فهرس الكتاب

الصفحة 923 من 1942

والكفار تجاه المجتمع المسلم على أنواع: أولها الحربي، وهو المقيم في بلاد الكفر المحاربة للمسلمين، ولا تعلق له بمبحثنا إلا إذا دخل بلاد المسلمين بهدنة أو أمان، فلا يصير حينذاك حربيًا، بل معاهدًا أو مستأمنًا. قال ابن القيم:"الكفار إما أهل حرب وإما أهل عهد؛ وأهل العهد ثلاثة أصناف: أهل ذمة، وأهل هدنة، وأهل أمان".5

والأصل في ألفاظ الأمان والعهد والذمة أنها ألفاظ عامة، تشمل المستأمنين والمعاهدين وغيرهم ممن هم في بلاد الإسلام بعقد ذمة أو هدنة أو أمان، فذمَّة المسلمين وعهودهم وأمانهم ثابتة لكل هذه الأصناف.

والأصل في معاملة هذه الأصناف جميعًا قوله تعالى: ]يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود[ (المائدة: 1) .

ورغم ترادف ألفاظ الذمة والهدنة والأمان وغيرها؛ فإن الفقهاء فرقوا بينها من الناحية الاصطلاحية، فخصوا كل واحد منها بنوع.

فأهل الذمة هم المقيمون تحت ذمَّة المسلمين بدفع الجزيَّة حصرًا، قال ابن القيم:"ولفظ الذمة والعهد يتناول هؤلاء [أهل الذمة وأهل الهدنة وأهل الأمان] كلهم في الأصل , وكذلك لفظ الصلح ، فإن الذمة من جنس لفظ العهد والعقد."

وقولهم: هذا في ذمة فلان، أصله من هذا، أي: في عهده وعقده .. ولكن صار في اصطلاح كثير من الفقهاء أهل الذمة عبارة عمن يؤدي الجزية ، وهؤلاء لهم ذمة مؤبدة، وهؤلاء قد عاهدوا المسلمين على أن يجري عليهم حكم الله ورسوله، إذ هم مقيمون في الدار التي يجري فيها حكم الله ورسوله".6 ومقصوده رحمه الله بجريان أحكام الإسلام أي العامة منها، وإلا فإنه لا يعرض لهم في خاصة أمورهم وما تعلق بدينهم من شرائع."

قال سليمان البجيرمي:"ذمة المسلمين أي عهدهم وأمانهم وحرمتهم".7

وأما أهل العهد من غير المسلمين فهم الذين صالحهم الإمام أو هادنهم، قال ابن القيم:"أهل الهدنة فإنهم صالحوا المسلمين على أن يكونوا في دارهم، سواء كان الصلح على مال أو غير مال، لا تجري عليهم أحكام الإسلام كما تجري على أهل الذمة، ولكن عليهم الكف عن محاربة المسلمين، وهؤلاء يسمون أهل العهد وأهل الصلح وأهل الهدنة".8

وأما المستأمن فهو من أهل بلاد الحرب يدخل بلاد المسلمين بأمان لغرض ما ، لا على وجه الديمومة، قال النووي:"المستأمن هو الحربي الذي دخل دار الإسلام بأمان".9

وفصّل ابن القيم فقال:"وأما المستأمن فهو الذي يقدم بلاد المسلمين من غير استيطان لها، وهؤلاء أقسام: رسل وتجار ومستجيرون، وحكم هؤلاء ألا يهاجروا ولا يقتلوا، ولا تؤخذ منهم الجزية".10

والأصل في الأمان أن يكون من الوالي، ولو أعطاه أحد المسلمين ثبت له ، فقد أجارت زينب بنت النبي e أبا العاص بن الربيع , فأمضاه عليه الصلاة والسلام.11

كما أمضى r جوار أم هانىء لأحمائها، فقال لها: (( قد أجرنا من أجرتِ يا أم هانىء, إنما يجير على المسلمين أدناهم ) ). 12

وعليه فأي مسلم أمّن حربيًا دخل بلاد المسلمين ثبت أمانه - كائنًا من كان - ، لأن (( ذمة المسلمين واحدة, يسعى بها أدناهم, فمن أخفر مسلمًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين , لا يُقبل منهم صرف ولا عدل ) ).13

ويلحق بالمستأمن من كان له شبهة عهد أو ادعاه، قال محمد بن الحسن الشيباني:"لو خرج من دار الحرب كافر مع مسلم، فادعى المسلم أسره، وادعى الآخر الامان؛ فالقول قول الحربي".14

وبمثله لو ادعى أنه رسول، قال ابن قدامة:"إذا دخل حربي دار الإسلام بغير أمان , وادعى أنه رسول قُبِل منه, ولم يجز التعرض له؛ لقول النبي e لرسولي مسيلمة: (( لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكما ) )".15 وذلك أن العادة جارية بذلك.

