فهرس الكتاب

الصفحة 840 من 1942

وتحدثت أصوات ليبرالية عن تحسين أحوال الفلاح بتيسير أسباب المعيشة العامة (رفع مستوى معيشته) ، وإصلاح نظام الضرائب ليصبح تصاعديًا، بزيادتها على الأغنياء، وتخفيفها على الفقراء، وتوفير الأمن في الريف والحد من الجرائم، وجرى تبرير الدعوة إلى توفير الأمن، لأن ذلك سيسمح للفلاح ببناء بيت ذي نوافذ، ولأن يأمن على ما لديه من دواب فلا ينام وإياها في نفس المكان لحمايتها، ولأهل القرية ببناء منازل متباعدة! والدعوة إلى العناية بالصحة العامة، وفرض التعليم الإجباري ومحاربة الأمية، وتطوير الصناعة المصرية ودعمها (275) .

إن هذا البرنامج الواقعي للإصلاح في الريف، يشير إلى حجم معاناة الفلاح، وحقيقة ما يعانيه من مشكلات، كانت النخب الفكرية والسياسية تحلّق عاليًا وبعيدًا عنها.

والدكتور هيكل في"حديث اليوم"الذي يفتتح به أعداد"السياسة"يحذر من مغبة تسرب الشيوعية إلى الريف وبين الفلاحين"أكثر طوائف هذه الأمة سكينة وأبعدهم عن هذه الأفكار الشيوعية التي لم تعرف لها منبتًا في غير البلاد الصناعية.. فلو أن بيئة تأبى الشيوعية بطبعها فتلك هي البيئة المصرية، وحياتنا الاقتصادية القائم أساسها إلى اليوم على الملكية الزراعية، لا يمكن أن تقبل هذه المبادئ الضارة.. فليست طوائفنا العاملة في الأرياف، متأثرة بالهوس الاجتماعي الذي تتأثر به بعض بيئات العمال في أوروبا، وهي في إيمانها بأن الله يرزق من يشاء بغير حساب، ترى في هؤلاء الدعاة الشيوعيين أكثر من ثائر على الدين، وعلى الحكومة، وأكثر من مخادعين يريدون من دعوتهم تسخير هذه الطوائف الآمنة الوادعة لمصالحهم الخاصة، وهي على أتم الاستعداد لأن تعاون الحكومة في تعقب هؤلاء الخوارج الذين يريدون أن يفسدوا نظامًا قائمًا على الحق والشرع" (276) !!

وهذه الرؤية تأتي متوافقة مع الخطاب الليبرالي الرافض للشيوعية والمفاهيم الاشتراكية عمومًا، وهو خطاب يتنكر لمعاناة الفلاح، كما أنه برغم علمانيته المفرطة نجده يتوسل بالمفاهيم الدينية حول الرزق المقدّر، لاستثارة الفلاحين المتدينين"الوادعين"ضد دعاة الاشتراكية"الخوارج"، ولإخماد أية بوادر شكوى ضد هذه الأوضاع المقدَّرة!

الأخلاق والآفات الاجتماعية:

يؤمن الليبراليون بأن المجتمع مكلّف بحماية الحقوق الفردية، ولا ينبغي له الاعتداء عليها، ولهذا فهم ينفرون من كل ما يضع قيدًا على حرية الفرد، ويرفضون فرض أية غايات أو أهداف خارجية على الفرد، ويرون لزوم تركه حرًا يفعل ما يشاء، وأن من حقه على المجتمع أن يعيش حرًا مستقلًا ساعيًا وراء غاياته التي يختارها بمحض حريته وإرادته.

وهذا يأتي -طبعًا- في إطار امتناع الفرد عن فعل كل ما من شأنه أن يشكل إضرارًا، أو تدخلًا غير مشروع في حرية الآخرين للسعي من أجل تحقيق غاياتهم الخاصة (277) .

وهكذا فإن الليبرالية تكفل الحرية الشخصية، والحريات العامة والاجتماعية، والمعيار في الحكم على الفعل والسلوك هو معيار علماني لا صلة له بالدين.

والليبراليون المصريون جعلوا من التقليد للنموذج الغربي معيارًا، أو هدفًا، وفي أحسن الأحوال وسيلة للنهوض، ولذلك فهم ينظرون بعيون غربية للواقع المصري، ويعالجون مسائل الأخلاق وفقًا للمعايير الأوروبية.

ومن هنا جاءت دعوة بعض الرموز الليبرالية إلى علمانية الأخلاق، وعلمانية التربية والتعليم كأحد أدوات المجتمع للتوجيه الخلقي، وتسخير التربية والتعليم وأجهزة التوجيه لتعزيز اتجاهات الحياة الحديثة -على حد رأي د. طه حسين- وإنقاذ الأطفال والصبيان من أن"يُصاغوا صيغة قديمة، ويُكوّنوا تكوينًا قديمًا" (278) .

أما المهمة الأساسية للعملية التربوية التعليمية، فهي تعليم الفضائل المدنية، وخلق الأوضاع، التي يمكن للحاكم الديمقراطي أن ينمو في ظلها (279) ، ومحاصرة"الثقافة الأزهرية"لصالح"الثقافة الحديثة" (280) .

وفي هذا الإطار تأتي المناداة بعلمانية الأخلاق وتغريبها، فلا تقتصر على المعنى الروحي الديني، كالتقوى والصدق والأمانة والعفة.."بل تمتد لتشمل بعض"الصفات السامية النبيلة"كالدقة، المثابرة، الصبر، الاحتمال، الإقدام، الشجاعة، قوة الابتكار، التعاون، خدمة الغير، مراعاة شعور الآخرين، الإعجاب بكل حسن وجميل، الذوق السليم، الإتقان، المرونة.." (281) .

وفي إطار التثقيف بالمفاهيم الأخلاقية الغربية، تعرض"السياسة"لقضية"تطور الحياء"وتنشر ترجمة لمقال بعنوان"تطور الحياء وعلاقة الحياء بالأزياء"لكاتب فرنسي، مفاده أن مفهوم الحياء مفهوم متغيّر، مع تطور الزمن، وأن الأزياء لا علاقة لها بالحياء، فهي ليست من الخلق الشخصي بل من الخلال الاجتماعية، لذلك"فمن المبالغة في التشاؤم إذن أن يعتبر البعض الخروج في الملبس خطرًا اجتماعيًا أخلاقيًا.. ففي وسعنا أن نتوقع أنه لن يمضي سوى قليل حتى يصبح الحياء على النقيض مما كان عليه بالأمس؛ أعني أن الثياب وليس العراء هي التي قد تؤذي الشعور" (282) !!

وفي مجال تنمية"الشخصية"، وبناء الاتجاهات عبر الحوار لدى الجيل الجديد، يعرض د. أمير بُقْطر، جملة مواضيع للحوار مع الشباب، من خلال الإجابة على عدد من الأسئلة، منتقاة بعناية، وتسعى إلى نهاية منطقية مبتغاة تؤكد على القيم والاتجاهات وأنماط السلوك الليبرالية الغربية وتعزيزها (283) .

والليبراليون عندما يتصدون لمعالجة الآفات الاجتماعية، فهم ينطلقون في مواقفهم من المرجعية الفكرية، التي يؤمنون بها، ويحتكمون للمعايير الغربية في الحكم على الأشياء.

فعندما كان المصلحون يطالبون بإلغاء البغاء الرسمي. كان الليبراليون يرفضون هذه الدعوة !! فقد عدّها د. محمد حسين هيكل، بمثابة دعوة إلى"إلغاء الرقابة الصحية"ليس إلا، ونفى قدرة أي قانون على إلغاء البغاء من الوجود، وإلا لاستطاعت الشريعة الإسلامية تحقيق ذلك (284) ، ولجأ إلى التهكم والتشكيك والتجريح في رده على دعوة الشيخ محمود أبو العيون لإلغاء البغاء، وكل ذلك دفاعًا منه عن حكومة عدلي يكن، فكان الدافع السياسي كالعادة يتدخل في أسلوب معالجة المثقف أو المفكر للقضية أية قضية.

لكن"السياسة"عادت بعد عقد من الزمان وفي إحدى افتتاحياتها (285) ، التي عادة ما يكتبها د. هيكل رئيس التحرير، إلى الشكوى من"حي البغاء"في القاهرة وما يحويه من جرائم، وطالب بإلغائه أو ترحيله على الأقل، فهو يُسيء إلى صورة مصر، ويُساهم في زيادة الجرائم، وينشر الرذيلة فيما حوله من شوارع وأحياء.

والمنهج الذي يحكم الموقف، هو منهج علماني، يحترم الحرية الشخصية حتى في مجال"حرية الرذيلة"، لكن على أن لا تشكل اعتداءً على حرية الآخرين !!

وعندما يتصدى الليبراليون لمعالجة بعض الآفات الاجتماعية، فلا تجد نهجًا واضحًا، أو معيارًا منطقيًا، أو اتساقًا في الرؤية، بل تجد نوعًا من التضارب.

هذه جريدة"السياسة"لسان حال الأحرار الدستوريين، تحمل على وزارة أحمد زيور لسماحها بافتتاح"كازينو"للقمار في حلوان، وتقول في افتتاحيتها"ما بالك ومصر دولة يقرر دستورها أن الإسلام دينها، وينص القرآن (إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه) ، فهل تُقر حكومة إسلامية في بلاد مسلمة رجسًا من عمل الشيطان (286) ."

لكن"السياسة"وهي تستشهد بالآية الكريمة التي تقرن القمار بالخمر، لا تتورع عن نشر دعاية للخمور في الصفحة السابقة (287) !!

ولا يخلو عدد من أعدادها من دعاية لأحد أنواع الخمور (288) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت