ومعلوم أن الدين الإسلامي جاء - والحمد لله - مهيمنًا على ما سبقه من الأديان، ولهذه الهيمنة صلة وثيقة بمسألة التميز التي ينشدها المجتمع الإسلامي، الذي يرفض أن يكون تابعًا لغيره أو مقلدًا أو مقتبسًا من حضارة أخرى فهذه الأمور إن وجدت، فما هي المتمات لأصول التميز القائمة وروحه السائدة ومناهجه الثاقبة.
فالمأمول لهذه الحضارة الإسلامية في الحال والمستقبل أن تكون ذات قيادة مستقلة بنفسها، ومستمدة تعاليمها من القرآن والسنة إذا هي أرادت التميز الحقيقي ، وعلى غيرها من الحضارات أن تنضم إلى مركب القيادة والتوجيه، لتكون حضاراتنا الإسلامية في مقدمة الركب ، وحق لها ذلك ما دامت ثابتة وراسخة على قواعدها الأصولية لم تتغير أو تتبدل، إذ كيف يليق بثقافة تنتسب إلى هذا الأصل المنيع والركن الرشيد وتكون في موقع الاقتباس والتقليد؟!
وتأكيدًا لهذا المعنى يقول الله تعالى في محكم التنزيل: (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمناُ عليه، فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق. لكلٍّ جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا. ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جمعيًا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون) .
هكذا يبين الله تعالى الخيرية التي تميزت بها هذه الأمة من خلال كتابها والتحاكم إليه ونبذ الأهواء المضللة خشية الفتنة والتفكك والاضطراب فالحق واحد وطرق الضلال متعددة، وركون كثير من الناس إلى سلطان الهوى- والبعد عن الهدى من أهم معوقات التميز الحضاري في العصر الحاضر- ما ذاك إلا بسبب الجهل بمقاصد التشريع الإلهي حتى جلب أولئك لأمتهم شيئًا من توابع الذل والانكسار، ووصفهم بالفسق في قوله سبحانه في سياق تلك الآيات: (وإن كثيرًا من الناس لفاسقون) المائدة 49.
وإذا كان الله سبحانه وتعالى قد ميز هذا الإنسان عن غيره من المخلوقات بهذا العقل البشري الذي يعرف به الحق والباطل، والخير والشر فإن هذا العقل يحتاج إلى الغذاء المناسب حتى يعطي وظيفته على الوجه الأكمل، وهذا الغذاء يستمد من القيم الحقيقية لثقافتنا الإسلامية، وأصولها المباركة، لينعكس أثر ذلك على التميز الحضاري لهذه الأمة وواقع حياتها العملية، فيكون المجتمع مجتمعًا تسوده روح المحبة والتعاون والقيم الفاضلة، وتلك خصوصية لثقافتنا الإسلامية، وينبغي أن يوجد هذا التميز وتلك الخصوصية في كل وقت فلا تحدد بزمان معين ؛ لأن رسالة الإسلام رسالة خالدة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وعامل الثقافة الإسلامية عامل مهم جدًا في رسم المنهج السليم لحضارة الأمة، لأنها قلبها النابض ولباسها المنيع الذي يحميها من زيف وضلال الحضارة الغربية.
ومن هنا ندرك أن الثقافة الحقيقية التي لها أثر في بناء حضارة الأمة ثقافة واحدة ، وهي الثقافة الربانية التي تستمد رسالتها من الوحي الإلهي وفيها سعادة البشر، وما عداها فهي من الجاهلية الأولى التي همها النهب والاستعمار- كما هو الحال في الاستعمار الغربي الذي من أهم أهدافه: زعزعة العقيدة الصحيحة في نفوس المسلمين، إدراكًا منه أن التمسك بالعقيدة سبب بناء الأمة المسلمة ، وزعزعتها وتحطيمها في نفوس سبب لتدميرها.
والواقع اليوم يشهد لذلك ؛ فنحن نرى آثار الاستعمار في تلك الأجيال المسلوبة الإرادة، بل منها من فقد هويته حتى صار تبعًا لغيره عاجزًا عن تحقيق شخصيته المسلمة، وهذه نتيجة حتمية لكل مجتمع يفقد ثقافته الأصلية.
ولا أحد ينكر أن واقع ثقافتنا اليوم يحتاج إلى مزيد من العطاء ممن ينتسبون إليها من رجال الفكر والأدب بحيث نحقق الاكتفاء الذاتي الذي يحفظ لنا كيان تلك الثقافة.
ولنجعل من الشعوب التي فقدت قيمها وأخلاقها خير دليل على تأثر الحضارة بالبعد عن معالمها وأصولها التي تبني عليه، ما يجعل هذا التأثر السلبي يصيب الأمة بالخلل في حياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهذا هو سبب التأخر الحضاري لدى أمة من الأمم.
ولقد كان من نتائج الخروج عن أصول الثقافة الإسلامية والعربية أن أنهار أكبر حصون التحصين الثابتة في المجمع ما حدا بالمجتمع إلى أن يعيش فترة من الجمود والتعطيل ، لكونه وقع بين فكين: أحدهما حضارة غربية مستوردة ، والآخر عامل أصيل متجمد، ومتى استمر الوضع على هذه الحال فإن عملية النهوض بثقافة الأمة تكاد تكون مستعصية ما لم يهيئ الله لها من يأخذ بيدها من مفكري الأمة أصحاب العقول الراجحة الذين يعرفون للحياة المطمئنة قيمتها.
ومن مظاهر التقدم الحضاري الذي يشهده المجتمع المسلم ما يتعلق بأنواع التقنين الحديثة المعلوماتية التي بدأت تنتشر في كل قطاع أو مؤسسة، بل وعلى مستوى الأفراد، حيث أصبح لا غنى للفرد عنها اليوم لتنظيم حياته وأولوياته، إضافة إلى ذلك تجد الكثير ممن كانوا يسكنون الوادي ويمارسون الحياة البدائية قد تولوا عددًا من المناصب التي تؤهلهم لتغيير أنماط السلوك في المجتمع وفق الشريعة الإسلامية بعيدًا عن عادات وتقاليد الجاهلية الأولى.
فعلينا أبناء هذه الأمة المسلمة أن نسرع إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه من جوانب حضارتنا اليوم، ونأخذ بها إلى شاطئ الأمان بعيدًا عن عوامل الغزو الفكري الثقافي، وما أكثره اليوم ، بل التنافس فيه قائم على حساب ثقافتنا الإسلامية.
وإن مما يعين على إنقاذ تلك الحضارة في ظل قيمنا الإسلامية وفق متطلبات العصر أن تسلك مسلك التوسط والاعتدال في التعامل مع تلك القيم والمبادئ ، إذ إن التطرف والغلو من أشد العوامل فتكًا بحضارة الأمة، وإنزال أنواع الذل والهوان التي تصيب العباد والبلاد، وما نشأ ذلك الغلو وذلك التطرف إلا بسبب القوى الداخلية التي ابتعدت عن عقيدتها ، ما سهل للاستعمار السيطرة والهيمنة على مقدرات الأمة حتى فقدت الكثير من معالم حضارتها الإسلامية حيث أراد الاستعمار طمس تلك المعالم.
وما أن أحست الأمة بالخطر القادم الذي يهدد حياتها وحضارتها حتى اتجهت إلى نزعة جديدة شغلتها عما هو أهم ، ألا وهي النزعة المادية ومن هنا غاب معظم القيم من حياة الأفراد والمجتمعات، ولم تعد حياتهم قائمة على أي نوع من التعالي والمثالية.
فأملنا في ثقافتنا الإسلامية اليوم أن تأخذ بزمام الحضارة إلى بر الأمان بعيدًا عن مظاهر الفوضى والانحراف، وألا تترك مجالًا لتلك القوى المادية لإشباع رغباتها على حساب قيمنا وأخلاقنا التي هي عنوان حضارتنا الإسلامية، وأن نكرس جهدنا في سبيل الحفاظ على مقدراتنا التي أساسها وحدة الإيمان والعقيدة الصحيحة بعيدًا عن الطغيان المادي الذي يفقد الإنسان إنسانيته، ومتى بنى الإنسان حضارته على قيمه وأخلاقه الإسلامية فإن هذا البناء لن يقهر بإذن الله ، وسيظل شامخًا إلى الأبد في مواجهة التبعية من أجل تميز حضاري مرموق لا يتغير ولا يتبدل.
والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحب وسلم