فهرس الكتاب

الصفحة 1135 من 1942

ويتحدث عن صور من معاملة المسلمين لغير المسلمين فيقول:"وكان عرب أسبانيا -خلا تسامحهم العظيم -يتصفون بالفروسية المثالية، فيرحمون الضعفاء ويرفقون بالمغلوبين، ويقفون عند شروطهم وما إلى ذلك من الخلال التي اقتبستها الأمم النصرانية بأوربا منهم مؤخرًا". (187)

وهكذا تبين لنا عظيم الفرق بين الجهاد المشروع في الإسلام والأساليب الإرهابية التي تمارس من بعض المسلمين وغيرهم اليوم، والتي يعتبرها الإسلام إفسادًا في الأرض، وتنسب إلى الإسلام جورًا وظلمًا!

إن اتهام الإسلام بالإرهاب زور وظلم يفتقد الموضوعية ويجافي الحقيقة، والزاعمون له أدعياء تجردوا عن المصداقية والصدق حين كلّت أقلامهم وبحّت حناجرهم من لمز الإسلام بالإرهاب، ولم ينطقوا ببنت شفة عن أديان أخرى ، تسوغ كتبها قتل النساء والأطفال والرضع وغيرهم ممن لا علاقة له بالقتال"هكذا يقول رب الجنود: ... فالآن اذهب، واضرب عماليق، وحرموا كل ما له، ولا تعف عنهم، بل اقتل رجلًا وامرأة، طفلًا ورضيعًا، بقرًا وغنمًا، جملًا وحمارًا" (صموئيل(1) 15/2-3).

إنا لا نطالب هؤلاء باتهام الآخرين، إنما الذي نطالبهم به أن يفهموا نصوصنا المقدسة بفهمنا لها، لا بخلطهم وجهلهم، وأن يشيحوا بأقلامهم عنا حين تغيب عنهم الفهوم الصحيحة، وإلا فالأحرى أن يلتمسوا لنا من الأعذار ما التمسوه للآخرين وكتبهم.

ونختم بشهادة للكاتب الأمريكي آندرو باترسون حيث يقول:"إن العنف باسم الإسلام ليس من الإسلام في شيء، بل إنه نقيض لهذا الدين الذي يعني السلام لا العنف". (188)

ثالثًا: الإسلام والتعامل مع الآخر

ما فتئت بعض الدوائر الإعلامية تتعرض للإسلام وتتهمه بالعنصرية في تعامله مع غير المسلمين، وتزعم أن الإسلام أرغم الكثيرين على اعتناقه، وأنه يحث على كراهية الآخرين ويشجع على ظلمهم.

وهذه الدوائر جهلت الإسلام وأحكامه أو أنها تعمدت تشويه حقائقه وتشريعاته، وأيًا كان؛ فإن الإسلام بريء من هذه الفرية، فالتاريخ يشهد أن المسلمين طوال عطائهم الحضاري العظيم لم يعمدوا إلى إجبار الشعوب أو الأفراد على اعتناق دينهم ، فقد أيقنوا أن اختلاف البشر في شرائعهم واقع بمشيئة الله تعالى ومرتبط بحكمته، يقول الله: ?لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعًا? (المائدة: 48) ، ولو شاء الله لخلق الناس أو جعلهم مسلمين فطرة، من غير اختيار منهم ولا اقتدار ?ولو شاء ربك لجعل الناس أمةً واحدةً ولا يزالون مختلفين ^ إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ? ( هود: 118- 119) .

ولذلك أدرك المسلمون أن هداية الجميع من المحال، وأن أكثر الناس لا يؤمنون، وأن واجبهم الدأب في دعوة واستمالة الناس إلى الحق وطلب أسباب هدايتهم، فقد أخبرهم الله بأن مهمتهم هي البلاغ فحسب، وأنه تعالى هو من يتولى حساب المعرضين في الآخرة، قال الله مخاطبًا نبيه r: ? فإن تولوا فإنما عليك البلاغ? (النحل: 82) . وقال: ?فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصيرٌ بالعباد? (آل عمران: 20) ، ?ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعًا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين? (يونس: 99) .

وقد رفض الإسلام ابتداء فكرة إلغاء الآخر، وأعلنها صريحة: ? لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي? (البقرة: 256) ، ? وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارًا أحاط بهم سرادقها? (الكهف: 29) .

إن الإسلام يرفض إسلام المكره لأسباب بسيطة واضحة، منها أن المكره ليس بمؤمن حقيقة، ولا تلزمه تشريعاته في أحكام الدنيا، ولا ينفعه ذلك في الآخرة، ومنها أن ذلك ليس مقتضى الحكمة والمشيئة الإلهية.

وقد شهد المؤرخون بالتزام المسلمين بتعاليم دينهم في هذا الصدد، فيقول المفكر الأسباني بلاسكوا أبانيز في كتابه"ظلال الكنيسة"متحدثًا عن الفتح الإسلامي للأندلس:"لقد أحسنت أسبانيا استقبال أولئك الرجال الذين قدموا إليها من القارة الإفريقية، وأسلمتهم القرى أزمتها بغير مقاومة ولا عداء، فما هو إلا أن تقترب كوكبة من فرسان العرب من إحدى القرى؛ حتى تفتح لها الأبواب وتتلقاها بالترحاب .. كانت غزوة تمدين، ولم تكن غزوة فتح وقهر .. ولم يتخل أبناء تلك الحضارة زمنًا عن فضيلة حرية الضمير، وهي الدعامة التي تقوم عليها كل عظمة حقة للشعوب، فقبلوا في المدن التي ملكوها كنائس النصارى وبِيَع اليهود، ولم يخشَ المسجد معابد الأديان التي سبقته، فعرف لها حقها، واستقر إلى جانبها، غير حاسد لها، ولا راغب في السيادة عليها". (189)

ويقول المؤرخ الإنجليزي السير توماس أرنولد في كتابه"الدعوة إلى الإسلام":"لقد عامل المسلمون الظافرون العرب المسيحيين بتسامح عظيم منذ القرن الأول للهجرة ، واستمر هذا التسامح في القرون المتعاقبة، ونستطيع أن نحكم بحق أن القبائل المسيحية التي اعتنقت الإسلام قد اعتنقته عن اختيار وإرادة حرة ، وإن العرب المسيحيين الذين يعيشون في وقتنا هذا بين جماعات المسلمين لشاهد على هذا التسامح". (190)

وتقول المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه:"العرب لم يفرضوا على الشعوب المغلوبة الدخول في الإسلام، فالمسيحيون والزرادشتية واليهود الذين لاقوا قبل الإسلام أبشع أمثلة للتعصب الديني وأفظعها؛ سمح لهم جميعًا دون أي عائق يمنعهم بممارسة شعائر دينهم، وترك المسلمون لهم بيوت عبادتهم وأديرتهم وكهنتهم وأحبارهم دون أن يمسوهم بأدنى أذى، أو ليس هذا منتهى التسامح؟ أين روى التاريخ مثل تلك الأعمال؟ ومتى؟". (191)

إن السبب الحقيقي لانتشار الإسلام في الأرض هو تسامحه مع الآخرين، وليس عنفه المزعوم، لقد قرأت الأمم الحق في تسامح المسلمين، وعرفته في طيب معشرهم وحسن تعاملهم، خلافًا لما يشيعه الآخرون ظلمًا وزورًا، يقول المؤرخ غوستاف لوبون:"إن القوة لم تكن عاملًا في انتشار القرآن ، فقد ترك العرب المغلوبين أحرارًا في أديانهم .. فإذا حدث أن انتحل بعض الشعوب النصرانية الإسلام واتخذ العربية لغة له؛ فذلك لما كان يتصف به العرب الغالبون من ضروب العدل الذي لم يكن للناس عهد بمثله، ولما كان عليه الإسلام من السهولة التي لم تعرفها الأديان الأخرى". (192)

ويقول:"وما جهله المؤرخون من حلم العرب الفاتحين وتسامحهم كان من الأسباب السريعة في اتساع فتوحاتهم وفي سهولة اقتناع كثير من الأمم بدينهم ولغتهم .. والحق أن الأمم لم تعرف فاتحين رحماء متسامحين مثل العرب، ولا دينًا سمحًا مثل دينهم". (193)

ويوافقه المؤرخ وول ديورانت فيقول:"وعلى الرغم من خطة التسامح الديني التي كان ينتهجها المسلمون الأولون، أو بسبب هذه الخطة اعتنق الدين الجديدَ معظمُ المسيحيين وجميع الزرادشتيين والوثنيين إلا عددًا قليلًا منهم .. واستحوذ الدين الإسلامي على قلوب مئات الشعوب في البلدان الممتدة من الصين وأندنوسيا إلى مراكش والأندلس، وتملك خيالهم، وسيطر على أخلاقهم، وصاغ حياتهم، وبعث آمالًا تخفف عنهم بؤس الحياة ومتاعبها". (194)

إن هذا التسامح الإسلامي هدي قرآني لازم للمؤمن الذي ينصاع لقول الله: ?لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين? (الممتحنة: 8) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت