فهرس الكتاب

الصفحة 1013 من 1942

أنا أقرأ لأن الله عز وجل أمرني بالقراءة، وقال لي ولكل المسلمين بصيغة الأمر المباشر:"اقرأ"... ولذلك فقراءتي طاعة لربي...

أقرأ لأنفع نفسي في الدنيا والآخرة؛ فلا فلاح في الدنيا بغير العلم، ولا فلاح في الآخرة بغير العلم أيضًا...

أقرأ لأنفع من حولي: أمي وأبي وأولادي وإخواني وأخواتي وأقاربي وأصحابي, ومن أعرف, ومن لا أعرف.. وأصبح كحامل المسك لا يجاوره أحد إلا انتفع بشم رائحته العطرة...

أقرأ - أيضًا - لأنفع أمتي... لأن الأمة التي لا تقرأ - كما سبق أن أشرت - أمة غير مرهوبة، أمة متخلفة عن الركب، متبعة لغيرها، ولهذا فأنا أقرأ لأجعل أمتي في مقدمة الأمم...

إنك بالقراءة يا أخي تُرضي رب العالمين، وتنفع نفسك، وتنفع من تحب، تنفع أمتك أيضًا... لا شك أن هذه الدوافع العظيمة تُشعل حماستك للقراءة...

وطالما كانت في ذهنك دائمًا هذه النية فلن تغيب عنك الضوابط التي ذُكرت في صدر سورة العلق؛ فأنت تقرأ باسم الله.. فلا بد أن تكون قراءتك على هذا المستوى، وأنت أيضًا لا تتكبر بقراءتك وعلمك.. لأنك تعلم أن الله عز وجل هو الذي منّ عليك بهذه المنة وهذا الفضل..

فهذه أولى وأهم الوسائل المعينة على القراءة: استحضار النية وتحديد الهدف، وبالحرص على هذه الوسيلة تتحقق لك أشياء في غاية الأهمية، منها أنك تحصل على الأجر والثواب لكل ما تقرأ من العلوم النافعة، ويكون لك بكل حرف تقرؤه حسنة، ولأن للمعلومة التي تقرؤها هدفًا نبيلًا سيتم ترسيخها في ذهنك جيدًا، أيضًا ستستمتع بكل ما تقرؤه استمتاعًا حقيقيًا.. ليس بالعلوم الشرعية فحسب, بل بكل العلوم؛ فالقارئ في السياسة سيستمتع بما يقرأ، وقارئ التاريخ، والقارئ في الاقتصاد كذلك سيستمتع كل منهما أيضًا بقراءته...

كذلك الطلاب سيستمتعون بمذاكرتهم، وسوف تختفي مشاكل الآباء والمدرسين مع الأبناء والطلاب، فبدلًا من أن يضغط الآباء والمدرسون على الطلاب.. عليهم أن يوجهوهم الوجهة الصحيحة نحو تجديد النية وتحديد الهدف، حتى لا تضيع الأيام والشهور والسنوات؛ فيخرج الطالب بعد دراسة ستة عشر أو سبعة عشر عامًا أقرب إلى الأمية منه إلى العلم!! كارثة حقيقية أن يضيع الهدف، وعلماء الإدارة يؤكدون دائمًا أن أول ما يجب عمله في أي مشروع في الحياة - إذا أُريد له النجاح - هو تحديد الهدف بوضوح.

الوسيلة الثانية من الوسائل المعينة على القراءة: أن تضع خطة للقراءة

لا داعي إذن للقراءة العشوائية، ينبغي وضع خطة واضحة للقراءة، ولكي تضع خطة بطريقة جيدة لا بد أن تكون على دراية كافية بإمكانياتك، والوقت المتاح للقراءة لديك، والكتب المتاحة، وما هي قدرتك على الاستيعاب، ولا بد أيضًا أن تعرف لماذا تقرأ...

بعد معرفة كل هذه العناصر ضع خطة واضحة في ظل إمكانياتك وقدراتك، مثلًا سوف أقرأ هذه الكتب الخمسة خلال الأشهر الستة القادمة، أو سوف أقرأ هذه الكتب العشرين خلال سنة أو سنتين، على أني سوف أقرأ أولًا الكتاب الفلاني في مدة كذا، وبعده كتاب كذا في مدة كذا... وعليك أن تلتزم بالخطة التي وضعتها لنفسك جيدًا، ولا تغيّر فيها إلا في حالة الضرورة، ربما تتعب أولًا في وضع الخطة، ولكن سوف تنجح إذا حرصت على الالتزام بها. والزم الوسطية في خطتك؛ فليس من الصواب أن تقرر قراءة عشرات الكتب في وقت قليل فتفشل في الإنجاز.. وربما أصبت بالإحباط، كما أنه ليس من الصواب أن تخصص وقتًا طويلًا جدًا لكتب قليلة؛ فيكون هذا تضييعًا للوقت.

وليكن لك كل عدة أشهر وقفة للمتابعة والتقييم، تسأل نفسك: هل كنتُ واقعيا في خطتي أم أن هناك أخطاءً؟، وإذا لم يتحقق الإنجاز المطلوب.. هل لأن الخطة ليست سليمة أم أن هناك معوقات تحتاج إلى دراسة ووضع وسائل للمقاومة والعلاج؟... وسيكون هذا التقييم المستمر من عوامل نجاح خطتك للقراءة إن شاء الله، فهذه هي الوسيلة الثانية من الوسائل المعينة على القراءة بعد تحديد الهدف.. وهي: وضع الخطة.

الوسيلة الثالثة: تحديد وقت ثابت للقراءة واستغلال الفراغات البينية:

وهذا يعني ألا تنتظر إلى آخر اليوم لتقرأ ما يجب عليك قراءته، بل حدد لنفسك وقتًا معروفًا للقراءة، وأحسن اختيار هذا الوقت، وحاول أن تختار وقتًا يكون ذهنك فيه نشيطًا، وتكون فيه مستريحًا حتى تستطيع التركيز في القراءة والخروج بنتيجة جيدة.

ويمكن أن يكون وقت القراءة مثلًا من بعد صلاة الفجر إلى الشروق، أو قبل المغرب بساعة، أو بين المغرب والعشاء، أو بعد العشاء مباشرة... وهكذا. حدد وقتًا معينًا.

كما ينبغي استغلال الأوقات البينية، وهي الأوقات التي عادة ما تكون بين عملٍ وآخر؛ فيمكن استغلالها في القراءة: في المواصلات، أو في متجرك عند عدم وجود زبائن، أو في أوقات انتظارك داخل عيادة أو مكتب لأداء عملٍ ما... وهكذا. سوف تجد أوقاتًا بينية كثيرة يمكن استثمارها في القراءة، وليكن كتابك دائمًا معك، وبمجرد أن تجد أي وقت فراغ سارع بفتحه واقرأ فيه... ستزداد بركة اليوم وسيصبح طويلًا ومتسعًا على عكس الماضي.

الوسيلة الرابعة: هي وسيلة من الأهمية بمكان وهي التدرج.

البعض عندما يقرأ هذه السطور عن أهمية القراءة سوف تشتعل حماسته، وتعلو همته, ويسارع إلى شراء مجموعة من الكتب, ويبدأ على الفور بقراءتها, ويفرّغ أوقاتًا طويلة للقراءة.. بل ربما يطغى وقت القراءة على أعمال أخرى هامة في حياته! ولمثل هذا نقول: عليك بالتدرج.."إن هذا الدين متين؛ فأوغل فيه برفق"وخاصة إذا لم تكن متعودًا على القراءة، وإلا ستجد نفسك قد مللت سريعًا, وربما توقفت عن القراءة، ولتكن مثل لاعب"الماراثون"الذي يجري لمسافات طويلة، يبتدئ بهدوء وراحة, ثم يسرّع من خطواته تدريجيًا، وهذا يماثل القراءة؛ فإن طريقها طويل لأنها منهج حياة، وإذا جعلتها منهجًا لحياتك فيجب أن تبدأ بتعقل وروية حتى تصل بإذن الله.

الوسيلة الخامسة: الجدية

كما أكدنا في البداية أن القراءة ليست هواية، بل هي عمل جاد جدًا، ويحتاج إلى فكر ووقت ومال ومجهود وتضحية، ولا بد أن يُؤخذ الموضوع بجدية؛ فأنت تقرأ لكي تستوعب كل كلمة تقرؤها، تقرأ كي تفيد وتستفيد، فالقراءة عمل عظيم، وليس لك من هذا العمل إلا ما عقلته.

ونصيحتي لك عندما تقرأ أي كتابٍ أن تقرأه بنفس الهمة التي تقرؤه بها لو طلب منك مذاكرته لتؤدي فيه اختبارًا، وليس مجرد قراءة عابرة، وكلما قرأت شيئا سجّل ملاحظاتك، مثلا هنا معلومة تريد أن تتذكرها لتخبر بها إخوانك وأصحابك.. اكتبها، وهنا معلومة أخرى لا تفهم معناها جيدًا.. اكتبها لتسأل فيها أحد المتخصصين، وفي مكان ما في أحد الكتب التي تقرؤها عناصر هامة لأحد الموضوعات، ولك اعتراض على نقطة ما في أحد الكتب، أكتب كل ذلك في دفتر تحتفظ به معك أثناء قراءتك، وإذا التزمت بهذا الأسلوب فلا شك أنك سوف تكون دائما على وعي وتركيز في كل ما تقرأ، وسوف تلاحظ بالفعل الإمكانيات الهائلة التي تمتلكها، وسيزداد تحصيلك أضعاف ما كنت تعتقد.. إنك تستطيع مراجعة قصص الصحابة والتابعين وعلماء المسلمين لكي تعرف المعنى الحقيقي للجدية التي أقصدها، راجع قصة زيد بن ثابت رضي الله عنه، وعبد الله بن عباس رضي الله عنهما، والشافعي وأحمد بن حنبل والخوارزمي وجابر بن حيّان رحمهم الله، راجع سير هؤلاء ومواقفهم في القراءة وتحصيل العلوم لتكون على يقين أن إمكانيات البشر فوق كل تخيّل، وسبحان الله الذي خلق فسوّى.

الوسيلة السادسة: التنسيق للمعلومات, والنظام في كل شيء:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت