فهرس الكتاب

الصفحة 1126 من 1942

وتكاملت نعمة الله على عباده بهذا الكتاب الذي سماه الله القرآن العظيم، وبالرسول الذي يبلغ إلى العالمين، فلله في ذلك المِنَّة البالغة ?لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولًا من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين? (آل عمران: 164) .

وحتى تبقى كلمة الله شاهدة على خلقه جيلًا فجيل؛ تكفل الله جل وعلا بحفظ كتابه الأخير ?إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون? (الحجر: 9) ، وقال لنبيه r: ?إن علينا جمعه وقرآنه ^ فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ^ ثم إن علينا بيانه? (القيامة: 17-19) ، وهكذا أضحى القرآنُ الكتابَ الإلهي الوحيد المحفوظ بحفظ الله له ?وإنه لكتابٌ عزيزٌ ^ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيلٌ من حكيمٍ حميدٍ? (فصلت: 41-42) .

وحتى يحفظ الله كتابه يسَّره للحفظ، وأنزله في أمة أمية لا تقرأ ولا تكتب، وإنما تعتمد الحفظ وسيلة للمحافظة على تراثها وتاريخها وأشعارها وأنسابها ?ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر? (القمر: 17) ، وأنزله منجمًا مفرقًا على مدى ثلاث وعشرين سنة، ليسهل حفظه ومدارسته على النبي r وأصحابه.

وقد حفظ النبي r القرآن، وتعهده الله بمدارسته مع جبريل عليه السلام من كل عام في شهر رمضان، يقول ابن عباس: (كان رسول الله r أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن فلرسول الله أجود بالخير من الريح المرسلة) . (92)

ويخبرنا القرآن عن حرص النبي r على حفظ النص القرآني، فقد كان يردده حال سماعه له من جبريل عليه السلام، خشية أن ينسى بعضًا منه ، فطمأن الله روعه، وأعلمه أن القرآن محفوظ بحفظ الله: ?ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علمًا? (طه: 114) ، وقال له: ?لا تحرك به لسانك لتعجل به ^ إن علينا جمعه وقرآنه? (القيامة: 16-17) .

وقد حرص النبي r على تعليم أصحابه القرآن، وكانوا يتعاهدون به من أسلم حديثًا، فيبادرون إلى تعليمه ما نزل من القرآن، يقول عبادة بن الصامت: (كان رسول الله يُشغَل، فإذا قدم رجل مهاجر على رسول الله r دفعه إلى رجل منا يعلمه القرآن) . (93)

وكان الصحابة يتابعون باهتمام بالغ يوميًا ما ينزل من القرآن، يقول عمر بن الخطاب t: كنت أنا وجارٌ لي من الأنصار في بني أمية بن زيد -وهي من عوالي المدينة -وكنا نتناوبُ النزولَ على رسول الله r ينزل يومًا، وأنزل يومًا ، فإذا نزلتُ جئتهُ بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعلَ مثل ذلك. (94)

وحث النبي r أصحابه على تعلم القرآن، فقال مستحثًا لهممهم: (( خيركم من تعلم القرآن وعلمه ) ) (95) ، وأخبرهم أنه (( يقال لصاحب القرآن إذا دخل الجنة: اقرأ واصعد، فيقرأ، ويصعد بكل آية درجة، حتى يقرأ آخر شيء معه ) ) (96) ، فقراءة القرآن وحفظه من أفضل العبادات، و (( الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه ، وهو عليه شاق؛ له أجران ) ). (97)

وقد سارع الصحابة إلى حفظ سور القرآن ومدارستها وتعلم ما فيها من معان وأحكام، فكان منهم مئات القراء، وقد أتم بعضهم حفظ كامل القرآن في عهد النبي r، فقد سأل قتادة خادمَ النبي r أنس بن مالك: من جمع القرآن على عهد النبي r؟ فقال أنس: (أربعة، كلهم من الأنصار: أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد) . (98)

وممن حفظه من نساء الصحابة أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث الأنصاري، فأمرها النبي r أن تؤم أهل دارها، وكان لها مؤذن، فكانت تؤم أهل دارها. (99)

