فهرس الكتاب
ويحاسب الله الخلائق على أعمالهم ?والله سريع الحساب? (البقرة: 102) ، وينصِب لهم في المحشر ميزانًا، لا يزن الناس بأطوالهم ولا أثقالهم، بل ميزان عدل وحق ، يزن العبد بمقدار عمله (( إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة، واقرؤوا: ?فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنًا? ) ) (131) (الكهف: 105) .
وهذا الميزان الأخروي مظهر من مظاهر عدل الله وعلمه المحيط ، فهو يزن الصغير من العمل كما يزن الكبير ?ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئًا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين? (الأنبياء: 47) .
ثم تكون النتيجة: ?فأما من ثقلت موازينه ^ فهو في عيشة راضية ^ وأما من خفت موازينه ^ فأمه هاوية? (القارعة: 6-9) .
ومما يثقل ميزان العبد يوم القيامة ما يأتي به من الحسنات والأعمال الصالحة، ومنها ذكر الله عز وجل (( كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله العظيم، سبحان الله وبحمده ) ) (132) ، ومثلها الصبر والتسبيح والتهليل والتحميد والتكبير، لقوله r: (( ما أثقلهن في الميزان: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، والولد الصالح يتوفى للمرء المسلم؛ فيحتسبه ) ) (133) ، وأما حسن الخلق فالبشرى لصاحبه، فإنه (( ما من شيء أثقل في الميزان من حسن الخلق ) ). (134)
وينصب الصراط على جهنم ، وهو جسر يرِد عليه الجميع ، فيمرون عليه على قدر أعمالهم، فسعيد ناج إلى الجنة، أو مخدوش، أو شقي مكردس في النار، قال r: (( ويضرب الصراط بين ظهري جهنم .. وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان .. غير أنه لا يعلم ما قدر عظمها إلا الله؛ تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم الموبق بعمله، أو الموثق بعمله، ومنهم المخردل أو المجازى ) ). (135)
والمكردسون في النار هم الكافرون، ومن غلبت عليه سيئاته من عصاة المسلمين، فأما الكافرون فيخلدون فيها ولا يخرجون، وأما غيرهم من المسلمين، فيخرجون منها إذا طهرتهم النار من سالف أفعالهم ?والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون? (البقرة: 39) .
ويصف الله بعض حسرات أهل النار وعذابهم فيها: ?والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور ^ وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحًا غير الذي كنا نعمل أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير? (فاطر: 36-37) .
وحتى لا يتوقف العذاب عن أهل النار فإن الله يهيئ من الأسباب ما يجعله مستمرًا ?إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارًا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودًا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزًا حكيمًا? (النساء: 56) .
وتصور آيات القرآن مشاهد من عذاب أهل النار ليهلك من هلك عن بينة: ?فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رءوسهم الحميم ^ يصهر به ما في بطونهم والجلود ^ ولهم مقامع من حديد ^ كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها? (الحج: 19-22) .
ويخبرنا النبي r بأهون أهل النار عذابًا ، ففيه غنية ومزدجر لكل من ألقى السمع وهو شهيد، يقول r: (( إن أهون أهل النار عذابًا من له نعلان وشراكان من نار, يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل، ما يرى أن أحدًا أشد منه عذابًا، وإنه لأهونهم عذابًا ) ). (136)
وأما أهل السعادة من أهل الإيمان فهم في الروح والريحان، ?وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقًا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابهًا ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون? (البقرة: 25) .
إن نعيم الجنة فاق كل وصف، وتعالى عن كل شبه ، فليس له في الدنيا مثيل ولا نظير، ولا يشتبه شيء مما في الجنة مع شيء مما في دنيانا إلا في الأسماء، وأما الحقائق فتتباين ، فالجنة لا يشبهها شيئًا من الموصوفات والمدركات، وهي كما وصفها الله في الحديث القدسي الذي يرويه النبي r عن ربه: (( أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فاقرؤوا إن شئتم: ? فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون? ) ) (السجدة: 17) . (137)
ومن نعيم الجنة ما جعله الله فيها من أنهار طيبة الشراب عذبة المذاق ?مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم? (محمد: 15) .
ومن نعيمها ما بشَّر الله به أهل طاعته بقوله: ?وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين ^ في سدر مخضود ^ وطلح منضود ^ وظل ممدود ^ وماء مسكوب ^ وفاكهة كثيرة ^ لا مقطوعة ولا ممنوعة^ وفرش مرفوعة? (الواقعة: 27-34) .
ويبشر النبي r أهل الجنة بمزيد فضل الله لهم، فإن داخلها (( ينعم ولا يبأس، ولا تبلى ثيابه, ولا يفنى شبابه ) ) (138) ، بل يصرف الله عنه كل سوء مما كان يصيبه في الدنيا، فقد قال r: (( لا يبصقون فيها، ولا يمتخطون، ولا يتغوطون، آنيتهم فيها الذهب، أمشاطهم من الذهب والفضة، ومجامرهم الألوة، ورشحهم المسك، ولكل واحد منهم زوجتان؛ يرى مخ سوقهما من وراء اللحم من الحُسن، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب واحد، يسبحون الله بكرة وعشيًا ) ). (139)
ومن أعظم ما ينعم به أهل الجنة دوامه وأبديته، فالجنة دار نعيم لا ينفد ولا ينقطع: ? إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية ^ جزاؤهم عند ربهم جنات عدنٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه ? (البينة: 7-8) .
وينقل النبي r البشارة لأهل الجنة بالخلود فيها حين: (( ينادي مناد: إن لكم أن تصحُّوا فلا تسقموا أبدًا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدًا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدًا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدًا، فذلك قوله عز وجل: ?ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون?(الأعراف: 43 ) ). (140)
وأما النعيم الأعظم الذي لا يدانى والشرف الذي لا يبارى فهو رؤية المؤمنين ربهم تبارك وتعالى، فلطالما عبدوه في الدنيا ولم يروه، فيتجلى لهم الله يوم القيامة منّة وتفضلًا وإحسانًا ?وجوه يومئذ ناضرة ^ إلى ربها ناظرة? (القيامة: 22-23) .
والإيمان باليوم الآخر له أكبر الأثر في تهذيب وتقويم سلوك المسلم، الذي يطمع برضوان الله ويخشى عقوبته، فيمتثل أوامر الله ويستكين لها، وهو موقن بأن ما يصنعه اليوم يلاقيه غدًا، وأن امتثاله لأمر ربه في دنياه سبب في عاجل سعادته، ويعقبه الفرح والثواب في أخراه ? يومئذٍ يصدر الناس أشتاتًا ليروا أعمالهم ^ فمن يعمل مثقال ذرةٍ خيرًا يره ^ ومن يعمل مثقال ذرةٍ شرًا يره? (الزلزلة: 6-8) .
وهكذا فإن أركان الإيمان هي صمام أمان للمجتمع الإنساني بما تغرسه في صدور المؤمنين من موجبات الرحمة والسكينة والإخبات، وما تثمره في دنيا المؤمنين من بذل وإحسان وتراحم، تسعد به البشرية في دنياها، وترضي به ربها ومولاها.
ردود على أباطيل