فهرس الكتاب
إن أحدًا لا يخالف في أن هذا الكون من خلق وإبداع خالق عظيم حكيم، هو ربنا ?الأعلى ^ الذي خلق فسوى ^ والذي قدر فهدى? (الأعلى: 1-3) ، ولو صدقوا في تسميته لأسموه خالق الطبيعة ومدبر شؤونها ?أم خلقوا من غير شيءٍ أم هم الخالقون ^ أم خلقوا السموات والأرض بل لا يوقنون ^ أم عندهم خزائن ربك أم هم المسيطرون? (الطور: 35-37) .
ولما سمع الصحابي جبير بن مطعم هذه الآية قال: (كاد قلبي أن يطير) . (4)
إن الإلحاد المتمثل في إنكار الخالق شذوذ يستبشعه العقل البشري وتأباه الفطرة السوية، فما الإنسان بخالق نفسه، وإذا كان الإنسان الذي يتميز عن كل الموجودات بما يمتاز به من العقل والإرادة والتسخير عاجزًا عن خلق نفسه؛ فغيره من المخلوقات أعجز، لذا فلا مناص من التسليم بوجود الإله العظيم ، ففي كل زاوية من زوايا الكون آية تدل على وجوده، لا بل تشهد له بالكمال والجلال والعظمة.
وأهم ما توافق الأنبياء على الدعوة إليه؛ وحدانية الله وإفراده بالعباده دون سواه، فهو جوهر رسالاتهم جميعًا ?وما أرسلنا من قبلك من رسولٍ إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون? (الأنبياء: 25) .
وسجل القرآن الكريم مضمون هذه الدعوة على لسان عدد من الأنبياء، فهاهم رسل الله - نوح وهود وصالح وشعيب وغيرهم - يقولون بلسان واحد: ?يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إلهٍ غيره? (المؤمنون: 23) ، (هود: 50، 60) ، (الأعراف: 85) .
وكما دعا الأنبياء إلى توحيد الله الواحد؛ فإنهم حذروا أقوامهم من الشرك - سواء أكان المعبود مع الله بشرًا أم حجرًا أم حيوانًا أم ملاكًا - لأن الله أوحى إليهم جميعًا بذلك ?ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين ^ بل الله فاعبد وكن من الشاكرين? (الزمر: 65-66) .
وكان المسيح عليه السلام من هؤلاء الأنبياء الذين حذروا أقوامهم من الشرك: ?وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار? (المائدة: 72) .
ولما كانت معرفة أسماء الله وصفاته تعجز عن التنبؤ بها العقول وتحار في إدراكها الأفهام وتختلف؛ فإن الله تبارك وتعالى - بمنِّه وفضله - خلّص البشرية من حيرتها، فعرّفها بأسمائه وصفاته حين بعث بوحيه أنبياءه وأنزل على العالمين كتبه، فكان أهم ما حملته النبوات إلى الإنسانية تعريفها بخالقها.
وقد ذكر الله في كتابه الأخير، القرآن الكريم، أن له تبارك وتعالى أسماء حسنى، غاية في الحسن والجلال والكمال ?الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى? (طه: 8) ، وهي تدل جميعها على ذات واحدة يدعوها المسلم في صلاته ودعائه ?ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها? (الأعراف: 180) .
ومن أسماء الله الحسنى ما جاء في قوله تعالى: ?هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم ^ هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون ^ هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم? (الحشر: 22-24) .
وهذه الأسماء الإلهية مع دلالتها على الذات الإلهية فإنها تثبت لله تبارك وتعالى غاية ما تدل عليه من أوصاف الكمال والتنزيه ، فهو الملِك الذي لا نِدَّ له في ملكه، وهو الحكيم الذي لا يُدانى في حكمته، إنه الله العظيم الذي جلَّ عن النظير والمثيل والشبيه ?ليس كمثله شيء وهو السميع البصير? (الشورى: 11) ، وهو الله الواحد الأحد ? قل هو الله أحدٌ ^ الله الصمد ^ لم يلد ولم يولد ^ ولم يكن له كفوًا أحدٌ ? (سورة الإخلاص) ، ?فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون? (النحل: 74) .
إن الإيمان بالله الموصوف بصفات العظمة والكمال يهذب السلوك الإنساني، حين يستحضر معية الرب له، فيعلم باطلاع الرب عليه، وهو العليم المحيط القادر على كل شيء، فيستحي المؤمن به أن يراه ربه ومولاه على حال المعصية؛ وهو القوي ذو البأس والبطش الشديد، وأولى منه أن نعبده ونسعى في مراضيه، لنفوز بجنته وعظيم جزاء الرب العفو الغفور الكريم الودود.
وهكذا فالمؤمن يستقيم سلوكه خوفًا من الله وعقابه، وطمعًا في ثوابه وجزائه، وهذا هو حال المؤمنين الذين امتدحهم ربهم ?إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبًا ورهبًا وكانوا لنا خاشعين? (الأنبياء: 90) .
إن المسلم حين يؤمن بالله الواحد الخالق الرازق الذي بيده مقادير الأمور؛ فإنه يلجأ إليه وحده في السراء والضراء، في الصغير من أموره والكبير، ليقينه بمعية الله تعالى للمؤمنين وقربه منهم وإطلاعه على سرائرهم وأعمالهم، وأنه تعالى وحده القدير الذي بيده مقاليد الأمور ? إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون ^ فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيءٍ وإليه ترجعون? (يس: 82-83) ، وهو تبارك وتعالى الذي ? له مقاليد السموات والأرض يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه بكل شيءٍ عليمٌ? (الشورى: 12) .
فإذا نظر المرء إلى ما أولاه الله من نعمه وآلائه التي لا تحصى؛ فإنه يفيض قلبه بمحبته ? والذين آمنوا أشد حبًا لله ? (البقرة: 165) ، وكيف لا يحبه، والله العظيم قد سبق فأحب عباده المؤمنين الطائعين ? إن الله يحب المحسنين ? (البقرة: 195) ، ?إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين? (البقرة: 222) ? والله يحب الصابرين? (آل عمران: 146) ? إنه هو يبدئ ويعيد ^ وهو الغفور الودود? (البروج: 13-14) .
وهذه المحبة لله تجعل المسلم معلق القلب بالله، يرجو رضاه، ومن أعظم ما يتطلع إليه المؤمن نوال الجنة دار الخلود التي أعدها الله لمن أحبه من عباده ?فلا تعلم نفسٌ ما أخفي لهم من قرة أعينٍ جزاءً بما كانوا يعملون? (السجدة: 17) .
ومحبة المسلم لربه تجعله يمتنع عن كل يغضب الرب الذي يحبه ، فيكره ما كرهه محبوبه، والله لا يكره ولا يمقت إلا السيء من القول والعمل والخلق ?إن الله لا يحب من كان خوانًا أثيمًا? (النساء: 107) ?والله لا يحب المفسدين? (المائدة: 64) ?ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين? (المائدة: 87) .
ثانيًا: الشهادة بأن محمدًا رسول الله
وحتى تقوم حجة الله على خلقه أرسل الله الرسل، وختمهم بمحمد r، وجعله رسوله إلى العالمين ? وما أرسلناك إلا كافةً للناس بشيرًا ونذيرًا ? (سبأ: 28) ، فهي مزيته r على سائر إخوانه من الأنبياء (( كان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس كافة ) ). (5)
والنبي r هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب القرشي، ولد يتيمًا بمكة المكرمة عام 571م، ونشأ فيها، وحين بلغ الأربعين من العمر آتاه الله النبوة، حين نزل عليه الملاك جبريل بالوحي وهو في غار حراء شرق مكة المكرمة، فدعا قومه إلى الإسلام، فآمن به رهط قليل، وامتنع عن الإيمان به سادة قبيلته (قريش) الذين خافوا من ذهاب زعامتهم وزوال امتيازاتهم، فكذبوه وآذوه، وقتلوا بعضًا من أصحابه وعذبوهم بأشد أنواع النكال والعذاب.
فهاجر النبي r والمؤمنون معه إلى يثرب (المدينة المنورة) ، وأقام فيها المجتمع الإسلامي الممتثل بهدي الله، وكان أول ما صنعه النبي r فيها أن بنى مسجده فيها وآخى بين المسلمين بآصرة العقيدة على اختلاف أجناسهم وأوطانهم، ثم عقد مع يهود المدينة معاهدة للتعايش المشترك الآمن فيها والتعاضد على حماية المدينة.