والتحديث في هذه المرحلة، فبعد أن درس في الأزهر (1902-1908م) ، غادره إلى الجامعة المصرية، فغادر بذلك ثقافة الأزهر ليتجه في طريق الثقافة الغربية المسيطرة في الجامعة المصرية، ولما انتقل للدراسة في باريس تعمّق التوجه نحو الغرب الثقافي في وجدان طه حسين وعقله.

أبدى اهتمامًا بالفكر الاجتماعي منذ أن أعد أطروحته لنيل درجة الدكتوراه في جامعة السوربون عام 1918م، بعنوان"فلسفة ابن خلدون الاجتماعية"بإشراف عالم الاجتماع اليهودي إميل دور كهايم (71) (1858-1917م) ، كما أبدى اهتمامًا بالفلسفة اليونانية، والفلسفة والفكر الأوروبيين الحديثين. وارتبط بصداقة فكرية وسياسية حميمة مع أحمد لطفي السيد، كما ارتبط بحزب الأحرار الدستوريين، ثم تحول في مطلع الثلاثينيات نحو الوفد (72) .

سخّر طه حسين كل جهوده الفكرية والأدبية والأكاديمية والسياسية، لخدمة الفكر الليبرالي الغربي الذي آمن به، ووقف حياته للدعوة للمفاهيم والقيم الليبرالية، وانخرط طويلًا في معركة"القديم والجديد" (73) .

وكثيرًا ما لجأ إلى الاستفزاز والإثارة، عندما كان يعمد إلى مصادمة الناس في معتقداتهم الدينية، كما فعل في كتابه"في الشعر الجاهلي"، وظلت تطارده تهمة تقديم"دراسات إلحادية"لطلبته في الجامعة، وتسببت في إخراجه من الجامعة عام 1931م (74) ، لكنه ساهم في الحملة على النشاط التبشيري في مصر (75) .

وأصدر في ديسمبر 1033م كتابه على"هامش السيرة"، وقد أتى متزامنًا مع دراسات هيكل في السيرة.

لكن طه حسين لم يظهر شيئًا من المراجعة الفكرية كهيكل، ويصرح بأن هذه الدراسة تأتي في إطار تقديم الدراسات الأدبية الترفيهية، التي تقرّب صورة الأدب العربي القديم للشباب، وتقدم ترفيهًا للنفوس المتعبة؛ فيقول:

"وأحب أن يعلم هؤلاء أن العقل ليس كل شيء، وأن للناس ملكات أخرى ليست أقل حاجة إلى الغذاء والرضا من العقل، وأن هذه الأخبار والأحاديث إذا لم يطمئن إليها العقل، ولم يرضها المنطق، ولم تستقم لها أساليب التفكير العلمي، فإن في قلوب الناس وشعورهم وعواطفهم خيالهم وميلهم إلى السذاجة، واستراحتهم إليها من جهد الحياة وعنائها، ما يحبب إليهم هذه الأخبار ويرغبهم فيها، إلى أن يلتمسوا عندها الترفيه على النفس حين تشق عليهم الحياة، وفرق عظيم بين من يتحدث بهذه الأخبار إلى العقل على أنها حقائق يقرها العلم وتستقيم لها مناهج البحث، ومن يقدمها إلى القلب والشعور على أنها مثيرة لعواطف الخبر، صارفة عن بواعث الشر، معينة على إنفاق الوقت واحتمال أثقال الحياة وتكاليف العيش" (76) .

كما أنه نشر في الفترة نفسها كتابة"من بعيد"وهو عبارة عن مجموعة مقالات كتبها خلال أعوام (1923-1930م) ، وصدرت الطبعة الأولى منه عام 1935م، وهو لا يشير إلى أي تحول فكري عن الخط السابق.

ثم أصدر كتابه الأخطر وهو"مستقبل الثقافة في مصر"عام 1937م، وهو أوضح تعبير عن مشروع طه حسين الفكري القائم على التغريب، والعلمانية الصرفة (77) .

