وأمّا حديثه عن الدولة والمجتمع، وتمسحه بذلك فهو من باب التقيّة التي يشتركون فيها مع الرافضة، وذلك أنّهم أصلًا لا يرون شرعية هذه الدولة السلفية ( الوهابية ) لأنّها غير ديموقراطية في نظرهم، أي غير منتخبة من الشعب، وهم يسعون لتحقيق مشروعهم التغريبي الغربي إلى إزاحة هذه الدولة، لإقامة دولتهم ( الإنسانية ) المرتقبة التي لا دين لها ولا مذهب ولا طعم ولا لون ولا رائحة.!!!.
وأمّا المجتمع الذي يزعمون تكفيره من قبل الخوارج القعدة، فهو المجتمع الذي استعصى عليهم ولذا فهم يرمونه _ على سبيل الشتم _ بالتجهيل أو على حدّ تعبيرهم كما سبق: (الجماهير البائسة الظامئة ) ، و (جماهير الغوغاء ) ، و ( الجماهير المجهّلة ) ، و (الجماهير الغائبة المغيّبة ) ، و (المجتمعات المحافظة الأصولية ) ، وهي الآن بعد هذه الشتائم أصبحت متهمة بالكفر من قِبَل من يزعمون أنهم قد اختطفوها، فأي تناقض بعد هذا التناقض الحادّ ؟!!.
3.الخلل في مفهوم الولاء والبراء..
وقد كتب أحدهم _ وهو أكثرهم حديثًا عن العقائد وأشدّهم جهلًا _ مقالًا بعنوان: ( فلسفة الولاء والبراء في الإسلام ) الرياض: 13546، وقرر مفهومًا غريبًا للولاء والبراء، يفرّغه من مضمونه الشرعي الذي أراده الله U ، بل يضاده ويخالفه، يقول:"وهو يشي بعلاقات سلمية قوامها الصلة والإحسان والبرّ ودعم ممكنات السلام الإجتماعي الذي أتى الإسلام ليجعلها الأصل في حياة الناس قبل أن تختطفها جماعات الإسلام السياسي لتجعل بدلًا منها العنف والقتل والدمار هو الأساس في علاقة الإسلام بغير من الديانات الأخرى افتئاتًا على الله تعالى ورسوله ومكرًا للسوء ولا يحيق المكر السيّء إلا بأهله".. فهو يخلط بجهل فاضح بين عقيدة الولاء والبراء التي قوامها ولبّها وروحها: الحب والبغض وموالاة المسلم أيًّا كان، والتبري من الكافر ومعاداته أيًّا كان، وبين معاملة الكفّار والتفريق بين من كان منهم محاربًا، ومن كان منهم مسالمًا.. وبغض الكافر ومعاداته كما قال الله عن الخليل إبراهيم u: (( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ) ) [الممتحنة:4] ، فنحن نبغض الكافر ونعاديه بقلوبنا من أجل كفره، لكن ذلك لا يمنعنا من بره إذا كان قريبًا مسالمًا كالوالدين ونحوهما، وكذلك لا نظلمه بل نقسط إليه، ونحسن معاملته ترغيبًا له في ديننا، ومن أجل إنقاذه من الكفر الذي هو فيه، بل إنّ عقيدة الولاء والبراء لا تختص بالكافر، بل تشمل حتى العاصي، فنبغضه لمعصيته، لكن نحبه من وجه آخر لما عنده من الإيمان والإسلام، فمن لم يبغض الكافر لكفره، والعاصي لمعصيته، فلديه خلل في هذه العقيدة العظيمة، وما تأخر المسلمون، ولا تسلط عليهم العدو، إلا لتخليهم عن هذه العقيدة، أو اختلال مفهومها لديهم.
ولم يقف الأمر عند هؤلاء على مجرد الاختلال في المفهوم، بل تجاوزه إلى ما هو أعظم من ذلك، ألا وهو إلغاء هذه العقيدة من أصلها (!) ، يقول أحدهم في مقال له بعنوان: (الخطاب الديني وضرورة التجديد ) الجزيرة: 11595، عن مفهوم الولاء والبراء:"هذا المفهوم كان في الماضي، وفي زمن عدم وجود ( الدولة ) بمعناها وشكلها الحالي، ضرورة احترازية، ودفاعية وقائية مهمة، فقد كان بمثابة آلية عالية الفعالية آنذاك لمنع ما يمكن أن نسميه بلغة اليوم ( منع اختراق مجتمعاتنا من الآخر ) في حقبة كان الصراع والتطاحن فيها بين الأمم والثقافات هو السمة الطاغية على العلاقات الدولية، أما اليوم فقد تغير الوضع حيث أصبح التعاون بين الأمم (!!!) وتكريس كل ما من شأنه إثراء هذا التعاون، هو الثقافة السائدة بين شعوب الدنيا، لهذا فإن التغير النوعي في العلاقات الدولية الذي نعايشه اليوم كان يجب أن يتبعه تغير مواكب في مفهومنا للولاء والبراء بالشكل الذي يحافظ على فعالية هذا المفهوم.."، وقد ذكرني قوله ( ضرورة احترازية ودفاعية وقائية ) بالحرب الاستباقية الوقائية التي دشنها ( الآخر ) في ظل التعاون الدولي بين الأمم (!) دفاعًا عن نفسه، ولو كان ذلك مبنيًا على استخبارات خاطئة أو مبالغ فيها، وهي ليست مجرّد عقيدة في القلب، أو بغض باللسان، وإنما حرب بالأسلحة المدمرة وربما المحرمة دوليًا التي لا تفرق بين المحارب والمدني، ويبدو أن مفهوم هذه العقيدة قد انتقل إلى ذلك الآخر في حين غفلة منا، فكان علينا التخلي عنه.. أما التعاون بين الأمم! فصحيح لكنه ضد الإسلام وأهله، كما في فلسطين والعراق وأفغانستان وغيرها مما يطمع فيه ( الآخر ) ..
ويستشهد الكاتب المذكور على ما ذهب إليه من تعطيل مفهوم الولاء والبراء، بقول كبيرهم الجابري الذي يقول:"إذا تعارضت المصلحة مع النص، روعيت المصلحة (!) باعتبار أن المصلحة هي السبب في ورود النص، واعتبار المصلحة قد يكون تارة في اتجاه، وتارة في اتجاه مخالف (!!!!!!) "، فتأملوا هذا القول العجيب الذي يفترض تعارض المصلحة مع النص، ثم من الذي يحدد المصلحة ؟، وكيف يكون اعتبار المصلحة تارة في اتجاه، وتارة في اتجاه مخالف ؟ فما قيمة الدين حينئذ، إذا كانت ثوابته عرضة للاعتداء والإلغاء بحجّة المصلحة المزعومة ؟.. نعم قد يتخلى المسلم عن عقيدة الولاء والبراء ظاهرًا في حالات استثنائية خاصة جدًا، لكنها تبقى عقيدة قلبية لا يجوز له أن يتخلى عنها: (( مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَ_كِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) ) [النحل:106] .
4.الثناء على الفرق الضالّة، وخصوصًا المعتزلة التي تتخذ من السلفية خصمًا تقليديًا لها، والدفاع عنها، بل الدعوة إليها !!...