وقد نبه عليها سبحانه وتعالى فقال: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا} (54) سورة الكهف (1) .
قال الثعالبي:"وقوله تعالى: ( ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر شيء جدلا ( الإنسان هنا يراد به الجنس وقد استعمل صلى الله عليه وسلم الآية على العموم في مروره بعلي ليلا وأمره له بالصلاة بالليل، فقال علي: إنما أنفسنا يا رسول الله بيد الله , أو كما قال، فخرج - صلى الله عليه وسلم - وهو يضرب فخذه بيده ويقول: وكان الإنسان أكثر شيء جدلا"(2) .
وقال الزجاج:"كل ما يعقل من الملائكة والجن يجادل , والإنسان أكثر هذه الأشياء جدلا" (3) .
وقال الألوسي:" ( وكان الإنسان ) بحسب جبلته ( أكثر شيء جدلا ) أي أكثر الأشياء التي يتأتى منها الجدل ... والمعنى أن جدل الإنسان أكثر من جدل كل مجادل" (4) .
ولذلك فلعل النظر هنا يكون إلى تحليل وتصنيف تاريخ الجدل بدلا من السرد التاريخي لشواهده , وذلك في الأطر الآتية:
الأول: الجدل الإنساني بعامة ؛ أي ممارسة الجدل من الإنسان وفق طبيعة البشرية الغالبة , وهذا في تاريخ الإنسان أينما وحيثما وجد .
وهو أمر مشاهد ومحسوس وملاحظ , كما يمكن في ذلك التذكير بالآية السابقة ( وكان الإنسان أكثر شيء جدلا ( ويمكن اعتباره من بدء الخليقة إلى قيام الساعة , بل إلى أن يفصل بين العباد , فقد جاء ما يدل على أن كل نفس تجادل يوم القيامة عن نفسها قال تعالى: {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} (111) سورة النحل (5) .
قال الإمام الطبري في تفسير الآية:"يوم تأتي كل نفس تخاصم عن نفسها وتحتج عنها بما أسلفت في الدنيا من خير أو شر أو إيمان أو كفر" (6) .
وقال الإمام القرطبي رحمه الله:"قوله تعالى: ( يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها ( أي: إن الله غفور رحيم في ذلك , أو ذكرهم يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها أي: تخاصم وتحاج عن نفسها ."
جاء في الخبر أن كل أحد يقول يوم القيامة: نفسي نفسي من شدة هول يوم القيامة سوى محمد صلى الله عليه وسلم فإنه يسأل في أمته ، وفي حديث عمر أنه قال لكعب الأحبار: يا كعب خوفنا هيجنا حدثنا نبهنا، فقال له كعب: يا أمير المؤمنين والذي نفسي بيده لو أنت وافيت يوم القيامة بمثل عمل سبعين نبيًا لأتت عليك تارات لا يهمك إلا نفسك وإن لجهنم زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي منتخب إلا وقع جاثيًا على ركبتيه، حتى إن إبراهيم الخليل ليدلي بالخلة فيقول: يا رب أنا خليلك إبراهيم لا أسألك اليوم إلا نفسي .قال: يا كعب أين تجد ذلك في كتاب الله ؟ قال: قوله تعالى: ( يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون( .
وقال ابن عباس في هذه الآية:"ما تزال الخصومة بالناس يوم القيامة حتى تخاصم الروح الجسد فتقول الروح: رب الروح منك أنت خلقته لم تكن لي يد أبطش بها ولا رجل أمشي بها ولا عين أبصر بها ولا أذن أسمع بها ولا عقل أعقل به حتى جئت فدخلت في هذا الجسد فضعف عليه أنواع العذاب ونجني، فيقول الجسد: رب أنت خلقتني بيدك فكنت كالخشبة ليس لي يد أبطش بها ولا قدم أسعى به ولا بصر أبصر به ولا سمع أسمع به فجاء هذا كشعاع النور فبه نطق لساني وبه أبصرت عيني وبه مشت رجلي وبه سمعت أذني فضعف عليه أنواع العذاب ونجني منه، قال: فيضرب الله لهما مثلا ؛ أعمى ومقعدًا , دخلا بستانا فيه ثمار فالأعمى لا يبصر الثمرة والمقعد لا ينالها، فنادى المقعد الأعمى: ايتني فاحملني آكل وأطعمك، فدنا منه فحمله فأصابوا من الثمرة، فعلى من يكون العذاب ؟ قال: عليكما جميعًا العذاب" (7) .
الثاني: الجدل في البيئة اليونانية , ونخصها بإطار مستقل في هذه النظرة التحليلية لتاريخ الجدل لأن وضع قواعد الجدل والمنطق كما تتناقله المراجع بدأ في هذه البيئة , ولا يعنى هذا عدم وجوده من قبل فهو جبلة غالبة في الإنسان كما أسلفنا , لكن الذي حدث في البيئة اليونانية هو أن الجدل صار علمًا يدرس وفنًا يكتسب بالصنعة حيث قام سوقه واشتد عوده لمواجهة الحركة السوفسطائية التي تلبس على الناس عقائدهم , بل وتشككهم في الحقائق والبدهيات مما دعا القوم إلى وضع قواعد في الجدل بقصد قطع أولئك السوفسطائيين وإفحامهم ومغالبتهم (8) , وهؤلاء عندهم حق وباطل ومن أبرع من غربل نتاجهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في عدد من مؤلفاته . (9)
ولما ورثت الحضارة الإسلامية خلافة العالم في عصورها الذهبية نقلت كثيرًا من العلوم والمعارف , ولم تكن الحضارة الإسلامية تقوم بدور الوسيط والناقل فقط بل غربلت في أحايين كثيرة علوم الأمم السابقة ومن ذلك علم الجدل الذي يقابله عند المسلمين علم المناظرة , أو علم البحث والمناظرة , سواء في المصنفات المستقلة أم في الكتابات المتفرقة .
ويميل بعض الباحثين إلى أن علم المناظرة صناعة إسلامية لم يسبقهم إليه أمة من الأمم قبل ذلك . (10)
ومع هذا بقيت آثار من الفكر اليوناني لم يسلم بعض المسلمين منها حتى في فهم كلام الله عز وجل وتفسيره , ومنه فهم بعضهم لما في قوله تعالى: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} (125) سورة النحل (( 11) .
(1) سورة الكهف الآية 54.
(2) الجواهر الحسان في تفسير القرآن 2 / 387 , وانظر معالم التنزيل للبغوي 3 / 168 , والحديث في صحيح البخاري كتاب التهجد ، باب تحريض النبي صلى الله عليه وسلم على صلاة الليل 1 / 379 , وصحيح مسلم كتاب صلاة المسافرين , باب ما روي فيمن نام الليل أجمع حتى أصبح 1/ 537 .
(3) زاد المسير لابن الجوزي 5 / 157 .
(4) روح المعاني للألوسي 15 / 300.
(5) سورة النحل الآية 111.
(6) جامع البيان 14 / 185.
(7) الجامع لأحكام القرآن 10 / 193 , وانظر معالم التنزيل للبغوي 3 / 87 .
(8) مناهج الجدل في القرآن الكريم للدكتور زاهر الألمعي 35, والملل والنحل للشهرستاني 2 / 119.
(9) انظر مجموع الفتاوى 12 / 349 ودرء تعارض العقل والنقل 7 / 334 , وغيرها من كتبه .
(10) انظر ما قاله الأستاذ علي مصطفى الغرابي في مقدمته للرسالة الرشيدية ص 4 - 5 .
(11) سورة النحل الآية 125.