-أما عباس محمود العقاد (1889-1964م) (78) ، فقد أسهم بجهد فكري معتبر في دعم الفكر الليبرالي، وفي الدفاع عن توجهات الوفد الفكرية والسياسية، فقد بقي طيلة الفترة (1923-1935م) ، يكتب المقال الافتتاحي في الصحافة الوفدية.

فقد آمن العقاد بالديمقراطية الليبرالية، ودافع عن الحرية، وتصدى في هذه المرحلة للفكر الاشتراكي وللشيوعية، ودافع بحرارة عن موقف الوفد الرافض لفكرة الخلافة، ولعقد مؤتمر الخلافة، ولتطلعات الملك فؤاد في هذا الشأن.

كما دافع بقوة عن التوجهات العلمانية للوفد، لكنه اختلف مع الوفد وخرج عليه شعورًا منه بأنه الوفد يساوم على مبادئ الديمقراطية الليبرالية (79) ، كما أنه لم يكن من دعاة التغريب.

-ولعله ليس من الممكن ونحن نتحدث عن رموز التيار الليبرالي في مصر تجاهل إسماعيل مظهر (1891-19629) (80) ، وهو صاحب فكرة إنشاء"حزب الفلاح"عام 1929م. وهو برنامج ليبرالي بمسوح اجتماعية أو اشتراكية مبهمة، يهدف إلى حل مشاكل الفلاح المصري، تقدم بهذه الفكرة للنحاس باشا"زعيم الأمة"، زعيم الوفد للنهوض بها وتنفيذها، لكن الوفد تجاهل الفكرة (81) .

4-أبرز الأحزاب الليبرالية في مصر:

يمكن القول بأن مصر عرفت ثلاثة أحزاب ليبرالية خلال فترة الدراسة، هي الحزب الديمقراطي المصري (1919-1922م) ، وقد أُشير في الفصل الأول إلى هذا الحزب وجذوره وكيف انتهى إلى الانخراط في حزب الأحرار الدستوريين.

أما الحزبان الآخران فهما حزب الأحرار الدستوريين (1922-1953م) ، وحزب الوفد، وكنا قد تحدثنا عن دورهما في العملية السياسية في مصر أثناء فترة ما بين الحربين، وهنا نلقي ضوءًا على هويتهما الفكرية.

انتهج الحزبان الأيديولوجية الليبرالية نفسها، واختلفا في الشكل دون المضمون، وهو اختلاف قائم على صراعات شخصية، وعلى صراع سياسي، وتنافس حزبي ليس أكثر.

وكان الحزبان قد انطلقا من جذر فكري واحد هو مدرسة محمد عبده. ثم تبلورت الاتجاهات الليبرالية لديهما بمرور الوقت طيلة العقدين الأولين من القرن العشرين، في إطار حزب الأمة، ومدرسة"الجريدة"، ثم في"جماعة السفور"و"الحزب الديمقراطي المصري"وفي"الوفد المصري".

وتعمق الاتجاه العلماني في وجدان هؤلاء وخطابهم، في مطلع العشرينيات، بزيادة حدة الموجة العلمانية التغريبية التي اجتاحت مناحي الحياة المختلفة، وراحت تطيح بكثير مما تعارف عليه المجتمع من قيم وأفكار.

وقد استظلت هذه الموجة بغطاء الهيمنة الاستعمارية، التي فرضت نفسها على مصر والمنطقة من حولها (82) ، كما استوحت الليبرالية المصرية الكثير من النموذج التغريبي الجاري على قدم وساق -آنذاك- في تركيا (83) .

لقد نظر الليبراليون في مصر بانبهار وإعجاب إلى التجربة العلمانية في تركيا، وظهر جدل فكري هام بين التيارات المختلفة تعقيبًا على ما يجري في تركيا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت