فهرس الكتاب

الصفحة 1128 من 1942

وهم لا يملكون من القدرة أكثر مما أمكنهم الله منه ?قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشرٌ مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده وما كان لنا أن نأتيكم بسلطانٍ إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون? (إبراهيم: 11) .

وقد أيد الله هؤلاء الأنبياء بالدلائل التي برهنت لأقوامهم على صدقهم في دعوى النبوة والرسالة، قال r: (( ما من الأنبياء من نبي، إلا قد أُعطي من الآيات، ما مثلٌه آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أُوتيتُ وحيًا أَوحى اللهُ إليّ، فأرجو أن أكون أكثرَهم تابعًا يوم القيامة ) ). (120)

ولما كان الرسول على قدر مرسِله؛ فإن الله اصطفى هؤلاء الأنبياء من بين سائر خلقه، يكونوا رسله وسفراءه إلى خلقه، فهم خيرتهم خُلقًا، بل وخَلقًا.

ومن صفاتهم عليهم السلام تحملهم المشاق والبلاء في سبيل إقامة دينه ?الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدًا إلا الله وكفى بالله حسيبًا? (الأحزاب: 39) ، وهم في بلاغهم لرسالة الله لا يطلبون الأجر من الناس، فقد قال نوح عليه السلام: ?ويا قوم لا أسألكم عليه مالًا إن أجري إلا على الله? (هود: 29) ، وقد أمر الله نبيه r أن يقول للناس ما قاله إخوانه الأنبياء: ?قل ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلًا? (الفرقان: 57) .

ولما تمثل بهؤلاء الأنبياء من الكمالات؛ فإن الله أمر نبيه محمدًا والمؤمنين من بعده بالتأسي بهم، فقال بعد أن عدَّد أسماء ثمانية عشر رسولًا: ?أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قومًا ليسوا بها بكافرين ^ أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ? (الأنعام: 88-89) ، فتمثل النبي r هديهم، ومشى على غرزهم، فرفع الله قدره، وأعلى ذكره، وجعله أسوة حسنة للعالمين ?لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسنةٌ لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا? (الأحزاب: 21) .

وقد كانت دعوة هؤلاء جميعًا واحدة في أصولها، وهي الدعوة إلى عبادة الله الواحد دون سواه ?وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون? (الأنبياء: 25) ، كما أن أصول شرائعهم وجوهرها واحد ?شرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه? (الشورى: 13) .

وعليه فالمسلم يؤمن بجميع الأنبياء بلا تفريق بينهم ?آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحدٍ من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير? (البقرة: 285) .

والكفر برسول واحد كفر بجميع الرسل وبمن أرسلهم وبالرسالة الواحدة التي يحملونها ?إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلًا ^ أولئك هم الكافرون حقًا? (النساء: 150- 151) .

أما طرائق الوحي التي يوحي الله بها إلى هؤلاء الأنبياء، فتتلخص في ثلاثة طرق: الأول: خطاب الله المباشر، كما كلم الله موسى في الوادي المقدس، والثاني: الوحي الذي يقذفه الله في قلب النبي، والثالث: ما يحمله ملاك الله إلى النبي من وحي الله، سواء ظهر له على شكل بشري إيناسًا له أو على صورته الحقيقية، قال تعالى: ?وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيًا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولًا فيوحي بإذنه ما يشاء? (الشورى: 51) .

وجميع هؤلاء الرسل من أهل الفضل والكمال، لكنهم متفاوتون في أقدارهم عند الله ?تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس? (البقرة: 253) .

وأفضلهم أولو العزم، وهم خمسة ذكرهم الله بقوله: ?وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم? (الأحزاب: 7) ، وقد أمر الله نبيه بالصبر على الدعوة ومشاقها اقتداء بمن سبقه من أولي العزم من الرسل ?فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل? (الأحقاف: 35) .

وأفضل هؤلاء الأنبياء عند الله خاتمهم الذي ارتضاه الله للبشرية كلها نبيًا ورسولًا، محمد بن عبد الله الذي قال مخبرًا عن منزلته عند ربه: (( أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ) )، وفي رواية: (( أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، ولا فخر ) ). (121) أي لا أفخر على أحد بذلك، إنما أبلغ بما خصني الله من الشرف والمنزلة.

ولكي لا توهم المفاضلة بين الأنبياء نقصًا في المفضول؛ فإن النبي r نهى عنها، فقال لمن قال بأنه خير من موسى: (( لا تخيروني على موسى، فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأصعق معهم، فأكون أول من يفيق، فإذا موسى باطش جانب العرش، فلا أدري أكان فيمن صعق فأفاق قبلي، أو كان ممن استثنى الله ) ). (122)

الإيمان بالقضاء والقدر

وسادس أركان الإيمان هو الإيمان بقضاء الله وقدره، وأن كل ما يجري في هذه الدنيا من خير أو شر إنما يجري بقضاء الله الذي لا راد له ولا مانع منه، فقد كتبه الله قبل أن يخلق الخلق بدهر طويل.

وتتضمن عقيدة المسلم في القضاء والقدر ثلاث مسائل:

الأولى: أن الله عز وجل عليم بكل شيء، وأن كل ما يحصل منا من خير أو شر قد علمه الله أزلًا، وهو مصداق قوله تعالى: ?الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علمًا? (الطلاق: 12) .

الثانية: أن الله كتب ما علمه، قال الله تعالى: ?ألم تعلم أن لله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير? (الحج: 70) ، وقال: ?وكل شيء أحصيناه في إمام مبين? (يس: 12) ، وما كتبه الله إنما كتبه قبل أن يخلق الخلق بخمسين ألف سنة، قال r: (( كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ) ). (123) وقال أيضًا: (( وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السماوات والأرض ) ). (124)

الثالثة: أن ما كتبه الله في كتابه كائن لا محالة، ولا يمكن لأحد أن يغيره ?وكان أمر الله قدرًا مقدورًا? (الأحزاب: 38) ، وما يقع من الناس من شر وخير إنما يجري بعلم الله ومشيئته الأزلية ?وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين? (التكوير: 29) .

لكن الفعل الإنساني لا يصدر من الإنسان جبرًا وقهرًا، فالإنسان أكرم مخلوقات الله، كرّمه الله ، فمنحه القدرة على التمييز ? ألم نجعل له عينين ^ ولسانًا وشفتين ^ وهديناه النجدين ? (البلد: 8-10) ، ثم دعاه تبارك وتعالى لاختيار الحق وهجر الباطل، من غير إكراه منه على ذلك.

فإذا ما اختار الإنسان خير النجدين، فسلك سبيل الهداية؛ زاده الله من أنوار الهدى ?والذين اهتدوا زادهم هدًى وآتاهم تقواهم ? (محمد: 17) ، وإن تنكبها واختار الضلالة والعماية زاده الله ضلالًا، كما وصف الله تعالى المنافقين: ? في قلوبهم مرضٌ فزادهم الله مرضًا ولهم عذابٌ أليمٌ بما كانوا يكذبون ? (البقرة: 10) .

وهكذا فالإنسان يختار فعله وفق اختياره وإرادته، لذلك نسب الله فعله إليه بقوله: ?وما تفعلوا من خيرٍ فإن الله به عليمٌ ? (البقرة: 215) ، لكن اختياره وفعله ليس جبرًا لله أو قهرًا، بل هو بقدرة الله الخالق الذي أقدره على ذلك ? والله خلقكم وما تعملون? (الصافات: 96) .

ويشمل الإيمان بالقضاء والقدر، التصديق بجملة من القضايا التي قدرها الله بسابق علمه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت