فهرس الكتاب

الصفحة 1134 من 1942

إن الحرب ليست أمرًا محببًا إلى النفوس، لكنها - على كل حال - مبضع الجراح الذي لا غناء عنه إذا أردنا صحة الجسم العليل ?كتب عليكم القتال وهو كرهٌ لكم وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خيرٌ لكم وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون ? (البقرة: 216) .

والنبي r يوجه أصحابه إلى دعاء الله والالتجاء إليه لصرف العدو وقطع شره من غير قتال: (( يا أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا ) ). (173) وقد امتن الله تعالى على نبيه r حين صرف عن المدينة الأحزاب من غير أن يقع بينهم قتل وقتال ?ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرًا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويًا عزيزًا? (الأحزاب: 25) .

إن غاية الحرب في الإسلام ليست الاستعلاء في الدنيا والتسلط على الآخرين، فمن كان همه الدنيا وزخارفها خسر الآخرة وكرامتها ?تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوًا في الأرض ولا فسادًا والعاقبة للمتقين? (القصص: 83) .

ولما جاء أعرابي إلى النبي r يسأله عن غايات الجهاد المشروع الذي شرعه الله، ويقول: الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل ليُذكر، ويقاتل ليُرى مكانه، من في سبيل الله؟ فقال r مبينًا فساد القتال إذا كان للدنيا ومتاعها وغاياتها الخسيسة: (( من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ) ). (174)

إن المتدبر لما ورد في القرآن والسنة وتاريخ المسلمين لن تخطئ عينه رؤية مقصدين نبيلين شرع الله الجهاد لحفظهما:

أولهما: دفع العدوان الواقع على الدين، ذلك العدوان الذي يحول بين الناس ودعوة الحق سماعًا لها أو إيمانًا بها، كما قال تعالى: ?وقاتلوهم حتى لا تكون فتنةٌ ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين? (البقرة: 193) ، يقول ابن عمر t: (قد فعلنا على عهد رسول الله r إذ كان الإسلام قليلًا، فكان الرجل يفتن في دينه: إما يقتلونه وإما يوثقونه حتى كثر الإسلام) . (175)

إن المسلم يمضي قُدُمًا بجهاده ليحرر الإنسان ، ويضمن له حرية القرار والاختيار، ويدفع بذلك من يحول بين الناس واختيارهم، يدفع شر أولئك الذين يبغون الفتنة والبوار، فقتال هؤلاء مشروع مبرور ?والفتنة أكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافرٌ فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون? (البقرة: 217) .

وقد جلّى ربعي بن عامرٍ يوم القادسية هذا الهدف النبيل حين قال لرستم قائد جيش الفرس في القادسية، وقد سأله: ما جاء بكم؟ فأجاب ربعي:"الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه". (176)

إن الإيمان أغلى ما يملكه المسلم، وهو أحق ما بذل له وضحّى من أجله، وقد أنصف الكاتب بيجي رودريك ولم يجاوز الحقيقة حين قال:"الإسلام أذن لرسوله بالجهاد لرفع الظلم والاضطهاد .. ولإزالة العقبات التي تقف في وجه الدعوة للإسلام، تلك الدعوة التي لا تكره أحدًا على الدخول في هذا الدين، وإنما تدعو الناس إليه وتترك لهم الحرية الكاملة للاختيار .. إن الإسلام هو دين السلام ، السلام مع الله والسلام مع الناس جميعًا". (177)

الثاني: رد العدوان الذي يستهدف أوطان المسلمين وينتهك حرماتهم، وتحرير الإنسان من الظلم والاضطهاد، فالظلم يمقته الله، والبغي تستنكفه الضمائر، ولا ترى بُدًا من نصرة المظلوم وإحقاق الحق وإقامة العدل الذي قامت عليه السماوات والأرض، قال الله تعالى: ?وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليًا واجعل لنا من لدنك نصيرًا? (النساء: 75) .