وقد نقل القرآن الكريم بحفظ الجموع عن الجموع في كل عصر، وكان القرآن كما وصفه الله لرسوله، حين قال له في الحديث القدسي الذي يرويه النبي عن ربه تبارك وتعالى: (( ومنزل عليك كتابًا لا يغسله الماء، تقرؤه نائمًا ويقظان ) ). (100)

يقول ابن الجزري:"الاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور، لا على حفظ المصاحف والكتب، وهذه أشرف خصيصة من الله تعالى لهذه الأمة .. فأخبر تعالى أن القرآن لا يحتاج في حفظه إلى صحيفة تغسل بالماء، بل يقرؤه في كل حال، كما جاء في صفة أمته: (( أناجيلهم في صدورهم ) )". (101)

وحتى نقف على كثرة هؤلاء القراء من الصحابة يكفينا أن نذكر أنه قد قتل منهم في يوم بئر معونة سبعون، يقول أنس: (جاء ناس إلى النبي r فقالوا: ابعث معنا رجالًا يعلمونا القرآن والسنة. فبعث إليهم سبعين رجلًا من الأنصار يقال لهم القراء، يقرؤون القرآن، ويتدارسون بالليل يتعلمون .. فبعثهم النبي إليهم، فعرضوا لهم، فقتلوهم) . (102)

وبعد وفاة النبي r قتل في وقعة اليمامة الكثير من القراء، حتى خشي عمر من ضياع شيء من القرآن، فقال لخليفة المسلمين أبي بكر: (إن القتل قد استحر [أي كثُر] يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء بالمواطن) . (103) فكان هذا سببًا في مبادرة الصحابة إلى جمع القرآن في مصحف واحد مكتوب في عهد الخليفة أبي بكر الصديق.

وجمع القرآن في عهد الصديق إنما كان جمعًا للمكتوب بين يدي النبي r الذي حرص على جمع القرآن في عهده ليتكامل حفظ السطور إلى حفظ الصدور.

يقول عثمان بن عفان: إن النبي r كان إذا نزلت عليه الآيات يدعو بعض من كان يكتب له، ويقول له: (( ضع هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا ) ). (104)

وكان الصحابة يكتبون كل ما نزل، بل ويسارعون إليه مهما كثر، ومثاله مسارعتهم إلى كتابة سورة الأنعام، وهي من أطول سور القرآن، نزلت دفعة واحدة في مكة زمن الاضطهاد، يقول ابن عباس t: (( نزلت جملة واحدة، نزلت ليلًا، وكتبوها من ليلتهم غير ست آيات؛ فإنها نزلت في المدينة ) ). (105)

وقد أولى النبي r المكتوب بين يديه اهتمامًا بالغًا، إذ كان يستوثق من دقة المكتوب بين يديه، يقول زيد بن ثابت كاتب الوحي: كنتُ أكتب الوحي عند رسول الله r وهو يملي عليَّ، فإذا فرغت، قال: (( اقرأه ) )، فأقرأُه، فإن كان فيه سقط أقامه. (106)

وخوفًا من تداخل المكتوب من القرآن مع غيره من كلام النبي r أمر أصحابه، فقال: (( لا تكتبوا عني شيئًا إلا القرآن، فمن كتب عني شيئًا غير القرآن فليمحه ) ). (107)

ثم لحق النبي r بالرفيق الأعلى قبل أن يجمع هذا المكتوب بين يديه في مصحف واحد، يقول كاتب الوحي زيد بن ثابت: (قبض النبي r، ولم يكن القرآن جمع في شيء) . (108)

قال الخطابي:"إنما لم يجمع r القرآن في المصحف لما كان يترقبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه أو تلاوته، فلما انقضى نزوله بوفاته؛ ألهمَ الله الخلفاء الراشدين ذلك وفاء بوعده الصادق بضمان حفظه على هذه الأمة، فكان ابتداء ذلك على يد الصديق بمشورة عمر". (109)

وبعد وفاة النبي r بدأت حروب المرتدين، وكان أشدها معركة اليمامة التي قتل فيها قرابة الألف من أصحاب النبي r، وبينهم كثير من القراء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت