فهرس الكتاب

الصفحة 1133 من 1942

وتمتد الرحمة لتشمل المحاربين الذين وقعوا في أسار المسلمين، يقول أبو رزين: كنت مع سفيان بن سلمة، فمر عليه أسارى من المشركين، فأمرني أن أتصدق عليهم، ثم تلا هذه الآية: ?ويطعمون الطعام على حبه مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا? (الإنسان: 8) .

يقول أبو عزيز بن عمير: كنت في الأسارى يوم بدر، فقال رسول الله r: (( استوصوا بالأسارى خيرًا ) )، وكنت في نفر من الأنصار، وكانوا إذا قدموا غداءهم وعشاءهم أكلوا التمر وأطعموني الخبز، بوصية رسول الله r إياهم. (164)

وإذا كان الإسلام دين رحمة، فمن أين أتى القول الذي تروج له بعض الدوائر التي دأبت على وصف الإسلام بالإرهاب والقسوة؛ متذرعة بما جاء في القرآن العظيم من نصوص تأمر المسلمين بإعداد العدة والتأهب لصد العدوان، بل والقتال والتضحية بالنفس ذودًا عن الدين والوطن والنفس والإنسان.

إن رحمة الإسلام ليست استكانة ولا خنوعًا للباطل على الضيم، ليست استخذاء أو مهانة، بل هي رحمة القوي القادر على حماية حقه من العدوان.

حقًا لقد أمر القرآن بالقتال، لكن شتان بين القتل والقتال، بين الإرهاب والجهاد، فالإرهاب هو استهداف الضعيف العاجز أو البريء الذي لا حول له ولا طول بالقتل والترويع، فقتل الأبرياء إرهاب دنيء وإفساد في الارض، وهو - في الإسلام - من أعظم الجرائم وأنكرِها.

لقد استبشع القرآن إرهاب فرعون واعتداءه على الأطفال والمستضعفين من اليهود، واعتبره من المفسدين في الأرض العاتين فيها: ?إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعًا يستضعف طائفةً منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين? (القصص: 4) .

ونقل القرآن أيضًا بغض الله للمفسدين: ?ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين? (القصص: 77) ، وحكى عن حال أهل البغي والفساد محذرًا من صنيعهم مستنكرًا فعالهم: ?وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد? (البقرة: 205) .

إن قتل نفس بريئة واحدة إفساد في الأرض، وهو أمر جلل مستبشع، كيف لا وهو مشبه بالاعتداء على جميع الجنس البشري ?من قتل نفسًا بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا? (المائدة: 32) .

وقد حرم الله قتل النفس إلا بحق - كقصاص ونحوه - في آيات كثيرة من القرآن ، منها قوله تعالى: ?ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق? (الأنعام: 151، الإسراء: 33) ، ووصف عباده المؤمنين بأنهم: ? لا يدعون مع الله إلهًا آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق? (الفرقان: 68) .

ومن وقع في قتل نفس بلا حق؛ فقد أدخل الخلل على دينه ، قال r: (( لا يزال المؤمن في فسحة من دينه، ما لم يصب دمًا حرامًا ) ) (165) ؛ وكما يقول الصحابي عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: (إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها، سفك الدم الحرام بغير حله) . (166)

وحرمة النفس لا تختص بالمسلم دون غيره، بل تشمل كل نفس من غير أهل الحرب والعدوان، وهذا بيّن لمن تأمل وعيد النبي r لمن اجترأ على دم محرم من غير المسلمين؛ فقد قال r متوعدًا من يفعل ذلك من المسلمين: (( من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها لتوجد من مسيرة أربعين عامًا ) ). (167) فهؤلاء المسالمون من غير المسلمين لهم عهد وذمة الله ورسوله، والوعيد النبوي شديد لمن أخفر هذه الذمة (( ألا من قتل نفسًا معاهدة لها ذمة الله وذمة رسوله، فقد أخفر ذمة الله، فلا يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفًا ) ). (168)

إن الإسلام لم يحرم قتل أمثال هؤلاء فحسب، بل حرم ظلمهم وانتقاص حقوقهم والإضرار بمصالحهم، والنبي r - وهو الرحمة المسداة - يحاج يوم القيامة المسلمين الذين يظلمون هؤلاء، ويجعل نفسه الشريفة خصمًا للمعتدي عليهم، فيقول: (( من ظلم معاهدًا أو انتقصه حقه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس؛ فأنا حجيجه يوم القيامة ) ). (169) فالظلم -لأي أحد -يغضب الله الذي يقبل شكاة المظلوم على ظالمه -ولو كان المظلوم غير مسلم ، فالله يجيب دعوته على ظالمه المسلم، يقول r: (( اتقوا دعوة المظلوم -وإن كان كافرًا -فإنه ليس دونها حجاب ) ) (170) ، فالله حرم الظلم على ذاته العلية، وكذلك حرمه كذلك على سائر خلقه، ففي الحديث القدسي أن الله تعالى يقول مخاطبًا البشر جميعًا: (( يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا؛ فلا تظالموا ) ). (171)

إن ظلم الحيوان يستوجب لصاحبه النار، فما بالنا بظلم الإنسان لأخيه الإنسان، قال r: (( دخلت امرأة النار في هرة ربطتها، فلم تطعمها، ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض ) ). (172)

وهكذا فالإسلام أبعد الأديان عن الظلم وأكثرها تنديدًا به وامتناعًا عنه، لكن ذلك لا علاقة له من قريب أو بعيد بشرعة الجهاد التي يقررها الإسلام، ردعًا للظالم وزجرًا للباغي وصونًا للإيمان وحرية العباد في عبادة الله.

إذا أردنا الحديث عن الجهاد فإنه يحسن بنا أن نقرأ - ولو سريعًا - بعض الأحداث في فجر الإسلام، حين بعث الله محمدًا r رسولًا للعالمين، فتصدت له قريش، وآزرتها قبائل العرب، فأوقعوا النكال والتعذيب والقتل بالمؤمنين، والمؤمنون صابرون محتسبون ملتزمون بنهي الله لهم عن القتال، لقد أمرهم الله بالصبر: ?ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة? (النساء: 77) .

لكن الباطل أزبد وأصر على البغي، فأذن الله للمؤمنين المضطهدين بالقتال والذب عن أنفسهم ?أُذِن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقديرٌ ^ الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله? (الحج: 39-40) .

وبينت الآية نفسها مبلغ الفساد الذي يلحق البشرية على اختلاف أديانها إذا قصرت في رد المعتدي وزجره بالقوة التي يندفع بها عدوانه وتأمن بها المجتمعات ?ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعضٍ لهدمت صوامع وبيعٌ وصلواتٌ ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرًا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيزٌ ? (الحج: 40) .

وبينت الآية التي تلتها الصفات التي ينبغي أن يكون عليها أهل الإيمان الذين ينصرهم الله، فهم ?الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور? (الحج: 41) .

ونهى الله نبيه والصحابة عن الاعتداء والبدء بالقتال ?وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ^ واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين ^ فإن انتهوا فإن الله غفورٌ رحيمٌ ^ وقاتلوهم حتى لا تكون فتنةٌ ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين ^ الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاصٌ فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين? (البقرة: 190-194) .

ولو انزجر هؤلاء المعتدون بغير القتال لأراحوا الأرض من عناء الحروب وويلاتها ?فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلًا? (النساء:90) .

وحين أعلن المشركون الحرب الشاملة على المسلمين؛ قابلهم الإسلام بمثلها، فأمر الله في القرآن بالتوحد لقتالهم: ?وقاتلوا المشركين كافةً كما يقاتلونكم كافةً واعلموا أن الله مع المتقين? (التوبة: 36) .

وهكذا فإن القتال في الإسلام فرض وفق أسباب شرعية ومبررات واقعية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت