فهرس الكتاب
وهذه العشرة للزوجة بالمعروف تصبح ميزانًا للخيرية عند الله يستبق فيه المسلمون إلى محبة الله ورضاه، فقد قال r: (( خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي ) ) (154) ، وفي رواية: (( إن من أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا وألطفهم بأهله ) ). (155)
وهكذا فالعلاقة الزوجية سلسلة متبادلة من الحقوق والواجبات، وهي قائمة على مبدأ الأخذ والعطاء ?ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة ? (البقرة: 288) ، وهذه الدرجة هي القوامة.
وليس هذا التفضيل بسبب قعود جنس النساء عن جنس الرجال ، بل تفضيل متناسب مع ما أودعه الله في الرجل من استعدادات فطرية تلائم مهمته وتتناسب أيضًا مع دوره في إدارة الأسرة والإنفاق عليها، كما قال تعالى: ?الرجال قوامون على النساء بما فضل الله به بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم? (النساء: 34) .
تقول الصحفية الإنجليزية روز ماري هاو:"إن الإسلام قد كرم المرأة وأعطاها حقوقها كإنسانة، وكامرأة، وعلى عكس ما يظن الناس من أن المرأة الغربية حصلت على حقوقها.. فالمرأة الغربية لا تستطيع مثلًا أن تمارس إنسانيتها الكاملة وحقوقها مثل المرأة المسلمة. فقد أصبح واجبًا على المرأة في الغرب أن تعمل خارج بيتها لكسب العيش. أما المرأة المسلمة فلها حق الاختيار، ومن حقها أن يقوم الرجل بكسب القوت لها ولبقية أفراد الأسرة. فحين جعل الله للرجال القوامة على النساء كان المقصود هنا أن على الرجل أن يعمل ليكسب قوته وقوت عائلته. فالمرأة في الإسلام لها دور أهم وأكبر مجرد الوظيفة، وهو الإنجاب وتربية الأبناء، ومع ذلك فقد أعطى الإسلام للمرأة الحق في العمل إذا رغبت هي في ذلك، وإذا اقتضت ظروفها ذلك". (156)
ويصر البعض على أن الإسلام ظلم المرأة حين أباح للرجل أن يتزوج عليها، وفي هذا إضرار بمصلحتها.
وقبل التعرف على حكم الإسلام في تعدد الزوجات نجد أن من الواجب التذكير بأن الإسلام لم يكن أول من شرع هذه الشرعة التي عرفتها ومارستها الأمم والملل قبل الإسلام، ويكفي في ذلك أن نذكر بأن العهد القديم - الذي يؤمن به اليهود والنصارى - يذكر بأن سليمان النبي كان له ألف زوجة (انظر الملوك(1) 11/4)، فالتعدد وفق العهد القديم أمر مشروع، وهو واقع عاشه الأنبياء وأممهم قبل الإسلام.
والإسلام حين يبيح للرجل التعدد؛ فإنما يسيجه بجملة من الضوابط، وهو يشرعه لأمر واقعي ملموس، وهو حاجة بعض الأزواج إلى الزواج بغير زوجته لمرضها أو لعدم قدرتها على الإنجاب، أو لغير ذلك من الأسباب، فتزوج الزوج بأخرى أولى من طلاق الأولى ليتزوج بغيرها، وأولى أيضًا من العلاقة المحرمة خارج نطاق الزوجية، فالتعدد المشروع يغلق الباب أمام تعدد العشيقات غير المشروع الذي يجتاح المجتمعات الإنسانية التي تمنع تعدد الزوجات، واستبدلته بتعدد العشيقات.
إن البشرية لا غناء لها عن تعدد الزوجات إذا شاءت أن تحيى حياة العفة والطهر، وهذا ما ستقودنا إليه نظرة عابرة إلى الإحصاءات العالمية التي تشير إلى زيادة مطردة في نسبة النساء، فإذا كان عدد الإناث في الولايات المتحدة الأمريكية يزيد على عدد الذكور بأربعة ملايين امرأة، فإن المجتمع مخير بين القبول بأربعة ملايين بغي أو الرضا بأربعة ملايين أسرة شرعية تتعدد فيها الزوجات.
يقول المؤرخ غوستاف لوبون في كتابه"حضارة العرب":"إن مبدأ تعدد الزوجات الشرقي نظام طيب يرفع المستوى الأخلاقي في الأمم التي تقوم به ويزيد الأسرة ارتباطًا، ويمنح المرأة احترامًا وسعادة لا تراها في أوروبا، ولا أرى سببًا لجعل مبدأ تعدد الزوجات الشرعي عند الشرقيين أدنى مرتبة من مبدأ تعدد الزوجات السري عند الأوروبيين، بل إنني أبصر بالعكس ما يجعله أسنى منه".
ويقول:"إن تعدد الزوجات المشروع عند الشرقيين أحسن من تعدد الزوجات الريائي عند الأوروبيين، وما يتبعه من مواكب أولاد غير شرعيين". (157)
أما حين نسمح بتعدد الزوجات فالأمر مختلف، فالكل يعيش ضمن إطار الأسرة الشرعية الطبيعية، لذا يقول مونتكومري وات في كتابه"محمد في المدينة":"إن الفكرة الرائدة في القرآن، هي أنه إذا تبنى المسلمون تعدد الزوجات، فإن جميع الفتيات اللواتي هن في سن الزواج يمكنهن الزواج بصورة حسنة". (158)
وواقعية الإسلام في تشريعه للتعدد؛ لم تخل بمثاليته في التشريع، فقد حدده بأربع زوجات، وفرض على الزوج العدل بينهن: ?فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدةً أو ما ملكت أيمانكم? (النساء: 3) ، وتوعد النبي r من ظلم إحدى زوجتيه بعقوبة خاصة يوم القيامة تتناسب وميله إلى واحدة منهن: (( من كان له امرأتان يميل مع إحداهما على الأخرى جاء يوم القيامة وأحد شقيه ساقط ) ). (159)
إن تعدد الزوجات الذي يبيحه الإسلام ليس شهوة عابرة، ولا نوعًا من التمييز والتفضيل، بل هو تهذيب لواقع، يقنن لمسألة اجتماعية، يضفي فيها الرجل المزيد من المسئوليات التي يلزمه القيام بها والوفاء بمتطلباتها المالية والاجتماعية والإنسانية.
ونتساءل في خاتمة هذا المبحث: ألا يكفي إزاء المزاعم الكذوبة عن وضع المرأة في الإسلام أن نتامل الشهادة المنصفة للمفكر الفرنسي مارسيل بوازار في كتابه"إنسانية الإسلام":"أثبتت التعاليم القرآنية وتعاليم محمد أنها حامية حمى حقوق المرأة". (160)
ثانيًا: الإسلام والإرهاب
أرسل الله نبيه r إلى العالمين بشيرًا ونذيرًا، ووصفه بقوله: ?وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين? (الأنبياء: 107) ، كما وصفه الله تعالى بالرأفة والرحمة في قوله: ?لقد جاءكم رسولٌ من أنفسكم عزيزٌ عليه ما عنتم حريصٌ عليكم بالمؤمنين رؤوفٌ رحيمٌ? (التوبة: 128) ، فمحمد r هو رحمة الله المسداة إلى خلقه.
وقد امتن الله على البشرية ببعثته r لما طواه من الأحقاد المريرة؛ التي أنّت المجتمعات الإنسانية منها طويلًا: ?واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانًا وكنتم على شفا حفرةٍ من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون? (آل عمران: 103) .
كما وصف الله كتابه الأخير - القرآن العظيم - بالرحمة والشفاء بقوله: ?يا أيها الناس قد جاءتكم موعظةٌ من ربكم وشفاءٌ لما في الصدور وهدىً ورحمةٌ للمؤمنين? (يونس: 57) ، وأكد عليه بقوله: ?هذا بصائر للناس وهدىً ورحمةٌ لقومٍ يوقنون? (الجاثية:20) .
والرحمة كما هي صفة الله ونبيه وكتابه؛ فإنها صفة لازمة للمؤمنين أيضًا ، فالله الرحيم يرحم الرحماء من عباده، و (( من لا يرحم الناس لا يرحمه الله ) ) (161) ، والمتواصون بهذا الخلق العظيم هم أهل السعادة يوم القيامة ?ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة ^ أولئك أصحاب الميمنة? (البلد: 17-18) .
وقد أمر r المسلمين أن يتصفوا بصفة الرحمة، في تعاملهم فيما بينهم ومع غيرهم، بل وحتى مع الحيوان ، فقوله r: (( من لا يرحم الناس ) ) (162) ، لفظ عام يشمل كل أحد ، دون تمييز لجنس أو لون أو دين .
ومن صور الرحمة لغير المسلمين التصدق على مسكينهم ، فقد روى أبو عبيد أن بعض المسلمين كان لهم أنسباء وقرابة من قريظة والنضير، وكانوا يتقون أن يتصدقوا عليهم، يريدوهم أن يسلموا ، فنزلت: ? ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم? (البقرة: 272) . (163)