وقد ظهرت في الشعر التركي أنواع عديدة من الشعر الديني ، منها المدائح النبوية التي شابتها بصمات صوفية ، ومنها"المحمدية"وهي على العكس من المدائح النبوية (تخلو تمامًا من أية نزعة صوفية وربما اختص بها أهل السنة معارضين غلاة الصوفية) ، فهي تبدأ بالتوحيد وبالتنويه بأن الصفات الذاتية لله سبحانه وتعالى في أسمائه الحسنى ، ثم تعرض صفات الرسول - صلى الله عليه وسلم - دون مبالغات أو تهويلات ، وتتبعها بصفات الخلفاء الراشدين ، ومكارم أخلاقهم.. وربما تعرض بعض قصص الأنبياء .
ومع تطور الأدب في تركيا ، وتعدد فنونه وموضوعاته ، انتشرت الآثار الإسلامية في عدد من فنونه الجديدة وموضوعاته ، فضلًا عن الفنون والموضوعات الدينية المحضة ، فظهرت آثاره في الشعر الديواني ، وهو مزيج من المشاعر الدينية والغزلية العفيفة ، ويعد الشاعر (باقي) رائدًا كبيرًا من رواده ، كما ظهرت الآثار الإسلامية في النثر الفني المرسل ، الذي يعتمد على معانٍ دينية أيضًا .
ومع بداية التطورات القومية في الدولة العثمانية ، وظهورها نزعةً قوية عند بعض الأدباء الأتراك في نهاية القرن التاسع عشر ، ظهر تيار مضاد يحافظ على القيم الإسلامية ويعمقها في الأدب التركي الحديث ، ويعالج مشكلات المسلمين في الدولة العثمانية المتهاوية ، وقد تزعم هذا التيار الشاعر الكبير محمد عاكف أرصوي الذي عاصر معاناة تركيا في الحرب العالمية الأولى ، واحتلال جيوش الحلفاء أرضها ، وسقوط الخلافة ، والذي جعل شعره منبرًا إسلاميًا قويًا ، يستثير المشاعر الإيمانية في نفوس الأتراك ، ليدافعوا عن دينهم وأرضهم ، وقد شاعت قصائده بين الأتراك بقوة ، وصارت إحداها فيما بعد النشيد القومي التركي.. وما زالت حتى الآن - بعد حذف عبارات قليلة منها - ، ويعد محمد عاكف رائد مدرسة أدبية كاملة ، حملت هموم المسلمين في تركيا وتطلعاتهم طوال الفترة الكمالية ، واستطاعت هذه المدرسة أن تتصدى للتيار القومي والعلماني ، وأن تحافظ على النسيج الإسلامي في الأدب التركي ، وأن تعززه .
ومن شعره الإسلامي في المحنة قصيدة بعنوان (لا يأس) افتتحها بقوله تعالى (ومن يقنط من رحمة ربه إلا القوم الضالون) ثم قال يحذّر الأتراك من الاستسلام لليأس ويستنهضهم لإعادة مجدهم الإسلامي:
أين مني نفحة من الأمل فيك ،
أتحسب أنه قط انطفأ ؟
ما كان لفجر الحق الأزلي أن يُمْحى
أيها الظالم !
بعد قليل ترى ما أظلم أيام غدك
ويا أيها القلب المؤمن الذي حار وهو يعبد الحق ،
إن صدرًا واحدًا فقط يعيش بدون أمل ، وهو صدر الكافر !
أيجتمع اليأس والإيمان ؟
حاشا لله ، وقد علمت وأيقنت أنه ضرب من المحال ؛
فلماذا إذن أذللت عنقك ووقفت مطرّق الرأس ؟
ألا تشفق على ذريتك ، إن لم تشفق على نفسك ؟
لو أطبقت على الآفاق آلاف الكوارث ،
لما انهارت هذه الأمة . ما دمنا نتجنب أن نقول:"إنها سوف تضمحل"
ما كانت لتنهار ، كلا ، لن تنهار ولن تسقط !
فاقتل أنت اليأس العاوي وأيقظ العزم ؛
فحسبها نفحة من الإيمان حتى تعود إلى الحياة ، فلينتعش أملك ، ما هذه الخيبة ؟ وما هذا الخسران ؟
إبدا بإسكات الآلام الماضية ،
وبث الأمل القوى في أبنائك ؛
وتوكل على الله واعتصم بحبل السعي واخضع للحكمة …
هذا هو الطريق ، ولا أعرف صراطًا مستقيمًا سواه .
الأدب الإسلامي في اللغة الأردية
وإذا انتقلنا إلى الأدب الأردي الذي ينتشر بين ملايين المسلمين في شبه القارة الهندية ، وبين مئات الألوف المهاجرين منها إلى آفاق العالم ، فسنجد صورة أخرى للعلاقة الحميمة بين الأدب الإسلامي ، تناظر زميلتها التركية ، وتكاد تفوقها ، لولا قرب العهد بهذا الأدب .
ذلك أن اللغة الأردية قد تشكّلت في صورتها الحالية في القرن الحادي عشر الهجري ، وكانت قبل ذلك لغة محلية متأثرة بالهندية القديمة ، ثم تأثرت بالحضارة الإسلامية وباللغة العربية التي انتقلت إليها مع الإسلام ، وبالفارسية أيضًا ، وعندما احتل الإنجليز الهند وفرضوا ثقافتهم عليها ، دخلت اللغة الأردية عناصر من اللغة الإنجليزية أيضًا . غير أن الآثار العربية هي أقوى الآثار فيها ، فقد استفادت الأردية من العربية في قواعدها وعروضها وحروف الكتابة ، وفي بعض الجوانب البلاغية ، وفي عدد كبير من الألفاظ ، مباشرة أو عن طريق الفارسية التي نقلت من العربية ، واستفادت من اللغة الفارسية في تلك الجوانب أيضًا ولكن بقدر أقل .
وقد أصبحت الأردية لغة الثقافة بين المسلمين ، بفضل الأعمال الأدبية التي كتبها عدد من الأدباء البارعين ، أمثال ميرزا غالب ، والسيد أحمد خان ، ومحمد حسن آزاد ، ومنشي سجاد حسين ، وألطاف حسين"حالي"، ومحمد إقبال.. إلخ إضافة إلى الكتابات الفكرية والإسلامية التي كتبها الدعاة والمصلحون .
وقد ارتبط الأدب الأردي بالقيم الإسلامية من خلال أوضاع المسلمين في الهند ، والتحديات السياسية ، والصدام مع الهندوس ، والتحديات الثقافية الغربية ، وكان عدد من الأدباء الكبار منهمكين في القضايا السياسية ، ومهتمين بإصلاح أوضاع المسلمين ، وتعزيز العقيدة فيهم ، وإغنائهم بالثقافة الإسلامية ، فجعلوا إبداعهم الأدبي منبرًا من منابر التوجيه الإسلامي الحي . وساعدتهم في ذلك مواهبهم الكبيرة ، فأبدعوا أعمالًا أدبية إسلامية ، انتشرت بقوة بين المسلمين وأثرت فيهم تأثيرًا قويًا ، ومن تلك الأعمال: المنظومة المطولة"مسدس"للشاعر ألطاف حسين الملقب بـ (حالي) الذي يستعرض فيها واقع الحياة قبل البعثة النبوية ، والجاهلية القائمة فيها ، وسوء أحوال الإنسان ، ثم يعرض الانقلاب الهائل الذي أحدثه الإسلام في الحياة ، وظهور الحضارة الإسلامية ، وأثرها في تطور الحياة الإنسانية بعامة ، ثم يعرض ضعف المسلمين وانشغالهم بأمور الدنيا ، وتفرقهم وسقوط دولتهم ، والأحوال السيئة التي أصبحوا فيها في كل قطر ، وخاصة في الهند ، ويدعو إلى نهضة جديدة ، بالعودة الصحيحة القوية للإسلام ، وبناء حضارته من جديد .. وتبلغ المطولة قرابة ثلاثمائة مقطع ، في كل مقطع ستة أبيات .
ومن الأدباء الذي كان لهم أثر كبير بين المسلمين في الهند ، وتجاوزت شهرتهم إلى البلاد الإسلامية والعربية الشاعر الكبير محمد إقبال .
ولإقبال مكانة كبيرة في الأدب الإسلامي بغير العربية ، فهو من المبدعين المتميزين الذين كانت لهم رؤية خاصة في الحياة ، وكان صاحب نظرية تؤمن بأن الشخصية الإسلامية هي الشخصية المهيئة لقيادة العالم ، وبناء الحضارة الصحيحة ، كما أنه كان يدعو إلى قيام كيان إسلامي خاص لمسلمي الهند ، تحقق فيما بعد في قيام دولة باكستان . وإقبال نموذج للأديب الإسلامي العالمي ، فقد تجاوز شعره منطقته وانتشر بين مسلمي الهند ، كما تجاوز الهند ليصبح إبداعًا إنسانيًا عالميًا ، وترجم إلى لغات عدة منها اللغة العربية ، وقد ترجم الدكتور عبد الوهاب عزام عددًا من دواوينه شعرًا ، ونحا نحوه الصاوي شعلان ، ومحمد حسن الأعظمي في كتابهما (فلسفة إقبال والثقافة الإسلامية في الهند وباكستان) ، ونجتزئ بأبيات من إحدى قصائده ، وبترجمة هذين الكاتبين النثرية ، ثم الشعرية لها . والقصيدة بعنوان"شكوى"يتجه فيها إلى الله سبحانه وتعالى ، شاكيًا ما أصاب المسلمين ، من تخلف وفرقة وضعف ، بعد أن كانوا بناة الحضارة ، ورواد الأمم .