فهرس الكتاب

الصفحة 1124 من 1942

العقل أهم خصائص الإنسان التي بموجبها فضّل الله الجنس الإنساني على سائر المخلوقات ?ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثيرٍ ممن خلقنا تفضيلًا? (الإسراء: 70) .

ويعتبر الإسلام العقل مناط التكليف في سائر المسؤوليات الدينية والدنيوية، إذ به يهتدي الإنسان إلى الحقائق الكبرى التي دعا الله إلى الوصول إليها بالبراهين العقلية، لا بمجرد الإيمان الأعمى: ?أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين? (الأنبياء: 24) ، فالعقل يرشد كل من تدبر في الكون المنظور إلى وجود الله وصفاته ?إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب? (آل عمران: 190) .

ولا يجوز للمرء تغييب العقل عن أداء واجبه في الدلالة على الحق والخير وتبصير الإنسان فيما يصلح له دنياه وأخراه، ولأجل ذلك حرم الله السحر والشعوذة والكهانة وغيرها مما يتلاعب بالعقل ويزدريه ويعطل طاقاته، ولأجل ذلك أيضًا حرم الإسلام الخمر، واعتبرها دنسًا شيطانيًا وكيدًا منه للإنسان، يريد به إفساد علاقة الإنسان بربه بشغله بالخمر عن الصلاة والعبادة، كما يصبو بواسطتها إلى تدمير العلاقات الاجتماعية ?يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسٌ من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون ^ إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون? (المائدة: 90-91) .

د. حفظ النسل

التناسل وسيلة بقاء النوع الإنساني ، ولأجله ركَّب الله الغريزة في الجنسين، ودعاهما إلى إقامة الأسرة عن طريق الزواج الذي يعتبره الإسلام المحضن الذي يحقق حفظ النسل، ويديم المسيرة الإنسانية السوية.

وقد رغَّب الإسلام في النكاح، ووضع ضوابطه ومتطلباته عبر نظام اجتماعي محكم ينظم العلاقة بين الزوجين خصوصًا، وأبناء الأسرة عمومًا.

ويُلزم الإسلام الأبوين بجملة من الواجبات تجاه أبنائهما، منها حسن تربيتهم وتعهدهم بالحنو والرعاية والإنفاق وغيرها من مقتضيات الأبوة والأمومة السليمة.

وحرم الإسلام أشد التحريم الاعتداء على الطفل بوأده أو إجهاضه ?ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاقٍ نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خِطئًا كبيرًا? (الإسراء: 31) .

وصونًا للأسرة ورعاية لأفرادها حرَّم الله الزنا والفواحش عمومًا ?ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشةً وساء سبيلًا? (الإسراء: 32) ، وحرم أيضًا ما يؤدي إلى هذه الفواحش من اختلاط الرجال بالنساء، كما ألزم المرأة بالحجاب حال بروزها أمام الأجانب درءًا للفتنة، فالمرأة في الإسلام جوهرة مصونة عن العبث والابتذال ?يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورًا رحيمًا? (الأحزاب: 59) .

هـ. حفظ المال

المال قوام الحياة، والإسلام يعتبر ما يتداوله الناس مالَ الله الذي استخلف عليه الإنسان، وشرع له تكسبه وحيازته من الطرق المشروعة ، كما أمره أن ينفقه ضمن حاجاته وحاجات مجتمعه من غير إسراف ولا تقتير.

وقد حث الإسلام على العمل والإنتاج واكتساب المال بالطرق المشروعة ?هو الذي جعل لكم الأرض ذلولًا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور? (الملك: 15) ، ورغب r بالعمل واعتبره من القربات إلى الله، فقال: (( ما كسب الرجل كسبًا أطيب من عمل يده، وما أنفق الرجل على نفسه وأهله وولده وخادمه فهو صدقة ) ). (83)

ولما مر رجل على النبي r ؛ رأى أصحاب رسول الله r من جَلَده ونشاطه، فقالوا: يا رسول الله: لو كان هذا في سبيل الله؟، فقال رسول الله r: (( إن كان خرج يسعى على ولده صغارًا فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان يسعى على نفسه يعفُّها فهو في سبيل الله، وإن كان خرج رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان ) ). (84)

لكن الكسب نوعان: طيب وخبيث، فالطيب هو الرزق الذي يكتسبه المرء بوسائل الكسب المشروعة كالتجارة والصناعة والزراعة والوظائف العامة والخاصة ?يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون? (البقرة: 172) .

وأما الخبيث من الكسب فهو حيازة المال بالطرائق الملتوية كالربا والرشوة والغش والغبن والحيلة أو المتاجرة بالسلع الضارة للإنسانية ?ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقًا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون? (البقرة: 188) .

وللإسلام قاعدة جامعة في هذا الشأن ?ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث? (الأعراف: 157) ، فكل كسب للمال لا يؤذي صاحبه ولا الآخرين فهو حلال طيب، وكل ما عداه حرام خبيث.

وكذا يوجه الإسلام إلى المصارف الصحيحة للمال، فامتلاك الإنسان للمال لا يسوغ له إنفاقه كيفما اتفق، فالإسراف والتبذير في إنفاق المال، والتقصير في إخراج حقوق الفقراء عمل شيطاني بغيض ?وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرًا ^ إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورًا? (الإسراء: 26-27) ، وقال r: (( إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنع وهات، وكره لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال وإضاعة المال ) ) (85) ، فهذا المال عطية الله، وقد استخلفنا عليه لننفقه في الأوجه المشروعة، وأعظمها الصدقة على الفقراء والمساكين ?وآتوهم من مال الله الذي آتاكم? (النور: 33) ، ?وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجرٌ كبيرٌ[ (الحديد: 7) .

وهكذا فهذه الضرورات الخمس التي تمثل أهم حقوق الإنسان في الحياة تدور على حفظها سائر تشريعات الإسلام، فمن التزمها أكرمه الله بالسعادة في الدنيا والنجاة في الآخرة، ومن تنكبها شقي في الدنيا بمقدار ما أعرض عن هدي الله وناموسه العادل والكامل ?فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ^ ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشةً ضنكًا ونحشره يوم القيامة أعمى ^ قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرًا ^ قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى? (طه: 123-126) .

أركان الإيمان

الإيمان هو المرتبة التي يسمو إليها المسلم بعد إسلامه، فيرنو إلى الارتقاء بإسلامه إلى مرتبة الإيمان، فلا يقف في دينه عند عتبة العبادات الظاهرة، بل يترقى في كمالات الإيمان بمقدار ما يتمثل في سلوكه من شُعَبِه التي تشمل الاعتقاد والعبادة والأخلاق، قال r: (( الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان ) ). (86)

وأما أركان الإيمان فهي ستة يوضحها حديث جبريل حين سأل النبي r عن الإيمان فأجاب النبي r: (( أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره ) ). (87)

وهكذا فأول الإيمان أن ينعقد قلب المسلم على التصديق بهذه المسائل الست، ثم يبرهن بعمله على صحة إيمانه بها، فالإيمان اعتقاد وقول وعمل، ويزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية.

ولما كنا قد تحدثنا عن الأولى منها، وهي الإيمان بالله، نشرع بذكر بقية الأركان.

الإيمان بالملائكة

الملائكة مخلوقات نورانية فريدة، خلقها الله من نور، فقد قال r: (( خلقت الملائكة من نور ) ) (88) ، وهم جند الله الذين لا يعرف عددهم إلا هو ?وما يعلم جنود ربك إلا هو وما هي إلا ذكرى للبشر? (المدثر: 31) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت