فالآية تنوه بفضيلتين، وهما حق لكل من لم يقاتلنا ولم يعتدِِِِ علينا من غير المسلمين: أولاهما: التخلق بخصلة البر، وهذا البر الذي رغبَّ به القرآن تجلى في كثير من تشريعات الإسلام التي أبدعت الكثير من المواقف الفياضة بمشاعر الإنسانية والرفق.
فقد أوجب القرآن حسن العشرة وصلة الرحم حتى مع الاختلاف في الدين ، فقد أمر الله بحسن الصحبة للوالدين وإن جهدا في رد ابنهما عن التوحيد إلى الشرك، فإن ذلك لا يقطع حقهما في بره وحسن صحبته: ?وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفًا? (لقمان: 15) .
ولما جاءت أسماء بنت الصديق إلى رسول الله r تقول: يا رسول الله ، قدمت عليّ أُمّي وهي راغبة ، أفأَصِلُ أُمي؟ فأجابها الرحمة المهداة: (( صِلِي أُمَّك ) ). (195)
ومن البر والتسامح الذي لا يمنعه اختلاف الدين؛ عيادة المريض ، فقد عاد النبي r عمه الكافر أبا طالب في مرضه (196) ، وعاد أيضًا جارًا له من اليهود في مرضه، فقعد عند رأسه. (197)
كما أهدى النبي r إلى بعض أعدائه ومخالفيه في الدين، لما للهدية من أثر في كسب القلوب واستلال الشحناء؛ فقد أهدى إلى أبي سفيان تمر عجوة، وهو بمكة، وكتب إليه يستهديه أُدمًا (198) ، كما قبِل النبي r هدايا الملوك إليه، فقِبل هدية المقوقس، وهدية ملك أيلة أكيدر، وهدية كسرى. (199)
وعلى المستوى الاجتماعي قبِل r دعوة زينب بنت الحارث اليهودية، حين دعته إلى شاة مشوية في خيبر (200) ، كما قبِل وأجاب دعوة يهودي دعاه إلى خبز شعير وإهالة سنخة. (201)
وأما الفضيلة الثانية التي رغّبت فيها آية سورة الممتحنة فهي: العدل الذي هو أهم مكارم الأخلاق التي جاء الإسلام لحمايتها وتتميمها؛ وهو غاية قريبة ميسورة إذا كان الأمر متعلقًا بإخوة الدين أو النسب، وغيرها مما يتعاطف ويتراحم له البشر.
لكن صدق هذه الخُلة إنما يظهر إذا تباينت الأديان وتعارضت المصالح، لذا فقد أمر القرآن الكريم بالعدل بين البشر عمومًا، وخصَّ - بمزيد تأكيده - العدل مع المخالفين الذين قد يظلمهم المرء بسبب الاختلاف والنفرة، قال تعالى: ?يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى? (المائدة: 8) .
يقول الدكتور نظمي لوقا:"ما أرى شريعة أدعى للإنصاف، ولا أنفى للإجحاف والعصبية من شريعة تقول: ? ولا يجرمنَّكم شنآن قومٍ على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى? (المائدة: 8) ، فأي إنسان بعد هذا يكرم نفسه وهو يدينها بمبدأ دون هذا المبدأ، أو يأخذها بدين أقل منه تساميًا واستقامة؟!". (202)
وشواهد عدل المسلمين مع أهل ذمتهم كثيرة، ومنه خصومة الخليفة الرابع علي بن أبي طالب t مع يهودي في درعه التي فقدها، ثم وجدها عند يهودي، فاحتكما إلى قاضي المسلمين شريح القاضي، فحكم بها لليهودي، فأسلم اليهودي، وقال:"أما إني أشهد أن هذه أحكام أنبياء! أمير المؤمنين يدينني إلى قاضيه، فيقضي لي عليه! أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، الدرع درعك يا أمير المؤمنين، اتبعت الجيش وأنت منطلق من صفين، فخرجت من بعيرك الأورق". فقال علي t: (أما إذ أسلمت فهي لك) . (203)
ومن صور العدل مع المخالفين قصة القبطي مع عمرو بن العاص والي مصر وابنه، وقد اقتص الخليفة عمر بن الخطاب للقبطي في مظلمته من أمير مصر وابنه، وقال مقولته التي أضحت بين الناس مثلًا:"يا عمرو، متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟". (204)
إن أمثال هذه المواقف الرائعة دفع بطريك بيت المقدس في القرن التاسع للقول عن العرب في كتابه إلى بطريرك القسطنطينية:"إنهم يمتازون بالعدل، ولا يظلموننا البتة، وهم لا يستخدمون معنا أي عنف". (205)
ولو أنصف الزاعمون لرددوا مع جوستاف لوبون قوله:"الإسلام من أكثر الأديان ملاءمة لاكتشافات العلم، ومن أعظمها تهذيبًا للنفوس وحملًا على العدل والإحسان والتسامح". (206)
وصدق الدكتور لويس يونغ في كتابه"العرب وأوروبا"حين قال:"إن أشياء كثيرة لا يزال على الغرب أن يتعلمها من الحضارة الإسلامية منها نظرة العرب المتسامحة وعدم تمييزهم فروق الدين والعرق واللون". (207)
وهكذا فالإسلام بريء بشهادة النصوص والتاريخ مما يزعمه القائلون بأن الإسلام رعى العنصرية الدينية، بل على العكس من ذلك، لقد قدم المسلمون نموذجًا حضاريًا فريدًا ما تزال البشرية ترنو إلى مثله ، وهي أشد حاجة إليه اليوم في ظل تصاعد حملات الكراهية للمسلمين من أولئك الذي ما فتئوا يبشرون بصدام الحضارات والخطر المزعوم الذي تحمله الحضارة الإسلامية.
رابعًا: المسلمون والتحديات المعاصرة
إن نظرة سريعة في واقع المسلمين اليوم لن تخطئ في رؤية الكثير من التحديات التي تواجهها الأمة المسلمة في مطلع القرن الواحد والعشرين.
ولعل أول هذه التحديات قبوع الأمة التي قادت ركب الحضارة الإنسانية ثمانية قرون في ذيل القائمة في سلم الحضارة والعلم.
يستغل البعض هذا الواقع المرير للربط بين حال المسلمين ودينهم، متناسين أنه ليس من العدل والنصفة في شيء الحكم على دين بواقع أهله في برهة من الزمان، فالإسلام دين العلم والحضارة ، وحين تمسك المسلمون بدينهم كانوا أكثر الأمم عطاء في ركب الحضارة وأعظمها علمًا وإبداعًا، لكنهم حين بعدوا عن دينهم واستبدلوه أو خلطوه بالغث الوافد عليهم من هنا وهناك تردوا عن السبق والحظوة التي منحها الله لهم بالعلم والمعرفة.
إن القرآن منذ نزلت أول آياته ?اقرأ باسم ربك الذي خلق? (العلق: 1) ما فتئ يدعو المسلمين إلى التعلم، ويثني على العلماء ويمتدح صنيع العقلاء ?يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجاتٍ ? (المجادلة: 11) ، ?قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب? (الزمر: 9) .
لقد كرم الإسلام العلم، وأعطى لأهله من الفضل والمنزلة بونًا شاسعًا على سائر الناس، بما فيهم العُبّاد الذين نذروا أنفسهم لعبادة الله تعالى، يقول r: (( فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم، إن الله وملائكته وأهل السموات والأرضين حتى النملة في جحرها وحتى الحوت؛ ليصلون على معلم الناس الخير ) ). (208)
وحين تمسك المسلمون بدينهم والتزموا شرائعه سبقوا أمم الدنيا ، وحملوا مشعل العلم والحضارة، وأبدعوا حضارة فريدة، يكفينا عن العرض المسهب لإنجازاتها أن ننقل بعض اعتراف العلماء المنصفين بسبقنا وإبداعنا، فقد سجلت كلماتهم بالإعجاب بعضًا من مآثر حضارتنا، وكانوا شهود عدل على مآثرنا.
ومن ذلك قول الدكتور ستانلي لين بول في كتابه"تاريخ العالم":"لم يحدث في تاريخ المدنية حركة أكثر روعة من ذلك الشغف الفجائي بالثقافة الذي حدث في جميع أنحاء العالم الإسلامي، فكان كل مسلم، من الخليفة إلى الصانع، يبدو كأنما قد اعتراه فجأة شوق إلى العلم وظمأ إلى السفر، وكان ذلك خير ما قدّمه الإسلام من جميع الجهات". (209)