و"الجدل: الصرع . وجدله جدلا , وجدله فانجدل وتجدل: صرعه على الجدالة . وهو مجدول , وقد جدلته جدلا ."
وأكثر ما يقال جدلته تجديلا .""
"و الجدل - بفتح الدال - اللدد في الخصومة والقدرة عليها , وقد جادله مجادلة وجدالا ."
ورجل جدل و مجدل و مجدال: شديد الجدل .
ويقال: جادلت الرجل فجدلته جدلا أي غلبته.
ورجل جدل إذا كان أقوى في الخصام .
و جادله أي: خاصمه مجادلة وجدالا .
والاسم الجدل وهو شدة الخصومة ..."."
وجاء في القاموس المحيط (1) :
"وجدله فانجدل وتجدل صرعه على الجدالة ..."
والجدل محركة: اللدد في الخصومة والقدرة عليها"."
وجاء في العين (2) :
"ورجل جدل مجدال أي خصم مخصام."
والفعل جادل يجادل مجادلة .
وجدلته جدلا - مجزوم - فانجدل صريعا"."
المبحث الثاني: الجدل في الاصطلاح:
للجدل في الاصطلاح معنيان:
الأول: المعنى العام للجدل أو مطلق الجدل أو الجدل المحض .
الثاني: المعنى الخاص الذي جاء في النصوص الشرعية مندوبًا إليه في مقام الدعوة .
وغالب المراجع وبخاصة كتب التعريفات تشير إلى المعنى الأول .
فنجد مثلا أن الجرجاني يورد عددًا من المعاني الاصطلاحية للجدل فيقول:
"الجدال عبارة عن مراء يتعلق بإظهار المذاهب وتقريرها" (3) .
ويقول:"الجدل هو القياس المؤلف من المشهورات والمسلمات , والغرض منه إلزام الخصم , وإفحام من هو قاصر عن إدراك مقدمات البرهان" (4) .
ويقول:"دفع المرء خصمه عن إفساد قوله بحجة أو شبه ."
أو يقصد به تصحيح كلامه وهو الخصومة في الحقيقة" (5) ."
كما تنحو بعض المراجع المتأخرة في تعريفه بما هو قريب من ذلك فنجد على سبيل التمثيل التعريفات الآتية:
"المنازعة لا لإظهار الصواب بل لإلزام الخصم" (6) .
"المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة لإلزام الخصم" (7) .
وهذه التعريفات للجدل في أصله وعلى إطلاقه أو ما يمكن أن يسمى بالجدل المحض , ويظهر فيه أمران رئيسان:
-شدة الخصومة واللدد فيها .
-وقصد الغلبة والإلزام والإفحام في الهدف .
وهذا ليس بالجدل الشرعي في دين الإسلام, الذي جاء في قوله تعالى: ( {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} (125) سورة النحل ((8) .
وفي قوله تعالى: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} (46) سورة العنكبوت ((9) .
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله:"وقوله ( وجادلهم بالتي هي أحسن ( أي من احتاج منهم إلى مناظرة وجدال فليكن بالوجه الحسن برفق ولين وحسن خطاب كقوله تعالى ( ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم ( الآية فأمره تعالى بلين الجانب كما أمر به موسى وهارون عليهما السلام حين بعثهما إلى فرعون"(10) .
وقال العلامة ابن سعدي رحمه الله:"فإن كان المدعو يرى أن ما هو عليه حق أو كان داعيةً إلى الباطل فيجادل بالتي هي أحسن وهي الطرق التي تكون أدعى لاستجابته عقلا ونقلا , ومن ذلك الاحتجاج عليه بالأدلة التي كان يعتقدها فإنه أقرب إلى حصول المقصود وأن لا تؤدي المجادلة إلى خصام أو مشاتمة تذهب بمقصودها ولا تحصل الفائدة منها بل يكون القصد منها هداية الخلق إلى الحق لا المغالبة ونحوها" (11) .
وقال رحمه الله:"ينهى تعالى عن مجادلة أهل الكتاب إذا كانت عن غير بصيرة من المجادل , أو بغير قاعدة مرضية , وأن لا يجادلوا إلا بالتي هي أحسن ؛ بحسن خلق ولطف ولين كلام , ودعوة إلى الحق وتحسينه , ورد الباطل وتهجينه بأقرب طريق موصل لذلك , وأن لا يكون القصد منها مجرد المجادلة والمغالبة وحب العلو بل يكون القصد بيان الحق وهداية الخلق" (12) .
فيتبين بذلك أن الجدل الشرعي هو غير مطلق الجدل أو الجدل المحض السائد في الحدود الاصطلاحية للجدل والتي أوردنا طرفًا منها آنفًا , قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"ولهذا ذم السلف أهل الكلام , وكذلك الجدل إذا لم يكن الكلام بحجة صحيحة لم يك إلا جدلا محضًا" (13) .
والجدل الشرعي بمعنى المناظرة التي يقصد منها إظهار الصواب في كلام المختلفين . (14)
وقد نص بعض العلماء على أن الجدل بالتي هي أحسن هو المناظرة. (15)
ولعل هذا يفسر استخدام البعض للفظة الجدل بأنها مرادفة للمناظرة أو أنها بمعنى المناظرة . (16)
ومما تجدر الإشارة إليه أن الجدل هو أحد أشكال الحوار الذي يعني تردد الكلام ومراجعته بين طرفين أو أكثر دون أن يكون بالضرورة خلاف بينهما .
فإذا كان خلاف وقصد إظهار الحق بين الطرفين المختلفين فهي المناظرة والجدل الشرعي .
وإذا كان خلاف وكان القصد المغالبة والإلزام والإفحام فهو الجدل المحض .
أما علم الجدل فهو:"علم باحث عن الطرق التي يقتدر بها على إبرام أي وضع أريد ونقض أي وضع كان ."
وهو - كما يقول صديق حسن - فرع من فروع علم النظر ومبني لعلم الخلاف" (17) ."
ويبدو أن هذا التعريف لعلم الجدل متصل بمعناه العام الذي هدفه الإلزام والغلبة
ولذا يمكن أن نقول إن علم الجدل الشرعي هو: علم باحث عن الطرق التي يقتدر بها على إظهار الحقائق والاستدلال عليها في مقام الاختلاف بغرض الدعوة إلى الله تعالى .
المبحث الثالث: نظرة في تاريخ الجدل في الحياة البشرية:
وجود الجدل في حياة الإنسان مسألة بدهية ؛ لا تحتاج إلى الاستدلال في إثباتها وتأكيدها , ولم تخل أمة من الأمم قديمها وحديثها منه .
(3) التعريفات للجرجاني 1 / 101.
(4) المرجع السابق والصفحة نفسها وانظر التوقيف على مهمات التعاريف 1 / 236.
(5) التعريفات 1 / 101 وذكر قريبا منه في الحدود الأنيقة 1 / 73.
(6) رسالة الآداب في علم آداب البحث والمناظرة لمحمد محيي الدين عبد الحميد ص 175.
(7) مناهج الجدل في القرآن الكريم للدكتور زاهر الألمعي 24.
(8) سورة النحل الآية 125.
(9) سورة العنكبوت الآية 46.
(10) تفسير القرآن العظيم 2 / 592 .
(11) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان 452.
(12) المرجع السابق 632.
(13) منهاج السنة النبوية 3/ 58.
(14) أسلوب المناظرة في دعوة النصارى إلى الإسلام , رسالة دكتوراه غير منشورة , ص 7 وفيها تفصيل ونقولات ومقارنات حول تعريف المناظرة .
(15) انظر التقريب لحد المنطق لابن حزم ص 186 وضوابط المعرفة للميداني ص 371 وانظر استخدام جمع من المفسرين لكمة مناظرة مقابل الجدل وعبارة ناظرهم مقابل جادلهم عند تفسيرهم لقوله تعالى ( وجادلهم بالتي هي أحسن ) في أسلوب المناظرة في دعوة النصارى إلى الإسلام ص 55 .
(16) انظر الكافية في الجدل للجويني ص 4 , والمعونة في الجدل لأبي إسحاق الشيرازي ص 7 .
(17) أبجد العلوم 2 / 208 .