فهرس الكتاب

الصفحة 1084 من 1942

كان الرسول صلى الله عليه وسلم يحرص على تعليم الغلمان من أولاد الصحابة كيف يتوكلون على الله حق التوكل،فقد كان يركب وراءه ذات مرة ابن عباس،فقال له:"يا غلام إحفظ الله يحفظك،إحفظ الله تجده تجاهك،واعلم أن الأمة لو اجتمعت لينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك،وأن الأمة لو اجتمعت ليضروك بشيء فلن يضرونك إلا بشيء قد كتبه الله عليك،رُفعت الأقلام وجفت الصحف"...فما أعظمه من حديث ،لذا ينبغي أن يعلق في إطار على الحائط ليراه أهل البيت ويبث فيهم روح اليقين في الله، والرضا بقضاءه،والشجاعة والإقدام وحسن التوكل عليه تعالى،مع أهمية أن نشرح له أن التوكل يعني الأخذ بالأسباب بالجوارح مع التوكل على الله بالقلب،أي التيقن من أن تحقيق الغاية لن يتم إلا بأمر الله؛فإذا لم يكن هناك أسباب يمكن اتخاذها فالأمر لله، وهنا ينبغي التضرع والدعاء له تعالى لتحقيق تلك الغاية، مع الثقة في حكمته وأن كل ما يأتي به الله خير.

ومما يعينه على ذلك أن نحكي له من مثل القصص الواقعية التالية:

لما فتح القائد"عمرو بن العاص"مصر منع عادة عروس النيل التي تقضي بإلقاء فتاة شابة مزينة بالحلي في النيل ليفيض عليهم ،فتوقف النيل عن الجريان لمدة ثلاثة شهور،فأرسل عمرو بن العاص إلى عمر ليستشيره،فأرسل يقول له: حسنًا فعلت وأرجو أن تلقي في النيل رسالتي التالية:"هذه رسالة من عمر بن الخطاب إلى نيل مصر أما بعد،فإن كنت تجري من لدن الله فنسأل الله أن يجريك... وإن كنت تجري من لدنك،فلا تجري فلا حاجة لنا فيك"،فجرى النيل وفاض!

ويقول الداعية الإسلامي الأستاذ"عمرو خالد":

كان لي صديق يعمل في إحدى الفنادق الكبيرة بالقاهرة،وكان من ضمن مهام مهنته أن يعد لحفلات يرتكب فيها محرمات،وبينما هو يعد قائمة بالمطلوب لإحدى هذه الحفلات،نظر أمامه فإذا بالشيخ محمد متولي الشعراوي -رحمه الله- يتناول الطعام أمامه في المطعم، فتيقظ ضميره وشعر أنه يأتي مُحرَّمًا ،فما كان منه إلا أن ترك ما بيده وذهب إليه يسأله،هل ما أفعله بوظيفتي حلال أم حرام؟ فقال له:"إنه حرام"،فقال له"فماذا أفعل ؟"فقال له:"إتركها"،فرد الشاب"إن لي زوجة وأولاد،فمن أين سنجد قوتنا؟"،فرد عليه الشيخ الجليل:"يابني إنه (من يتق الله يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب) "،فقال له:"إذن أظل بوظيفتي حتى أجد غيرها ثم أتركها"،فرد الشيخ الشعراوي بحزم:"يا بني إنه يقو ل:من يتق الله (أولًا) يجعل له مخرجًا (بعد ذلك) ...فكيف تريده أن يجعل لك مخرجًا وأنت لم تتقه؟"

فظل الشاب يفكر حتى هداه الله تعالى إلى كتابة الاستقالة والتوكل عليه سبحانه،ولكنه قبل أن يتم كتابتها إذا بمدير سلسلة الفنادق التي ينتمي إليها هذا الفندق يتصل به ويقول:"أريد أن أخبرك بشيء،فرد الشاب وأنا أيضًا أريد أن أخبرك بشيء-يعني الاستقالة- ولكن المدير قال له:"سأقول لك أنا أولًا: لدينا وظيفة شاغرة لمدير فرعنا بالمدينة المنورة وقد اخترتك لها،فما رأيك؟!!!" (23) "

وهذه قصة واقعية أخرى لمسلم توكل على الله وافتخر بانتماءه للإسلام واعتز بتفضيل مراد الله على مراده:

يقول الدكتور"عبد الله الخاطر"الذي كان يعيش في انجلترا لدراسة الدكتوراه:"إلتقيت بشاب إنجليزي يعيش في جنوب لندن،وقد أسلم حديثًا،وبعد إسلامه بثلاثة أسابيع عثر على وظيفة ، فحاول غيره من الشباب المسلمين أن يحذروه من أن يقول أنه قد أسلم حين يذهب للمقابلة الشخصية،حتى لايكون ذلك سببًا في عدم قبوله،فيتأثر نفسيًا فيرتد عن دينه،إلا أن هذا الشاب توكل على ربه ولم يخشهم،فذكر لأصحاب العمل أنه قد أسلم وكان اسمه"رود"، فاصبح"عمر"،وقال لهم أيضًا بفخر:"لقد غيرت ديني واسمي وأريد وظيفة تتيح لي وقتًا للصلاة، فما كان منهم إلا أن قبلوه في تلك الوظيفة!!! وكان الأمر أعجب عندما قالوا له:"إننا نريد في هذه الوظيفة رجلًا عنده القدرة على اتخاذ القرارات وأنت عندك قدرة عظيمة جدًا في اتخاذها،فقد غيرت اسمك ودينك وهذا إنجاز كبير!!! (24) "

كما يمكن أن نسمع معهم قصصًا أخرى بنفس المعنى في درسي"التوكل"و"اليقين" (ضمن سلسلتي: إصلاح القلوب،ودروس أخرى على موقعه www.forislam.com)

وينبغي أن نحكي لهم عن نماذج مشرفة عرفت الله حق معرفته فارتاحت وقنعت وسارت على الدرب الصحيح من أمثال"حاتم الأصم"الذي تتلمذ على يد"شفيق البلخي"،(وسأله معلمه يوما:"كم صحبتني؟"فقال له:"منذ ثلاث وثلاثين سنة"،فقال له:"وما تعلمتَ مِنِّي ؟"قال:"ثمان مسائل"،قال شفيق:"إنَّا لله وإنا إليه راجعون ، ذهب عمري معك ولم تتعلم مني إلا ثمان مسائل؟! قال:"يا أستاذ لم أتعلم غيرها و إني لا أحب أن أكذب"،فقال له:"هات ماهي حتى أسمعها"،قال حاتم:"

• نظرت إلى هذا الخلق فرأيت كل واحد يحب محبوبًا فهو مع محبوبه إلى القبر،فإذا وصل إلى القبر فارقه،فجعلت الحسنات محبوبي فإذا دخلت القبر دخل محبوبي معي.

فقال أحسنت يا حاتم فما الثانية؟ قال:

• نظرت في قول الله تعالى:"وأما من خاف مقامَ ربه ونَهى النفس عن الهوى،فإن الجنةَ هي المأوى"فعلمت أن قوله تعالى هو الحق،فأجهدت نفسي في دفع الهوى حتى استقرت في طاعة الله تعالى.

• الثالثة أني نظرت إلى هذا الخلق فرأيت كل من معه شيء له قيمة ومقدار رفعه وحفظه ثم نظرت إلى قول الله تعالى:"ما عندكم ينفَد وما عند اللهِ باق"فكلما وقع معي شيء له قيمة ومقدار وجهته إلى الله ليبقى عنده محفوظًا.

• الرابعة أني نظرت إلى هذا الخلق فرأيت كل واحد منهم يرجع إلى المال والشرف والنسب،فنظرت فيها فإذا هي لا شيء ثم نظرت إلى قوله تعالى:"إن أكرمكم عند الله أتقاكم"فعملت في التقوى حتى أكون عند الله كريما.

• الخامسة أني نظرت إلى هذا الخلق وهم يطعن بعضهم في بعض،ويلعن بعضهم بعضًا،وأصلُ هذا كله الحسد ثم نظرت إلى قوله تعالى:"نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا"فتركت الحسد واجتنبت الخلق وعلمت أن القسمة عند الله فتركت عداوة الخلق عني.

• السادسة: نظرت إلى هذا الخلق يظلم بعضهم بعضا فرجعت إلى قوله تعالى:"إن الشيطان لكم عدوٌ فاتَّخِذوهُ عدوًا"فعاديته وحده واجتهدت في أخذ حذري منه لأن الله تعالى شهد عليه أنه عدوٌ لي فتركت عداوة الخلق غيره.

• السابعة نظرت إلى هذا الخلق فرأيت الواحد منهم يطلب كسرة الخبز فيذل بها نفسه ويدخل فيما لا يحل له ثم نظرت إلى قوله تعالى:"وما من دابَّةٍ في الأرض إلا على اللهِ رزقُها"فعلمت أني واحد من هذه الدواب التي على الله رزقها فاشتغلت بما لله تعالى علي وتركت ما لي عنده.

• الثامنة: نظرت إلى هذا الخلق فرأيت منهم متوكلين،على مخلوق،هذا على عقاره وهذا على تجارته،وهذا على صناعته،وهذا على صحة بدنه،فرجعت على قوله تعالى:"ومن يتوكل على اللهِ فهو حسبُه"فتوكلت على الله فهو حسبي.

قال شقيق:"يا حاتم وفقك الله تعالى فإني نظرت في علوم التوراة والإنجيل والزبور،والفرقان العظيم فوجدت جميع أنواع الخير والديانة تدورعلى هذه الثمانية،فمن استعملها فقد استعمل الكتب الأربعة") (25)

مجاهدة النفس

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت