فهرس الكتاب
إنه رسول تتلألأ عليه صفات الكمال الإنساني، أتاه رجل فجعلت فرائصُه ترْعَد، فقال له r: (( هون عليك، فإني لست بملِكٍ، إنما أنا ابن امرأةٍ تأكل القديد ) ). (15)
وتحكي زوجه عائشة رضي الله عنها عن حاله داخل بيته، فتكشف لنا أن تواضعه r ليس خلقًا يتزين به أمام الناس، بل خَلَّة شريفة لم تفارقه، فقد سُئلت: ما كان r يصنع في بيته؟ فقالت: (كان يكون في مهنة أهله - تعني: خدمة أهله - فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة) ، وفي رواية: (كان بشرًا من البشر، يَفْلي ثوبه، ويحلِب شاته، ويخدِمُ نفسَه) . (16)
وأما صاحبه ابن مسعود، فيحكي عن تناوب النبي r على الراحلة - وهو منطلق إلى بدر - مع اثنين من أصحابه، وكانا يودان لو بقي النبي على الراحلة، وأنهما يمشيان عنه، لكنه r كان يقول لهما: (( ما أنتما بأقوى مني، وما أنا بأغنى عن الأجر منكُما ) ). (17)
وهنا نسأل: ماذا أفاده دعواه النبوة من متاع الدنيا؟ أفهكذا يصنع الأدعياء؟!
وإن من دلائل نبوته r ما آتاه الله من المعجزات الحسية التي خرق الله فيها لنبيه نواميس الكون إظهارًا لنبوته، وقد فاقت هذه المعجزات في عددها الألف، منها أن الله أطعم ببركته يوم الخندق زهاء ألف رجل من بهيمة واحدة وجِراب فيه صاعٌ من شعير لا يربو وزنه على ثلاث كيلوات. (18)
كما تفجر الماء من بين أصابعه، حتى سقى الله من يديه الجموع الكثيرة من أصحابه. (19)
وشفى الله على يديه المرضى، ومنهم محمد بن حاطب، فقد انكفأ على ذراعه قدر ماء يغلي، فتفل النبي r في فيه، ومسح على رأسه، ودعا له، فقام صحيحًا ما به بأس ولا علة (20) ، وكذلك مسح على رجل عبد الله بن عتيك الأنصاري لما كُسرت، فقام من بين يديه وقد شفيت. (21)
ومما يشهد بالنبوة لمحمد r بشارة الكتب السابقة به، فهذه الكتب رغم ما تعرضت له من تغيير وتبديل؛ فإنها ما تزال تحمل شهادات صادقة تدل على نبوة النبي محمد r، ومن ذلك بشارة النبيين موسى وحبقوق به r، حين بشرا بنبي قدوس طاهر يخرج من بلاد فاران، ففي سفر التثنية المنسوب إلى موسى عليه السلام أنه قال لبني إسرائيل قبيل وفاته:"جاء الرب من سيناء، وأشرق لهم من سعير، وتلألأ من جبل فاران" (التثنية 33/2) ، فقد أخبرهم عليه السلام بأنه كما جاءت رسالة الله إليه على جبل الطور في سيناء، فإن النبوة ستشرق من جبل سعير في وسط فلسطين، وذلك بنبوة عيسى عليه السلام، ثم ستتلألأ النبوة من فوق جبل فاران بنبي عظيم يخرج فيها.
وأكد سفر النبي حبقوق البشارةَ بالنبي المبعوث في فاران، فقال:"والقدوس من جبل فاران، جلاله غطى السماوات، والأرض امتلأت من تسبيحه" (حبقوق 3/3) ، فمن هو هذا العبد الطاهر ذو الهيبة الذي يخرج من فاران، وتمتلئ الأرض من تسبيحه وتسبيح أتباعه؟ وأين هي فاران التي تلألأت النبوة على جبلها؟
وحتى لا نتيه بعيدًا نذكر أن اسم فاران تستخدمه التوراة في حديثها عن مكة المكرمة، فقد جاء في سفر التكوين أن إسماعيل عليه السلام نشأ وتربى في برية فاران، يقول السِّفر عن إسماعيل:"كان الله مع الغلام فكبر .. وسكن في برية فاران" (التكوين 21/21) ، ففاران هي الحجاز التي لا تختلف المصادر التاريخية على نشأة إسماعيل في ربوعها.
وبهذا وأمثاله قامت حجة الله على خلقه في نبوة محمد r.
والإقرار بنبوته r يستلزم من المسلم الاعتراف باطنًا وظاهرًا أنه عبد الله ورسوله إلى الناس كافة، والعمل بمقتضى ذلك، بطاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وألا يُعبد الله إلا بما شرع، ?وأرسلناك للناس رسولًا وكفى بالله شهيدًا ^ من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظًا? (النساء: 79-80) ، وقال تعالى: ?يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيءٍ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خيرٌ وأحسن تأويلًا? (النساء: 59) .
ومن مقتضيات الإيمان به r التأسي بهديه وسلوكه وأخلاقه r ?لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسنةٌ لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا? (الأحزاب: 21) .
الركن الثاني: إقام الصلاة
الصلاة هي الركن الثاني من أركان الإسلام، وهي عمود الدين وركنه الركين.
وقد فرضها الله عز وجل على المسلمين، ومنها ما شرع وجوبًا، وهو الصلوات الخمس، فهي أول حق الله على عباده، ومنها ما يؤديه المسلم تطوعًا وتحببًا إلى الله الذي خلقه وأنعم عليه بآلائه التي لا تحصى.
والصلاة لما لها من الأثر العظيم البالغ في تهذيب النفوس وتقويم السلوك وفي تقوية الإيمان؛ فرضها الله على الأنبياء والأمم السابقة، فلم تخل منها شريعة من الشرائع، وقد حكى القرآن وصاة الله بها لأنبيائه وأقوامهم، فقد دعا إبراهيم أبو الأنبياء ربه فقال: ?ربّ اجعلني مقيم الصّلاة ومن ذرّيتي? (إبراهيم:40) ، فاستجاب الله دعاءه فكان ابنه إسماعيل من المصلين ?وكان يأمر أهله بالصّلاة والزّكاة وكان عند ربّه مرضيًّا? (مريم: 55) .
ومن بعدهما خاطب الله نبيه موسى عليه السلام فقال: ?إنّني أنا اللّه لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصّلاة لذكري? (طه: 14) ، وأوصى العذراء البتول بالصلاة فقال: ?يا مريم اقنتي لربّك واسجدي واركعي مع الركعين? (آل عمران: 42) ، وبيَّن المسيح عليه السلام أمر الله تعالى له بالصلاة، فقال وهو في المهد: ?إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيًا ^ وجعلني مباركًا أين ما كنت وأوصاني بالصّلاة والزّكاة ما دمت حيًّا? (مريم: 30-31) .
وأخذ الله الميثاق على بني إسرائيل أن يحافظوا على الصلاة ?وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلاّ اللّه وبالوالدين إحسانًا وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للنّاس حسنًا وأقيموا الصّلاة وآتوا الزّكاة? (البقرة: 83) .
ومن بعدهم جاء نبينا r يدعو إلى ما دعا إليه إخوانه الأنبياء من تعظيم الله وعبادته والصلاة له، وقد أمره الله بها، فقال: ?وأمُر أهلك بالصّلاة واصطبر عليها? (طه: 132) ، وامتدح الله في وحيه إليه عباده المصلين فقال: ?الّذين يقيمون الصّلاة ويؤتون الزّكاة وهم بالآخرة هم يوقنون ^ أولئك على هدًى من ربهم وأولئك هم المفلحون? (لقمان: 4-5) ، ووعدهم بالجنة جزاء عليها: ?والذين هم على صلواتهم يحافظون ^ أولئك هم الوارثون ^ الّذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون? (المؤمنون: 9-11) .
وما زال النبي r يوصي بالصلاة لله وعبادته حتى فاضت روحه إلى باريها، يقول خادمه وصاحبه أنس: كان آخر وصية رسول الله r وهو يُغرغر بها في صدره، وما كان يفيض بها لسانه: (( الصلاة الصلاة، اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم ) ). (22)
وحين شرع الله الصلاة وغيرها من العبادات؛ فإنه تبارك وتعالى لم يكن يستكثر بها من قلة، ولا يستقوِ بها من ضعف، فهو عز وجلّ لا تزيده طاعة الطائعين، ولا تنقصه معصية العاصين، وإنما شرعها لمنفعة العباد وتزكية أنفسهم وتهذيب ضمائرهم وتقويم سلوكهم وصلاح دنياهم وأخراهم.
وأول ما تحققه الصلاة في المؤمن أنها تنير حياته وتؤنسها بذكر الله، فقد وصفها النبي r بأنها نور، فقال: (( من حافظ عليها كانت له نورًا وبرهانًا ونجاةً يوم القيامة ) ). (23)
وقال: (( والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء ) ). (24)
وقوله r: (( والصلاة نور ) )معناه: أنها تمنع المصلي من المعاصي، وتنهاه عن الفحشاء والمنكر، وتهديه إلى الصواب كما النور الذي يستضاء به.