وكل ما يشتبه على الحربي أنه أمان؛ يصير أمانًا له، قال ابن قدامة:"وإن أشار إليه [مسلم] بالأمان فهو آمن .. وإن قال له: قف أو قم أو ألق سلاحك فقال أصحابنا: هو أمان؛ لأن الكافر يعتقده أمانًا، فأشبه قوله: لا تخف".16

وممن يأمن بأمان المسلمين في بلادهم؛ التجار. قال أحمد:"إذا ركب القوم في البحر فاستقبلهم فيه تجار مشركون من أرض العدو يريدون بلاد الإسلام لم يعرضوا لهم ولم يقاتلوهم، وكل من دخل بلاد المسلمين من أهل الحرب بتجارة بويع، ولم يسأل عن شيء".17

وهكذا فالكافر إذا دخل بلاد المسلمين بعهد أو امان، أو أقام بينهم؛ فهو في ذمة المسلمين وعهدهم، والله يقول: ]وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولًا[ (الإسراء: 34) .

المبحث الأول: حقوق غير المسلمين في المجتمع المسلم

تمتع غير المسلمين - المقيمون في بلاد المسلمين - بسلسلة من الضمانات التي منحها لهم المجتمع المسلم بهدي من كتاب الله وسنة رسوله r.

ولسوف نعرض لأهم هذه الضمانات، ونوثقها بشهادة التاريخ ونصوص الفقهاء، حراس الشريعة، ورثة النبي r.

ومن هذه الضمانات:

أولًا: ضمان حرية المعتقد

يعتقد المسلمون أن دينهم هو الحق المبين، وأن ما عداه إنما هي ديانات حُرفت ونُسخت بالإسلام أو ضلالات وقع فيها البشر جهلًا منهم بحقيقة الدين والمعتقد.

وقد عمل المسلمون على استمالة الأمم والشعوب التي اختلطوا بها إلى الإسلام، وذلك بما آتاهم الله من حجة ظاهرة وخلق قويم ودين ميسر تقبله الفطر ولا تستغلق عن فهم مبادئه العقول.

ولم يعمد المسلمون طوال تاريخهم الحضاري العظيم إلى إجبار الشعوب أو الأفراد الذين تحت ولايتهم، وذلك تطبيقًا لمجموعة من المبادئ الإسلامية التي رسخت فيهم هذا السلوك:

أً. حتمية الخلاف وطبيعته

إن التعدّد في المخلوقات وتنوّعها سنة الله في الكون وناموسه الثابت، فطبيعة الوجود في الكون أساسها التّنوّع والتّعدّد.

والإنسانية خلقها الله وفق هذه السنة الكونية، فاختلف البشر إلى أجناس مختلفة وطبائع شتى، وكلّ من تجاهل وتجاوز أو رفض هذه السُّنة الماضية لله في خلقه، فقد ناقض الفطرة وأنكر المحسوس.

واختلاف البشر في شرائعهم هو أيضًا واقع بمشيئة الله تعالى ومرتبط بحكمته، يقول الله: ] لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعًا[ (المائدة: 48) .

قال ابن كثير:"هذا إخبار عن الأمم المختلفة الأديان باعتبار ما بعث اللّه به رسله الكرام من الشرائع المختلفة في الأحكام المتفقة في التوحيد".18

وقال تعالى: ] ولو شاء ربك لجعل الناس أمةً واحدةً ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم[ ( هود: 118- 119) .

قال ابن حزم:"وقد نص تعالى على أن الاختلاف ليس من عنده، ومعنى ذلك أنه تعالى لم يرض به، وإنما أراده تعالى إرادة كونٍ، كما أراد الكفر وسائر المعاصي".19

وقال ابن كثيرعن قول الله ] ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك[:"أي: ولا يزال الخلف بين الناس في أديانهم واعتقادات مللهم ونحلهم ومذاهبهم وآرائهم .. قال الحسن البصري: الناس مختلفون على أديان شتى إلا من رحم ربك، فمن رحم ربك غير مختلف".20

ولما كان الاختلاف والتّعدّد آية من آيات الله، فإنّ الذي يسعى لإلغاء هذا التّعدّد كلية، فإنما يروم محالًا ويطلب ممتنعًا، لذا كان لابد من الاعتراف بالاختلاف.

ب. مهمة المسلمين الدعوة إلى الله لا أسلمة الناس

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت