فهرس الكتاب
وبسبب طبيعتهم النورانية اللطيفة فإن الملائكة يقدرون على التشكل في هيئة أجسام كثيفة، كصورة البشر، فقد ظهرت الملائكة بصورة بشرية لإبراهيم ثم لوط ، وكذا ظهر الملاك جبريل لمريم عليها السلام على صورة رجل: ? فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرًا سويًا ^ قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيًا ^ قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلامًا زكيًا? (مريم: 17-19) .
وهذه الصورة البشرية في الظهور الملائكي يأنس لها قلب الإنسان، لذا كثيرًا ما نزل بها جبريل على النبي r ، فقد سأل الحارث بن هشام رسول الله r: كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله r: (( أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشده علي، فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانًا يتمثل لي الملَك رجلًا، فيكلمني فأعي ما يقول ) ). (89)
والملائكة عباد لله مكرمون مفطورون على عبادة الله بلا كلل ولا فتور، فهم ?يسبحون الليل والنهار لا يفترون? (الأنبياء: 20) ، وكذلك فإنهم لا يسأمون من عبادة الله ?يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسئمون? (فصلت: 38) .
لقد استحقوا وصف الله لهم بالكرام البررة (عبس: 16) ، فهم ?لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ? (التحريم: 6) .
وللملائكة أفعال تختص بالإنسان، منها مرافقة الإنسان في حياته وتسجيل أعماله، والشهادة عليه بما صنعه يوم القيامة ?وإن عليكم لحافظين ^ كرامًا كاتبين ^ يعلمون ما تفعلون? (الانفطار: 10-12) ، فالملائكة تسجل عليه سائر أقواله وأفعاله: ?إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ^ ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد? (سورة ق: 17-18) ، ومعرفة المؤمن بمعية الملائكة له أدعى في الحياء منهم أن يسجلوا عليه سيئة وهم الأبرار الذين لا يفترون من عبادة الله.
والملائكة جند الله المنفذون لأوامره وحكمه في أعدائه، فينزلون العقوبة بالمجرمين المستحقين لعذاب الله، كما أرسلهم الله لعذاب قوم هود وقوم صالح وقوم لوط.
ومن وظائف الملائكة قبض الأرواح التي ختم الله آجالها ?وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظةً حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون? (الأنعام: 61) ، ?قل يتوفاكم ملك الموت الذي وُكِّل بكم ثم إلى ربكم ترجعون? (السجدة: 11) .
والملائكة يحبون ما أحبه الله، فيحبون المؤمنين والاتقياء من عباد الله، ويستغفرون لهم، قال الله تعالى: ?الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمةً وعلمًا فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم? (غافر: 7) .
وقال r: (( فإذا صلى [أي المؤمن] لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه: اللهم صل عليه، اللهم ارحمه ) ). (90)
ويتواصل استغفار الملائكة ليشمل جميع المؤمنين كما قال الله: ? والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ألا إن الله هو الغفور الرحيم? (الشورى: 5) .
وأما من كفر وعصى فالملائكة تدعو عليه باللعنة ?إن الذين كفروا وماتوا وهم كفارٌ أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين? (البقرة: 161) .
فإذا قامت القيامة استقبلت الملائكة المؤمنين في الجنات، وساقت المجرمين والكافرين إلى الدركات، فعن استقبالهم للمؤمنين وتهنئتهم إياهم يقول الله تعالى: ?والملائكة يدخلون عليهم من كل بابٍ ^ سلامٌ عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار? (الرعد: 23-24) ، وأما الكافرون فتعذبهم الملائكة في نار ?وقودها الناس والحجارة عليها ملائكةٌ غلاظٌ شدادٌ لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون? (التحريم:6) .
الإيمان بالكتب
ولما كانت وظيفة الرسل حمل الهداية الإلهية إلى البشرية فقد أنزل الله عليهم هديه ووحيه، ليستنقذ به البشرية من ضلالها وتيهها ?كان الناس أمةً واحدةً فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه? (البقرة: 213) .
وهذه الكتب الإلهية تحمل رسالة الله إلى الإنسان، وتبعًا لذلك فهي تتصف بصفات منزلها، فهي الهدى والنور، وقد وصف الله توراته التي أنزلها على موسى بقوله: ?إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور? (المائدة: 44) ، ومثله قال في وصف الإنجيل الذي أنزله على عيسى عليه السلام: ?وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقًا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظةً للمتقين? (المائدة: 46) ، وهكذا فالهدى والنور صفة لازمة لكل وحي يوحيه الله إلى نبي من أنبيائه.
والمسلم يؤمن بكل وحي لله امتثالًا لأمر الله وتصديقًا لكلامه: ?يا أيها الذين آمَنوا آمِنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالًا بعيدًا? (النساء: 136) ، فالكفر بأحد كتب الله هو كفر بها جميعًا.
ويأمر الله نبيه r والمؤمنين به، فيقول: ?قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون? (البقرة: 136) . (وانظر آل عمران: 84) .
وقد أمر الله جل وعلا الأمم السابقة بحفظ ما أنزل الله إليهم من كتاب، كما قال سبحانه: ? إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونورٌ يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء? (المائدة: 44) ، فأضاعها الأولون، ولم يكونوا أمناء عليها، فصارت نهبة للتحريف والتبديل ، فتعرضت للزيادة، حين أضيف إليها ما لم ينزله الله ?وإن منهم لفريقًا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون? (آل عمران: 78) .
وقد توعد الله بعذابه الذين فعلوا ذلك: ?فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنًا قليلًا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون? (البقرة: 79) .
كما تعرضت هذه الكتب للنقصان والضياع المتعمد الذي توعد الله أيضًا فاعله بأليم العذاب فقال: ?إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمناَ قليلًا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم? (البقرة: 174) .
ومما ضاع من الكتب السابقة؛ الإنجيل (91) الذي أنزله الله على المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام ?ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظًا مما ذكروا به? (المائدة: 14) .
ولتبيان الحقيقة الضائعة من الكتب السابقة أو المطموسة بالتحريف والتبديل فيها؛ أرسل الله محمدًا برسالته الخاتمة، وأعطاه القرآن الذي جعله أيضًا نورًا وهدى ورحمة للناس جميعًا، فدعاهم الله إلى الإيمان به ?يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرًا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين? (المائدة: 15) .
وبهذا أصبح القرآن خاتمة وحي الله المصدق لما سبقه والمهيمن عليه بما خصه الله من الحفظ والبيان قال تعالى: ?وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعةً ومنهاجًا? (المائدة: 48) .