ويقول r مبشرًا ومثبتًا من قُتِل وهو يدفع عن ماله وأهله ودينه: (( من قُتِل دون ماله فهو شهيد، ومن قُتِل دون أهله أو دون دمه أو دون دينه فهو شهيد ) ). (178)

وحين يجاهد المسلم فإنه يلتزم في جهاده جملة من الضوابط التي يتميز بها عن الإرهاب، منها:

-القبول بالسلم والهدنة إن طلبها العدو المقاتل، قال تعالى: ?وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم ^ وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله ? (الأنفال: 61-62) .

-الامتناع عن قتل المدنيين من النساء والشيوخ والأطفال ومن في حكمهم من المدنيين المعصومين كالخدم والأُجراء ورجال الدين وغيرهم ممن لا يشارك في القتال، فقد ورد النهي عن قتل النساء والشيوخ والصبيان في حديث النبي r، يقول ابن عمر رضي الله عنهما: (وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي رسول الله r، فنهى رسول الله r عن قتل النساء والصبيان) . (179)

وكان رسول الله r إذا بعث جيشًا يقول: (( انطلقوا باسم الله، وعلى ملة رسول الله، لا تقتلوا شيخًا فانيًا، ولا طفلًا، ولا صغيرًا، ولا امرأة، ولا تغلوا، وضموا غنائمكم، وأصلحوا وأحسنوا، إن الله يحب المحسنين ) ). (180)

ومما جاء في النهي عن قتل النساء والأجراء والعمال الذين لا يحاربون، حديث الصحابي رباح بن الربيع قال: كنا مع رسول الله r في غزوة، فرأى الناس مجتمعين على شيء، فبعث رجلًا فقال: (( انظر علام اجتمع هؤلاء؟ ) )فجاء فقال: على امرأة قتيل. فقال r: (( ما كانت هذه لتقاتل ) )، وكان على المقدمة خالد بن الوليد، قال: فبعث رسول الله r رجلًا، فقال: (( قل لخالد: لا تقتلن امرأة ولا عسيفًا ) ). (181)

وفي رواية، فقل: إن رسول الله r يأمرك فيقول: (( لا تقتلن ذرية ولا عسيفًا ) ). (182)

ولما بعث رسول الله r سرية يوم حنين قاتلوا المشركين، فأفضى بهم القتل إلى الذرية، فلما جاءوا قال رسول الله r مستنكرًا: (( ما حملكم على قتل الذرية؟ ) )فقالوا: يا رسول الله، إنما كانوا أولاد المشركين. فقال r معلمًا ومصححًا مفهومهم الخاطئ: (( أوهل خياركم إلا أولاد المشركين؟ والذي نفس محمد بيده ما من نسمة تولد إلا على الفطرة حتى يعرب عنها لسانها ) ). (183)

وهكذا نهى النبي r عن قتل أبناء المشركين، لا بل أخبر أنهم مولودون على الفطرة المؤمنة، وحكمهم كذلك إلى أن يكبروا، فيختاروا الكفر الذي عليه آباؤهم.

وممن يمنع قتله؛ الرهبان لأنهم لا يشتركون في القتال، وقد أوصى الخليفة أبو بكر قائد جيش المسلمين إلى بلاد الشام بقوله: (إنك ستجد قومًا زعموا أنهم حبسوا أنفسهم لله، فذرهم وما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم له ) . (184)

وهكذا فالإسلام بريء من الإرهاب، وكذلك المسلمون الذين التزموا خلال تاريخهم الجهادي بضوابط الإسلام، ولم يكونوا كغيرهم من المحاربين المفسدين في الأرض، وبين أيدينا شهادات عديدة منصفة تؤكد هذا وتجليه:

يقول المؤرخ الشهير ول ديورانت:"إن المسلمين - كما يلوح - كانوا رجالًا أكمل من المسيحيين، فقد كانوا أحفظ منهم للعهد، وأكثر منهم رحمة بالمغلوبين، وقلّما ارتكبوا في تاريخهم من الوحشية ما ارتكبه المسيحيون عندما استولوا على بيت المقدس في عام 1099م". (185)

وأما غوستاف لوبون فيقول:"فالحق أن الأمم لم تعرف فاتحين راحمين متسامحين مثل العرب ولا دينًا سمحًا مثل دينهم". (186)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت