قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"كلام الله لا يشتمل إلا على حق يقين لا يشتمل على ما تمتاز به الخطابة والجدل عن البرهان بكون المقدمة مشهورة أو مسلمة غير يقينية , بل إذا ضرب الله مثلا مشتملا على مقدمة مشهورة أو مسلمة فلا بد وأن تكون يقينية , فأما الاكتفاء بمجرد تسليم المنازع من غير أن تكون المقدمة صادقة أو بمجرد كونها مشهورة وان لم تكن صادقة فمثل هذه المقدمة لا يشتمل عليها كلام الله الذي كله حق وصدق وهو أصدق الكلام وأحسن الحديث ."
فصاحب الحكمة يدعى بالمقدمات الصادقة سواء كانت مشهورة أو مسلمة أو لم تكن لما فيه من إدراك الدِّق واتباع الحق .
وصاحب الموعظة يدعى من المقدمات الصادقة بالمشهورة لأنه قد لا يفهم الخفية من الحق ولا ينازع في المشهورة .
وصاحب الجدل يدعى بما يسلمه من المقدمات الصادقة مشهورة كانت أو لم تكن إذ قد لا ينقاد إلى ما لا يسلمه" (1) ."
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى:"وأما ما ذكره بعض المتأخرين أن هذا إشارة إلى أنواع القياسات، فالحكمة هي طريقة البرهان، والموعظة الحسنة هي طريقة الخطابة، والمجادلة بالتي هي أحسن طريقة الجدل، فالأول بذكر المقدمات البرهانية لمن لا يرضى إلا بالبرهان ولا ينقاد إلا له وهم خواص الناس، والثاني بذكر المقدمات الخطابية التي تثير رغبة ورهبة لمن يقنع بالخطابة وهم الجمهور، والثالث بذكر المقدمات الجدلية للمعارض الذي يندفع بالجدل وهم المخالفون فتنزيل القرآن على قوانين أهل المنطق اليوناني واصطلاحهم وذلك باطل قطعًا" (2) .
كما امتد تأثير الجدل اليوناني إلى تطبيقات بعض المسلمين وتسببت الترجمة لعلوم اليونان في نشوء الجدل الكلامي المخالف للجدل الشرعي وذلك بعقد مجالس للجدل بقصد المغالبة والإلزام ودفع الخصوم حتى قال بعضهم لبعض:"لا تعلق تكثيرًا مما تسمع مني في مجالس الجدل فإن الكلام يجري فيها على ختل الخصم ومغالطته ودفعه ومغالبته , فلسنا نتكلم لوجه الله خالصا ولو أردنا ذلك لكان خطونا إلى الصمت أسرع من تطاولنا إلى الكلام". (3)
إلا أن ذلك كله لا يعني عدم وجود المجادلات والمناظرات المنضبطة بالضوابط الإسلامية كما سيتبين في الإطار الآتي .
الثالث: الجدل في مقام الدعوة إلى ما جاءت به الرسالات السماوية باعتباره أسلوبا يحتاج إليه مع بعض المدعوين الذين يمكن أن يكون فيهم منكرون للنبوات وما جاءت به من العقائد والشرائع , أو مترددون لديهم نوع ممانعة تزول بالإقناع وإقامة الحجة الصحيحة لهم , وهؤلاء موجودون أينما وجدت رسالة والأمثلة على ذلك كثيرة جدًا .
وقد ورد في كتاب الله الكريم عدد من تلك المواجهات بين الأنبياء وأقوامهم .
وكان موقف الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وكذا الداعون بدعوتهم مواجهتهم بالحق المؤيد من الله تعالى فيما أنزل عليهم من الهدى والنور والدلائل القطعية التي تفوق احتجاج البشر ومنطقهم . (4)
... وقد بين الله تعالى فضله على إبراهيم عليه الصلاة والسلام في قوة حجته وخصمه لقومه فقال: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} (83) سورة الأنعام ((5) .
قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى:"تلك إشارة إلى جميع احتجاجاته حتى خاصمهم وغلبهم بالحجة" (6) .
أما عن دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم فقد كان فيها الكثير من ذلك , وسنتبين طرفا منها عند الحديث عن المشروعية بإذن الله , قال الشيخ حافظ الحكمي في معارج القبول:"ومناظرة الرسل لأعداء الله يطول ذكرها , ومقامات نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مع هذه الأمة أشهر من أن تذكر , فمن شاءها فليقرأ المصحف من فاتحته إلى خاتمته" (7) .
وقد أورد ابن كثير رحمه الله عددًا من مجادلات المشركين لرسول الله صلى الله عليه وسلم تحت باب سماه:"باب مجادلة المشركين رسول الله صلى الله عليه وسلم , وإقامة الحجة الدامغة عليهم واعترافهم في أنفسهم بالحق وإن أظهروا المخالفة عنادًا وحسدًا وبغيًا وجحودًا" (8) .
وكان اليهود من أكثر الناس جدلا بالباطل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال ابن إسحاق:"كانت أحبار يهود يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتعنتونه ويأتون باللبس ليلبسوا الحق بالباطل فكان القرآن ينزل فيهم فيما يسألون عنه" (9) , وهذا ليس جديدًا منهم فقد جادلوا موسى وعيسى عليهما وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، وما قصة بقرة بني إسرائيل منا ببعيد.
وقد استمر الجدل بين الدعاة إلى الإسلام وغيرهم إلى يومنا هذا , وذلك لعالمية هذا الرسالة وشمولها للناس كافة , إذ تمثل الدعوة مسؤولية عامة وخاصة لا يكاد يعفى منها من رضي بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا , فهي سبيل محمد صلى الله عليه وسلم وسبيل أتباعه من بعده قال تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (108) سورة يوسف (10) .
وكلما احتاج الدعاة إلى ممارسة المناظرة والجدل مارسوه بالضوابط الشرعية التي جاءت بها البعثة النبوية , والتي أحدثت نقلة في الحياة البشرية لتعيدها إلى ما ينبغي أن تكون عليه وفق هدي خالقها وموجدها الأعلم بما يصلحها .
وهذه النقلة شملت مناحي الحياة المختلفة بدءًا بالعقائد ومناهج التفكير وانطلاقًا إلى المعاملات والأخلاق والآداب والقيم .
(1) مجموع الفتاوى 2 / 45 _ 46, وانظر الرد على المنطقيين ص 445، وروح المعاني للألوسي 14/ 255 .
(2) مدارج السالكين 1 / 446.
(3) انظر الاستشراق بين الموضوعية والافتعالية للدكتور قاسم السامرائي ص 42 - 43.
(4) انظر البداية والنهاية لابن كثير 3 / 60 ومعارج القبول لحافظ الحكمي 1 / 64 .
(5) سورة الأنعام الآية 83 .
(6) الجامع لأحكام القرآن، 7 / 30.
(7) معارج القبول 1 / 68 , وقد أورد عددا منها .
(8) البداية والنهاية 3 / 60 .
(9) السيرة النبوية لا بن هشام 2 / 155.
(10) سورة يوسف الآية 108 .