فهرس الكتاب
أولها: ما يصيب الإنسان من خير وشر، يقول النبي r: (( لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره من الله، وحتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه ) ) (125) ، وبذلك يتعلق قلب العبد بربه مسبب الأسباب، لا بالأسباب المنظورة التي جعلها الله طريقًا لتحقيق قدره المكتوب، وهذا يُحل بالمؤمن راحة النفس وطمأنينة القلب عند نزول البلاء، ومحبة المنعم ورجاء المزيد من نواله عند الرخاء ?ما أصاب من مصيبةٍ في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتابٍ من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسيرٌ ^ لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختالٍ فخورٍ? (الحديد: 22-23) .
ومنها أيضًا: تقدير أرزاق الخلق ، فكل ذلك مسطور في علم الله أزلًا، يقول الله تعالى عما يقدره من أرزاق للناس: ?وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم? (الحجر: 21) .
وبسبب هذا الإيمان فإن المؤمن أشجع الناس بما أوتي من يقين بالله الذي هو وحده يملك أرزاق الناس وآجالهم، ?قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون? (التوبة: 51) ، وهو يعلم أيضًا (( أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعتِ الأقلام وجفَّت الصحف ) ). (126)
وبسبب إيمان المسلم بأن الرزق مقسوم من الله بسابق قضائه، فإنه لا يطلب الدنيا بنَهَم عُبَّاد المال الذين لا يعرفون في الكسب حلالًا ولا حرامًا، إنما يطلبه بوجوهه المشروعة، يقول r: (( لا تستبطئوا الرزق ، فإنه لن يموت العبد حتى يبلغه آخر رزق هو له ، فأجملوا في الطلب: أخذ الحلال ، وترك الحرام ) ) (127) ، وفي حديث آخر يقول r: (( وإن الروح الأمين قد نفث في روعي: أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب ) ). (128)
وكذلك فإن الله قدر آجال الناس وأعمارهم في سابق علمه ?الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجلٍ مسمى? (الزمر: 42) .
وإيمان المسلم بذلك يعرف الإنسان بقْدره الضعيف، وينبؤه عن ضعفه الكبير، وعن عظيم حاجته إلى ربه، قال r: (( لو أن الله سبحانه عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته لهم خيرًا من أعمالهم، ولو كان لك مثل جبل أحد ذهبًا أنفقته في سبيل الله تعالى ما قبله منك؛ حتى تؤمن بالقدر وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك؛ وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك؛ وأنك إن مت على غير هذا دخلت النار ) ). (129) فيستقبل المؤمن بالقضاء والقدر مصائب الدنيا بالبشر، ويراها منحة حملتها إليه محنة (( عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك إلا للمؤمن ، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له ) ). (130)
الإيمان باليوم الآخر
خلق الله الإنسان في هذه الدنيا ليعمرها وفق منهج الله ، فإذا ولَّت وانقضت؛ جمع الله الأولين والآخرين في يوم جديد، هو يوم الحساب والجزاء، حيث يجازى كل إنسان على عمله، وهذا هو ما تقتضيه حكمة الله وعدله، وإلا لاستوى الطائع والعاصي، والمؤمن والكافر، وهذا من العبث الذي يتنزه عنه الله الحكيم ?أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا وأنكم إلينا لا ترجعون ^ فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم ? (المؤمنون: 115-116) .
وقد تولى القرآن إثبات معقولية البعث والنشور، وردَّ بالبرهان على مكذبي البعث الذين ضعف تصورهم لقدرة الله العظيمة، فتساءلوا مستنكرين: ?وقالوا أئذا كنا عظامًا ورفاتًا أئنا لمبعوثون خلقًا جديدًا ^ قل كونوا حجارةً أو حديدًا ^ أو خلقًا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة? (الإسراء: 49-51) .
وضرب الله لهؤلاء المنكرين الأمثالَ العقلية التي تقرِّب فكرة البعث إلى أذهانهم، فقال جل ذكره: ?وضرب لنا مثلًا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم ^ قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم ^ الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارًا فإذا أنتم منه توقدون ^ أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم ^ إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون ^ فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون? (يس: 78-83) .
والقيامة تشمل جميع البشر، مؤمنهم وكافرهم ?وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدًا? (الكهف: 47) ، فلا مناص من ذلك اليوم ولا مهرب كما قال تعالى: ?أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعًا? (البقرة: 148) .
والقيامة تقوم في زمن لا يعلم موعده إلا الله ، قال تعالى: ?إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدًا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير? (لقمان: 34) .
فإذا أذن الله بانتهاء الدنيا وانصرامها، تنحلُّ - بأمر الله - سنن الكون ويختل نظامه وترابطه وتقوم الساعة ?يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار? (إبراهيم: 48) .
ويرافق قيام الساعة أهوال شديدة، منها ما ذكره الله بقوله: ?إذا الشمس كورت ^ وإذا النجوم انكدرت ^ وإذا الجبال سيرت ^ وإذا العشار عطلت ^ وإذا الوحوش حشرت ^ وإذا البحار سجرت ^ وإذا النفوس زوجت ^ وإذا الموءودة سئلت ^ بأي ذنبٍ قتلت ^ وإذا الصحف نشرت ^ وإذا السماء كشطت? (التكوير: 1-11) .
وأول ما يكون من أحداث القيامة نفختا الصور، حيث تصعق الخلائق في الأولى منهما، وتقوم إلى ربها بعد النفخة الثانية ?ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون? (الزمر: 68) .
وقال تعالى: ?ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون ^ قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون ^ إن كانت إلا صيحةً واحدةً فإذا هم جميعٌ لدينا محضرون ^ فاليوم لا تظلم نفسٌ شيئًا ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون? (يس: 51-54) .
فإذا ما جمع الله الأولين والآخرين، وآذن ببدء الحساب؛ أمر بإعطاء البشر صحفهم فرأوا فيها أعمالهم، الصالح منها والطالح، فيوم القيامة يوم عدل الله ودينونته.
ويصف القرآن مشهد تطاير الصحف ووقوعها في أيدي أصحابها، فأما المؤمنون منهم فيأخذون صحفهم بأيمانهم، ويهتفون بالبشرى والفرح لما وجدوه فيها من صالح العمل ?فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرؤوا كتابيه ^ إني ظننت أني ملاقٍ حسابيه ^ فهو في عيشةٍ راضيةٍ ^ في جنةٍ عاليةٍ ^ قطوفها دانيةٌ ^ كلوا واشربوا هنيئًا بما أسلفتم في الأيام الخالية? (الحاقة: 19-24) .
وأما الذين كفروا بالله واليوم الآخر فيأخذون كتبهم بشمائلهم، ويتنادون بالحسرات على المسطور فيها من سيء القول والعمل ?وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه ^ ولم أدر ما حسابيه ^ يا ليتها كانت القاضية ^ ما أغنى عني ماليه ^ هلك عني سلطانيه? (الحاقة: 25-29) .
وهذه الصحف يجد فيها المرء كل ما عمله من عمل ?يومئذٍ يصدر الناس أشتاتًا ليروا أعمالهم ^ فمن يعمل مثقال ذرةٍ خيرًا يره ^ ومن يعمل مثقال ذرةٍ شرًا يره? (الزلزلة: 6-8) ، ?ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون ياويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرًا ولا يظلم ربك أحدًا? (الكهف: 48) .