ذلك أن الأدب الإسلامي ينتجه كل مجتمع مسلم ، أيًا كانت لغته وجغرافيته ، وأحواله السياسية … ينتجه أدباء مبدعون في تلك المجتمعات ، امتلأت وجداناتهم بوهج الإيمان ، واستوت نظراتهم للحياة من خلال رؤى الإسلام ، وتفاعلوا مع الأحداث التي واجهوها في مجتمعاتهم بتلك الرؤى ، وأبدعوا أعمالًا أدبية بلغاتهم المحلية ، وبرؤىً إسلامية تتغلغل في موضوعاتها ، أو مضمونها - وفي عدد من أدواتها الأسلوبية - إسلامية كاملة ، لا يمنعها انتقالها من لغتها الأم إلى لغات أخرى من أن تؤثر في القارئ المسلم أيًا كانت بلده ولغته ، وأن تهز وجدانه ، فيحس بها وكأنها ولدت لتخاطبه ، وأن الانفعالات التي تحملها جزء من الانفعالات التي يتلجلج بها صدره ، وأنها جسر متين بينه وبين الأديب الذي أبدعها ، وأنها - من ثم - لبنة في بناء عالمي كبير ، تتجاور في لبنات أخرى من هذا المجتمع وذاك ، في تناسق وتناغم كاملين .
فالأديب المسلم التركي أو الفارسي أو الهندي أو الأندونيسي.. إلخ ، عندما يكون مؤمنًا ملتزمًا بإسلامه عقيدة وفكرًا ومنهج حياة ، يتعامل مع أحداث مجتمعه من خلال إسلامه ، وتتجه عواطفه وفق المؤشرات الإيمانية ، وتحمل تجربته الأدبية انفعالاته الإيمانية بتلك الأحداث ، وتصوغها في عمل أدبي إسلامي ، يتذوقه ويتأثر به كل متذوق مسلم يطلع عليه ويفهمه ، وهذه حقيقة واقعة في آداب الشعوب الإسلامية غير العربية كلها . ففي كل أدب من تلك الآداب أعمال أدبية ذات صبغة إسلامية واضحة ، أبدعها أدباء مسلمون ملتزمون بإسلامهم يتفاعلون مع الأحداث من زاوية إيمانية ، وإذا انتقلت هذه الأعمال إلينا بالترجمة - أو بلغتها الأم إذا كنا نعرف تلك اللغة - أحسسنا بأن التجارب التي تحملها جزء من تجاربنا ، والانفعالات التي تموج بها تلامس أعماق قلوبنا ، والقضايا التي تعرضها هي بعض اهتماماتنا .
وأقرب الأمثلة لدينا الآداب الفارسية والتركية والأردية… التي تشكلت بعد انتشار الإسلام في أرضها شكلًا جديدًا تأثرت فيه بالإسلام ، بل وتأثرت حتى بالتراث العربي الذي اطلع عليه بعض الأدباء والمثقفين فيها .
وسنعرض نماذج من آداب الشعوب الإسلامية المختلفة في آسيا وأوربا وإفريقيا تمثل كمًا هائلًا من النصوص يكمن في تلك الآداب ، وننظر في مدى قابليتها لتكون لبنة في بناء الأدب الإسلامي العالمي ، الذي يخاطب وجدان المسلم أيًا كان زمنه ومكانه ولغته . ونبدأ بالأدب الفارسي:
الأدب الإسلامي في اللغة الفارسية
من المعلوم أن الأدب الفارسي بدأ مرحلة جديدة تمامًا بعد انتشار الإسلام في إيران ، ذلك أن لغة الأدب قبل الفتح الإسلامي كانت (الفهلوية) ، فحلت محلها منذ منتصف القرن الثالث الهجري اللغة (الدريّة) التي نهضت في رعاية من كانوا ذوي لسانين عربي وفارسي ، وفي ظل الإمارات الفارسية التي قامت في العصر العباسي: إمارات الطاهريين والصفويّين والسامانيين ثم الغزنويين ومن وليهم ، وترك الإيرانيون خطوطهم القديمة التي كانوا يستخدمونها في كتابة لغاتهم - وغالبًا ما كانوا يستعيرونها من الآشورية والآرامية - فاستبدلوا بها الخط العربي لأنه أيسر كتابة وأكثر وضوحًا .
وقد تأثر الشعر الفارسي بالشعر العربي من جهة ، وبالقيم الإسلامية من جهة أخرى تأثرًا كبيرًا ، في جميع مناحيه الشكلية والمضمونية ، تأثر به في عَروضه وفي صوره البيانية وفي معانيه ، واستمد عدد من الشعراء موضوعاتهم من القصص القرآنية وصنعوا منها قصصًا شعرية مختلفة ، وجنح بعضهم إلى صوفية مغرقة بينما ظلت قصائد المديح والحكمة والوعظ أقل جنوحًا وتطرفًا ، وظهرت المعاني الإسلامية في معظم ذلك الشعر ، وراجت ملاحم شعرية تاريخية ، منها (ما اتخذ مادته من الدين الإسلامي مثل"ظفر نامة"لحمد لله مستوفي القزويني ، وموضوعها تاريخ إيران منذ ظهور الإسلام حتى عند المؤلف المتوفي عام 750هـ) .
وظهرت قصص رمزية فلسفية مادتها إسلامية ، مثل: منطق الطير لفريد الدين عطار ، وقصة يوسف وزليخا لعبد الرحمن الجامي ، وبعيدًا عن الشطحات الصوفية والخيالات المتطرفة تبقى في الشعر الفارسي والأدب الفارسي القديم بعامة روح إسلامية ، وتظهر في قصائد يصح أن نعدها من الأدب الإسلامي الخالص .
ونتجزأ من هذا التراث الضخم بقصيدة للشاعر سعدي شيرازي ، قالها في رثاء بغداد بعد أن اجتاحها التتار عام 656هـ . ومطلع القصيدة - كما ترجمها الدكتور محمد غنيمي هلال -:
حق للسماء أن تمطر الأرض دمًا
على زوال الملك المستعصم أمير المؤمنين
ويقول في القصيدة:
ارفع عينيك أنت يا من رأى شوكة البيت المنيع
حيث قياصرة الروم رؤوسهم على التراب
وخاقان الصين طريح الثرى أريقت دماء أولاد عم المصطفى
على تلك الأرض ، حيث كان السلاطين يضعون الجبين
بعد هذا لا ينبغي أن تؤمل الراحة في الدنيا
يبقى القار في الخاتم حينما ينفصل منه الفص
ماء دجلة دم منذ الآن ، كلما انسابت في منحدره
جعل من نخيل البطحاء عجينًا من الدم
عبس وجه البحر من هذا الحدث الأليم
وآية ذلك ما على وجهه من قطوب الموج
على أن وجه الإسلام وطريق الرحمة داعيهما
أن يحترق قلب المحبين على فراق الأعزاء
لا يليق النواح على دم الشهداء
فأقل سعادة لهم هو الخلد في عليّين
فانتظر حتى الغد ، حيث يوم العدل والقيامة
ولا يقتصر الأدب الإسلامي الفارسي على الأدباء الذين عاشوا في إيران ، بل يتعدى إيران إلى البلاد المجاورة التي اتخذت اللغة الفارسية لغة لها كبعض الولايات في الهند وأفغانستان والباكستان وأوزبكستان .
وقد ظهر في تلك البلاد أدباء أبدعوا أعمالًا أدبية إسلامية باللغة الفارسية ، إضافة إلى الأعمال الأدبية التي أبدعوها بلغاتهم المحلية ، ومن هؤلاء الشاعر الإسلامي الكبير محمد إقبال الذي كتب عدة دواوين بالفارسية ، منها .. أرمغان حجاز ، أسرار خودي ، رموز بي خودي .
الأدب الإسلامي في اللغة التركية
يمثل الأدب الإسلامي في تركيا نموذجًا عاليًا لإرتباط أدب الشعوب الإسلامية غير العربية بالإسلام ، فهو الجذر الأول للأدب التركي بعامة ، وهو الذي تفرّد بساحته الأدبية لعدة قرون ثم تحول إلى تيار مواز لتيارات أدبية قومية واشتراكية ، وواجه أقسى ظروف التحول وصمد في وجه العلمانية حتى تجاوز ظروف المحنة ، ووصل إلى وقتنا المعاصر ، حيث استطاع أن يستعيد قدرًا وافرًا من وجوده وانتشاره .
ويذكر مؤرخو الأدب التركي ، أن الأتراك كانوا قبل إسلامهم قبائل تعيش حياة رعوية في الغالب ، فلما دخلوا في الإسلام استقروا في مناطق الأناضول وأقاموا إمارات إسلامية ازدهرت في عهد السلاجقة ، حيث بدأت لغتهم تنتقل من مرحلة المشافهة إلى مرحلة التدوين ، وبدأ الأدب التركي يتشكل وينتشر .
ويقرر بعضهم أن الشاعر الفارسي جلال الدين الرومي ارتحل في القرن الثامن الهجري إلى قونية - وكانت عاصمة سلاجقة الروم - وأراد أن يخاطب العوام بشعره وكانوا يجهلون اللغة الفارسية - لغة مثقفي ذلك العهد - ولا يعرفون سوى التركية ، فاضطر أن ينظم شعرًا بالتركية يدعوهم إلى الزهد والتصوف.. فنشأ الأدب التركي أدبًا تعليميًا دينيًا ، وجاء بعده في القرن التاسع الهجري شعراء آخرون عمقّوا هذا الاتجاه مثل يوسف إمره ، وعاشق باشا ، وسليمان جلبي ، وهذا الأخير بلغ شعره منزلة عالية بين الأتراك ، بفضل قصيدته المطولة في السيرة النبوية ، والتي ما زال الأتراك حتى اليوم ينشدونها في المناسبات الدينية في المساجد والمنازل .
مدائح نبوية تخلو من الصوفية