فهرس الكتاب

الصفحة 1115 من 1942

وفي المدينة المنورة دعا النبي r العرب والعجم إلى الإيمان به، فأرسل الرسل إلى ملوك الأرض وحكامها يشرح لهم مبادئ دينهم، فآمن به بعضهم، وناوأه غيرهم، وأرسلوا إليه الجيوش، فقاتل r من عاداه وأعاق دعوته، حتى نصره الله بنصره، ولم يغادر النبي r الدنيا عام 633م حتى أقر الله عينيه بانتشار الإسلام في سائر الجزيرة العربية.

وقد أيد الله النبيَّ r بما يشهد على نبوته من دلائل وبراهين، كما أُيد بذلك من سبقه من إخوانه من الأنبياء والمرسلين، وخصه الله عنهم بدليل ساطع يدوم بدوام رسالته r، فلا تنقضي دلالته بتقادم الأزمان، ولا تبلى بتصرم الأيام، وهو القرآن العظيم، الكتاب المعجِز الذي بهر العالمين، وعجز عن الإتيان بمثله الأولون، ولن يأتي بسورة من مثله الآخرون ? قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعضٍ ظهيرًا? (الإسراء: 88) ، يقول r: (( ما من الأنبياء من نبي، إلا قد أُعطي من الآيات، ما مثلٌه آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أُوتيتُ وحيًا أَوحى اللهُ إليّ، فأرجو أن أكون أكثرَهم تابعًا يوم القيامة ) ). (6)

فقد حوى القرآن من العلوم ما حير بأسبقيته وعمقه العلماء، كيف لا وقد أنزله الله العليم بكل شيء ? لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدًا? (النساء: 166) .

فقد سبق القرآن العلم الحديث إلى وصف نشأة الخلق في الماضي السحيق، حين أشار إلى ما يسميه العلماء اليوم بنظرية الانفجار الكبير (bang Big) ، فقال تعالى: ?ثم استوى إلى السماء وهي دخانٌ فقال لها وللأرض ائتيا طوعًا أو كرهًا قالتا أتينا طائعين ? (فصلت: 11) ، وقال تعالى: ?أولم يرَ الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقًا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيءٍ حي أفلا يؤمنون? (الأنبياء: 30) .

كما تحدث القرآن عن اتساع الكون وتمدده في قوله تعالى: ?والسماء بنيناها بأييدٍ وإنا لموسعون? (الذاريات: 47) ، وذكر دوران الشمس والقمر والأرض في أفلاك مستديرة ?والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم ^ والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم ^ لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلكٍ يسبحون? (سورة يس: 38-40) ، فهذه الأخبار وغيرها علوم دقيقة لم تعرفها البشرية قبل ولا بعد إلا في أواسط القرن المنصرم.

ومما يبهر العقول من أخبار القرآن التي سبق فيها العلم الحديث؛ إخباره بمراحل تطور الجنين في بطن أمه وصور تخلقه: ?يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من ترابٍ ثم من نطفةٍ ثم من علقةٍ ثم من مضغة مخلقةٍ وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجلٍ مسمى ثم نخرجكم طفلًا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئًا وترى الأرض هامدةً فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوجٍ بهيج ? (الحج: 5) .

إن هذا الوصف الدقيق لمراحل الجنين أذهل البرفسور مارشال جونسون رئيس قسم التشريح ومدير معهد دانيال بجامعة توماس جيفرسون بفلادلفيا بالولايات المتحدة الأمريكية، فقال:"إنني كعالم أستطيع فقط أن أتعامل مع أشياء أستطيع أن أراها بالتحديد، أستطيع أن أفهم علم الأجنة وتطور علم الأحياء، أستطيع أن أفهم الكلمات التي تترجم لي من القرآن .. إنني لا أرى شيئًا، لا أرى سببًا، لا أرى دليلًا على حقيقة تفند مفهوم هذا الفرد محمد [r] الذي لابُد وأنه يتلقى هذه المعلومات من مكان ما، ولذلك إنني لا أرى شيئًا يتضارب مع مفهوم: أن التدخل الإلهي كان مشمولًا فيما كان باستطاعته أن يبلغه".

ويضيف البرفسور كيث ل مور مؤلف الكتاب الشهير"أطوار خلق الإنسان" (The Developing Human) الذي يعتبر مرجعًا معتمدًا في كليات الطب العالمية:"يتضح لي أن هذه الأدلة حتمًا جاءت لمحمد من عند الله، لأن كل هذه المعلومات لم تكشف إلا حديثًا وبعد قرون عدة، وهذا يثبت لي أن محمدًا رسول الله". (7)

?قل أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض إنه كان غفورًا رحيمًا? (الفرقان: 6) .

وهكذا فإن هذه الأخبار الغيبية العلمية - وغيرها مما يطول الحديث بذكره - دليل الله الساطع على نبوة النبي r ، فمثل هذه العلوم يستحيل تحصيلها في تلك الأزمنة ، وخاصة من رجل أميّ نشأ في بيئة جاهلة ?ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد? (سبأ: 6) .

ومما يشهد له بالنبوة r ما أوتيه من حسن سيرة وخلق عظيم ، فقد وصفه ربه تبارك وتعالى: ?وإنك لعلى خلقٍ عظيمٍ? (القلم: 4) ، وقد غلب لقبه (الصادق الأمين) على اسمه، فصار علمًا عليه بين أهل مكة، لذا قال ملكُ الروم هرقل لأبي سفيان عدو النبي r حينذاك:"أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله .. يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف .. فإن كان ما تقول حقًا فسيملك موضع قدميَّ هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج، لم أكن أظن أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلُص إليه لتجشمتُ لقاءه، ولو كنتُ عنده لغسلتُ عن قدمه". (8)

إن مدعيي النبوة إنما ينتحلونها سعيًا وراء الكسب الدنيوي الرخيص، سواء أكان هذا الكسب مالًا يسابقون إلى جمعه ليستمتعوا به أو ليورثوه إلى أهليهم من بعدهم، أم كان جاهًا بين الناس يرفع من قدرهم، فيشار لهم بالبنان، ويوسع لهم في المجالس....

فهل كان النبي r من هذا الصنف أو ذاك؟

إن نظرة سريعة على سمته r تكشف لنا ما كان عليه النبي محمد r من تواضع وزهد في الدنيا جمعهما النبي r ، فأوضح خلالهما نبل أخلاقه وطهر سلوكه، بل ودلل على نبوته ورسالته.

ومن زهده r أنه: (ما ترك عند موته درهمًا ولا دينارًا ولا عبدًا ولا أمَة ولا شيئًا؛ إلا بغلتَه البيضاء وسلاحَه، وأرضًا جعلها صدقة) . (9)

وهذه الأرض هي أرض فدك التي منعها خليفة النبي r أبو بكر الصديق من ورثته، وقال لهم: إن رسول الله r قال: (( لا نورث، ما تركنا صدقة ) )، وأضاف الصديق:"لست تاركًا شيئًا كان رسول الله r يعمل به إلا عملت به، فإني أخشى إن تركت شيئًا من أمره أن أزيغ". (10)

إن الذي تركه النبي r ليس ميراثًا يغتنون به من بعده، بل دَيْنًا يؤدونه من بعده، فقد مات r ، ودرعه مرهونة عند يهودي على ثلاثين صاعًا من شعير. (11)

لقد كان r يحذر أن يغادر الدنيا وقد أخذ منها مغنمًا ، إذ تذكر زوجته عائشة رضي الله عنها أنه كان في بيتها بعضُ قطعٍ من ذهب، فقال لها رسول الله r: (( ما فعلتْ الذهبُ .. ما ظن محمد بالله لو لقي الله عز وجل وهذه عنده؟ أنفقيها ) ). (12)

وليس تعففه r عن شهوة الجاه بأقل من تعففه عن شهوة المال، فقد قال له رجل: يا سيدَنا وابنَ سيدِنا، ويا خيرَنا وابنَ خيرِنا. فقال عليه الصلاة والسلام: (( يا أيها الناس عليكم بتقواكم، ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد بنُ عبدِ الله، عبدُ الله ورسولُه، والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل ) ). (13)

وكان r يمقت كل مظاهر الكِبْر والترفع على الناس، ومنه كراهيته أن يقوم له أصحابُه إذا دخل المجلس، يقول صاحبه أنس بن مالك: (ما كان شخصٌ أحبَّ إليهم من رسول الله r ، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا؛ لِما يعلمون من كراهيته لذلك) . (14)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت