فهرس الكتاب

الصفحة 1131 من 1942

لقد بُلي المسلمون اليوم بتحديات كبيرة، لعل أهمها تلك الهجمة التي تتنادى إليها دوائر دينية وصحفية وسياسية، وكلها تنصب في باب الافتراء على الإسلام؛ بغرض إقامة السدود التي تحول دون تعرف العالم على حقيقة الإسلام الذي تصوره هذه الدوائر على أنه دين يجمع بين الهمجية والوثنية ، يظلم المرأة، ويقتل الأبرياء، ويعادي الحضارة، ويبث الكراهية، إلى غيره من الافتراءات التي تفتقد أدنى معايير الموضوعية العلمية والإنصاف.

وهذه الرسالة في أصلها للتعريف بالإسلام، وليست للرد على ادعاءات الآخرين عليه، لكن قد يكون من المناسب أن نعرج فيها سريعًا على بعض ما قيل، ليكون أنموذجًا يقيس فيه القارئ الغائب على الشاهد، فتستبين بعض أطراف الحقيقة التي يرنو إليها كل عاقل وحصيف.

أولًا: الإسلام والمرأة

مما يروجه البعض زورًا عن الإسلام أنه امتهن المرأة وحط من منزلتها، وتنقصها وهضم حقوقها لصالح الرجل ...

إن هذا الزعم ليس من الحقيقة في شيء ، فما عرف العرب ولا غيرهم تكريمًا للمرأة يماثل تكريم الإسلام لها، يقول الخليفة الراشد عمر بن الخطاب: (والله إن كنا في الجاهلية ما نعد للنساء أمرًا؛ حتى أنزل الله فيهن ما أنزل، وقسم لهن ما قسم) . (141)

وقبل زمن مديد من اعتراف بعض الأمم بإنسانية المرأة ؛ قرر الإسلام تساوي الذكر بالأنثى في إنسانيتهما وكافة الأمور العبادية، ولم يميز بينهما في شيء إلا حال التعارض مع الطبيعة التكوينية والنفسية والوظيفية للذكر أو للأنثى.

فأما تساويهما في الإنسانية، فقد قرره النبي بقوله: (( إنما النساء شقائق الرجال ) ). (142) كيف لا وهما معًا أصل الجنس البشري ?يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى? (الحجرات: 13) ، ويشملهما جميعًا تكريم الله للجنس البشري ?ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلًا? (الإسراء: 70) .

ويقرر القرآن الكريم أهلية المرأة للإيمان والتكليف والعبادة، ومن ثم المحاسبة والجزاء، وهي في كل ذلك مثل الرجل سواء بسواء ?من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون? (النحل: 97) ويقول تعالى: ?فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض ? (آل عمران: 195) .

ولم يعتبر الإسلام المرأة مصدر الشرور، ولم يوافق على اعتبارها سببًا في وقوع آدم في غواية الشيطان ، فالقرآن الكريم يجعل آدم وزوجته شريكين في اقتراف الخطيئة الأولى ، شريكين في جزائها ?فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه? (البقرة: 36) ، وكما اشتركا في الخطيئة فقد اشتركا في التوبة منها ?قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكون من الخاسرين? (الأعراف: 23) .

وهذا التساوي بين الوالدين يسري في المسؤولية الشرعية لذريتهما، حيث إن الله يساوي بين الرجال والنساء في ثواب وعقاب أفعال الإنسان، بلا تمييز لجنس على جنس ?إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرًا والذاكرات أعد الله لهم مغفرةً وأجرًا عظيمًا? (الأحزاب: 35) .

وقد حذر القرآن من صنيع الجاهلية التي كانت تنتقص المرأة وتعتبرها عارًا تتخلص منه بوأدها حال الطفولة ?وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودًا وهو كظيم ^ يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون? (النحل: 58-59) .

وفي إزاء هذا الواقع الجاهلي الظالم خص النبي r البنات والأخوات بالمزيد من وصاته فقال: (( من يلي من هذه البنات شيئًا، فأحسن إليهن؛ كُنَّ له سترًا من النار ) ). (143)

وبشّر بالجنة من أحسن رعاية الإناث من أخوات وبنات، فقال: (( من كان له ثلاث بنات أو ثلاث أخوات، أو ابنتان أو أختان؛ فأحسن صحبتهن واتقى الله فيهن؛ فله الجنة ) ). (144)

ويرتفع الجزاء في حديث آخر ليبلغ بالمحسن إليهن إلى أعلى الجنة، حيث أنبياء الله والصالحون من عباده، يقول r: (( من عال جاريتين حتى تبلغا؛ جاء يوم القيامة أنا وهو ) )وضم أصابعه. (145) أي أنه يجاور النبي r في الجنة كما تتجاور الأصبعان في يد الواحد فينا.

كل هذا الترغيب والحث من الإسلام ليبطل شرعة الجاهلية في انتقاص المؤنسات الغاليات اللاتي يرغِّب النبي r بمحبتهن فيقول: (( لا تكرهوا البنات، فإنهن المؤنسات الغاليات ) ). (146)

ويبرأ الإسلام من تفضيل الذكر على الأنثى، ويعد بالجنة من أكرم الأنثى وأنصفها، قال رسول الله r: (( من كانت له أنثى فلم يئدها ولم يهنها ولم يؤثر ولده عليها؛ أدخله الله الجنة ) ). (147)

وكما أوصى الإسلام برعاية الابنة؛ فإنه أمر بذلك لكل أنثى، سواء كانت زوجة أم أمًّا؛ بل وأكد على رعاية حقوقها حتى في حال العبودية، ففي حديث الثلاثة الذين يؤتيهم الله أجرهم مرتين ذكر r (( الرجل تكون له الأمة، فيعلمها فيحسن تعليمها، ويؤدبها فيحسن أدبها، ثم يعتقها فيتزوجها، فله أجران ) ). (148)

وأما المرأة حين تكون أمًّا فللإسلام معها شأن آخر، فلئن كانت النصوص التي تأمر ببر الوالدين والإحسان إليهما كثيرة في القرآن والسنة؛ فإن النبي r قدَّم حق الأم على حق الأب، فاعتبرها أحق العالمين بحسن صحبة الابن وأولى الناس ببره وإحسانه، فقد جاء رجل إلى رسول الله r فقال: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: (( أمك ) )، قال: ثم من؟ قال: (( ثم أمك ) )، قال: ثم من؟ قال: (( ثم أمك ) )، قال: ثم من؟ قال: (( ثم أبوك ) ). (149)

وأما الزوجة فهي شريكة الرجل في بيته، تشاركه السراء والضراء، وما فتئ النبي يوصي بها مرة بعد مرة، حتى إذا اجتمع أمامه مائة ألف من أصحابه في حجة الوداع قام فخطبهم، فحمد الله وأثنى عليه وقال: (( ألا واستوصوا بالنساء خيرًا، فإنما هن عوان عندكم [أي مثل الأسيرات عندكم] .. ألا إن لكم على نسائكم حقًا، ولنسائكم عليكم حقًا ) ). (150)

وما زال r يوصي بحق المرأة، ويحذر الرجل من الاغترار بقوته وظلمها والإضرار بها، فيشهد الله على تأكيده على حقها وبراءته ممن آذاها: (( اللهم إني أحرج حق الضعيفين: اليتيم والمرأة ) ). (151)

والزوجة درة مصانة، لا يلزمها أن تكدح وتشقى بالعمل لتضمن مكانًا لها في بيت الزوجية، فهذا ليس من واجباتها ولا هو متناسب مع أنوثتها وطبيعة مهمتها السامية في إدارة بيتها وتربية أبنائها وإعطائهم حقهم من الحنو والرعاية (( كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته. .. والرجل راعٍ في أهله، وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسؤولة عن رعيتها ) ). (152)

والأنثى - في الإسلام - مكفولة النفقة، أمًّا كانت أو زوجة، أختًا كانت أو ابنة، فمن واجب الرجل الإنفاق على الأسرة عمومًا وعلى الزوجة خصوصًا، ولو كانت ذات مال ووظيفة، فقد أمر النبي r بذلك في خطبة يوم عرفة العظيم وفي أكبر اجتماع لأصحاب النبي r، فقال: (( ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف ) ). (153)

وأوجب الله تعالى للزوجة السكن الكريم المتناسب مع قدرة الزوج المالية: ?أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم? (الطلاق: 6) ، وكذا أوجب لها العشرة بالمعروف حال الحب وفي حال الكراهية ?وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا ? (النساء: 19) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت