فهرس الكتاب

الصفحة 917 من 1942

نفسها (27-34) : {فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون} .

الوجه الثالث: أن الله تعالى سمى عيسى كلمته-وهي تعني أنه قال له: {كن} فكان.وتسميته بذلك تدل على ما دلت عليه الآيات المذكورة في سورة مريم السابقة، قال تعالى في سورة النساء (171) : {إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسوله} .

المسألة الثالثة: ما يتعلق بقتل عيسى أو صلبه. نص القرآن الكريم على أنه لم يقتل ولم يصلب، وأن الذي قتل وصلب رجل آخر ألقى الله عليه الشبه بعيسى عليه السلام، فقتله اليهود وصلبوه، ظنا منهم أنه عيسى، ولم يكن كذلك، والرواية الأخرى التي ذكرتموها توافق ذلك، ففي سورة النساء آيات (156-158) كذب الله أهل الكتاب في افترائهم على مريم بأنها زنت، وفي قولهم إنهم قتلوا عيسى وصلبوه، وبين تعالى أنهم إنما قتلوا وصلبوا رجلا آخر شبه لهم بعيسى عليه السلام، وذكر تعالى عدم علمهم بأن القتيل الصليب هو عيسى، وأن زعمهم أنه هو، إنما هو اتباع للظن-أي الشك-وأكد تعالى نفي قتله وصلبه بوصف ذلك النفي باليقين، فقال تعالى: {وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما وقولهم إنا قتلنا المسيح عيس ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا في لفي شك منه مالهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما} .

فالآيات صريحة أن عيسى عليه السلام، لم يقتل ولم يصلب، وأن الذين ادعوا قتله وصلبه، لا علم لهم، بل قالوا ذلك عن شك، وأن عدم قتله يقين لا ريب فيه.

المسألة الرابعة: وهي أن عندكم تردد في معنى كون الرسول صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، هل المراد كما يختم المزارعون زجاجات صادرات مبيعاتهم، بحيث تكون مجموعة من تلك المبيعات متميزة عما يأتي بعدها، أو أنه فعلا خاتم الأنبياء، ولا ينتظر أن يأتي بعده نبي؟

وأقول لكم أن المعنى الثاني هو المقصود، وقد أكد الرسول صلى الله عليه وسلم أن المراد به آخر الأنبياء في أحاديث صحيحة.

والآية التي ذكر فيها أنه صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين هي آية الأحزاب (40) ، وهي قوله تعالى: {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليما} .

فأما الأحاديث فهي صحيحة وصريحة في أنه صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، لا نبي بعده.

فقد شبه نفسه مع الأنبياء عليه وعليه الصلاة والسلام، ببيت جميل اكتمل بناؤه، ما عدا موضع لبنة فيه، وأنه صلى الله عليه وسلم هو تلك اللبنة التي أصبح البناء بها كاملا لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وفسر ذلك بقوله: إنه خاتم النبيين.

كما في حديث أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [إن مثلي ومثل الأنبياء قبلي، كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون به ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين] [22] .

وفي رواية: [فأنا موضع اللبنة، جئت فختمت الأنبياء] [23] .

وفي حديث أبي هريرة-أيضا-وهو من أحاد بث الشفاعة يوم الحشر، عندما يطلب الناس من الأنبياء أن يشفعوا لهم، فيذهبون إلى آدم، فيأمرهم بالذهاب إلى نوح، ويأمرهم نوح أن يذهبوا إلى إبراهيم، ويأمرهم إبراهيم أن يذهبوا إلى موسى، ويأمرهم موسى أن يذهبوا إلى عيسى، فيأمرهم عيسى أن يذهبوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم أجمعين، فيأتون محمدا، ويقولون: يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء [24] .

وفي حديث آخر: [وختم بي النبيون] [25]

وإذا كان النبيون قد ختموا به فإنه لا يأتي بعده نبي.

ومن الأحاديث الصريحة في أن المراد بخاتم النبيين آخر هم نفيه صلى الله عليه وسلم الثابت في حديث أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: [كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وأنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء فيكثرون....] [26]

وأورد الإمام أحمد أحاديث في كونه صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء [27] ، ويظهر من العبارة الواردة فيها أن الأنبياء كلهم مثل الوعاء وأن ذلك الوعاء ختم به صلى الله عليه وسلم.

وراجع تفسير ابن كثير لآية (40) من سورة الأحزاب، فقد ساق أحاديث كثيرة في هذا الباب.

هذا، ومن المعلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم بعث إلى العالمين، فما من جيل يوجد على ظهر الأرض إلى يوم القيامة، إلا كان مأمورا بالإيمان به صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى في سورة الفرقان آية (1) : {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا} .

وقال تعالى في سورة الأعراف (158) : {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا} .

ثم إن هذا القرآن فيه ما يغني الأمم كلها إلى يوم القيامة، وقد وصفه الله تعالى في آيات كثيرة أنه هدى للناس، كما قال تعالى في أول سورة البقرة: {ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين} .

وقال تعالى في سورة الإسراء (9) : {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم } .

وقد فصل الله في دين الإسلام كل ما يحتاج إليه البشر في حياتهم، ولهذا قال تعالى في سورة المائدة (3) : {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} .

وقال تعالى في سورة آل عمران، آية: (19) : {إن الدين عند الله الإسلام} .

وقال في السورة نفسها، آية (85) : {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} .

أرجو أن تكون هذه الأدلة كافية لبيان أن الرسول صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء أي آخرهم جميعا، ولا مانع من أن نفهم بأنه شبيه بختم الإناء، ويكون الأنبياء كلهم كإناء واحد ختم هذا الإناء بمحمد صلى الله عليه وسلم، كما شبههم بالبيت الجميل الذي بقي في موضع لبنة، فكان هو صلى الله عليه وسلم تلك اللبنة التي اكتمل بها ذلك البناء الجميل.

المسألة الخامسة: أما الكتاب الذي ذكرتموه، وهو ترجمة:

(مارمادوك بيكثال) فلا أعرف عنه شيئا، وسأسأل عنه فإذا وجدت عنه معلومات أخبرتكم به إن شاء الله.

المسألة السادسة: أما آية سورة الممتحنة (11) وهي قوله تعالى: {وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون} .

فخلاصة الكلام فيها أنه عندما حصلت هدنة-أي وقف الحرب بين المسلمين والمشركين مؤقتا-كان من حكم الله تعالى أنه إذا جاء بعض نساء المشركين مهاجرات إلى المسلمين، وجب على المسلمين إبقاءهن عندهم، وتعويض أزواجهن من المشركين مهورهن، وإذا ذهبت نساء المسلمين مرتدات إلى المشركين، وجب على المشركين دفع مهورهن لأزواجهن المسلمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت