فهرس الكتاب

الصفحة 1137 من 1942

ويضيف المؤرخ جوليفيه كستلو في كتابه"قانون التاريخ"بأن"التقدم العربي بعد وفاة الرسول [r] كان عظيمًا، جرى على أسرع ما يكون، وكان الزمان مستعدًا لانتشار الإسلام، فنشأت المدنية الإسلامية نشأة باهرة، قامت في كل مكان مع الفتوحات بذكاء غريب ظهر أثره في الفنون والآداب والشعر والعلوم. وقبض العرب بأيديهم - خلال عدة قرون - على مشعل النور العقلي، وتمثلوا جميع المعارف البشرية .. فأصبحوا سادة الفكر، مبدعين ومخترعين، ولا بالمعنى المعروف، بل بما أحرزوه من أساليب العلم التي استخدموها بقريحة وقادة للغاية، وكانت المدنية العربية قصيرة العمر، إلا أنها باهرة الأثر، وليس لنا إلا إبداء الأسف على اضمحلالها". (210)

وإذا كان حال المسلمين فيما مضى كذلك، فكيف توارت الأمة المسلمة عن الشهود؟ ولم تقبع في ذيل الركب اليوم؟!

إن ما نشهده اليوم من ضعف حضاري للأمة المسلمة يرتبط بعاملين اثنين: أولهما هو بُعدُ المسلمين عن دينهم، فلئن كان تقدم أوربا مرهونًا بتخلصها من دينها المبدَّل؛ فإن نهضتنا لن تكون إلا بعودتنا إلى ديننا، فالمفارقة بين حالنا وحالهم، تنبع من الاختلاف بين خصائص أدياننا.

والعامل الثاني الذي أسهم في تردي أحوال الأمة المسلمة هو الاستعمار الغربي الذي غزا الشرق الإسلامي عقودًا من السنين، ولم يبرحها إلا وقد ترك فيها من العقد المستعصية ما تعجز عن حلها الأجيال ، ليضمن بذلك استمرار تفوقه ورواج سلعه في الشعوب التي جعلها أسواقًا استهلاكية لبضائعه، فارتهن مقدراتها ليضمن تفوقه ودوام سيطرته.

وأما المظهر الثاني من المظاهر التي تزري بواقع المسلمين اليوم، فهو اختلافهم وتناحرهم بل واحتراب طوائفهم وتراميهم بالتكفير والتبديع، وهم في ذلك أيضًا قد خالفوا أمر ربهم وهو يدعوهم إلى الوحدة والاعتصام ? واعتصموا بحبل الله جميعًا ولاتفرقوا ? (آل عمران: 103) ، فقد خالفوه وهو يدعوهم إلى التوحد في أمة واحدة ? وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون ? (المؤمنون: 52) .

إن تشرذم المسلمين وتناحرهم يرجع إلى عوامل كثيرة، لكن أهمها تدخل أياد خفية تكيد لإخوتهم، وتتربص بوحدتهم الدوائر، فالكثير من خلافات المذاهب الإسلامية لم تؤثر في وحدة المسلمين طوال تاريخهم؛ لأنها بقيت في منأى عن الهجمة الاستعمارية المغذية للنعرات المذهبية، كما هو الحال في العلاقة بين السنة والزيدية، أو بين أتباع المذاهب الفقهية الأربعة.

إن المسلمين حين افترقوا لم يفترقوا بسبب اختلافهم حول أصول دينهم، فهذا ما لم تخالف فيه طائفة من طوائفهم المعتبرة، فالكل يؤمن بالله الواحد وصفاته وكتبه وأنبيائه ، وأصول شريعته وأركان دينه، وخلافهم بقي بعيدًا عن أصول الدين التي لم يختلفوا فيها، فخلاف السنة مع الشيعة - وهو الخلاف الأقوى بين المسلمين اليوم - إنما هو خلاف حول الشخص الأحق باستحقاق الخلافة بعد النبي r، فهو خلاف سياسي تاريخي في جذوره، ولم تمس امتداداته أصول الدين من قريب أو بعيد.

وافتراق المسلمين أيضًا قدر الله لكل الأمم ، وفيه مصداق نبوءة نبوية لنبينا r حين قال: (( افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة، وسبعون في النار، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، فإحدى وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، والذي نفس محمد بيده لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين، فرقة واحدة في الجنة، وثنتان وسبعون في النار ) )قيل: يا رسول الله من هم؟ قال: (( الجماعة ) ). (211)

وهكذا فالتفرق ميراثنا من الأمم السابقة، وتناحر بعضنا واقتتالهم مذموم لنكوصه عن هدي الإسلام إلى سبل الضلال والكفر (( فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا إلى يوم تلقون ربكم .. فلا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض ) ). (212)

إن حاضر المسلمين لن يصلح إلا بما أصلح ماضيهم، إن الإسلام هو الذي جعل من أوزاع العرب وغيرهم أمة واحدة، وأحالهم من أمة أمية جاهلة إلى أمة قادت ركب الحضارة الإنسانية ثمانية قرون.

إن الرصيد الذي يمتلكه الإسلام في مبادئه وتصوراته ما يزال الأمل الذي يتطلع إليه العقلاء، فكل سؤدد وشرف وحضارة في الاستمساك بالإسلام، في حين أن مظاهر التخلف والتفرق نتاج قدري حتمي لبعدنا عن الإسلام، فما أحرانا أن نسارع في العود إليه والاستمساك بهديه القويم.

خاتمة:

وهكذا يتبين الحق لكل منصف، فمن قبِل هبة الله التي تبينت له؛ شرح الله صدره للإسلام ? أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نورٍ من ربه? وأما من قسى فلبه وكبُر عليه الإذعان للحق، فنصيبه تمام الآية: ?فويلٌ للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلالٍ مبينٍ ? (الزمر: 22) .

وبعد، ما الذي يمنع المرء من الولوج في الإسلام، أيشينه أن يعبد الله وحده، وأن يكون على دينه الذي بشر به الأنبياء وارتضاه الله لعباده دينًا.

ما بال بعضنا -في القرن الواحد والعشرين -يفضل ميراث الآباء وإلفِه على الحق الذي آمن بصدقه عقله؟

إن الكثيرين من العقلاء قد سبقوا إلى هذا الحق فاعتنقوه، منهم النجاشي رحمه الله، ملك الحبشة الذي عرض عليه الصحابة الإسلام فقال: يا معشر القسيسين والرهبان، ما يزيد ما يقول هؤلاء على ما تقولون في ابن مريم ما يزن هذه، مرحبًا بكم وبمن جئتم من عنده، فأنا أشهد أنه رسول الله، والذي بشّر به عيسى ابن مريم، ولولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أحمل نعليه. (213)

لكم أشرق الإسلام في صدور أناس؛ فأخرجهم الله به من ضيق الصدر وضنك الدنيا وقتامة الحياة إلى رحابة الدنيا وسعادتها ونعيم الآخرة، ولكم تنكب طريق الحقيقة آخرون، فعاشوا في ضيق الدنيا واستحقوا أيضًا عذاب الآخرة ? فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقًا حرجًا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون ? (الأنعام: 125) .

إن الإسلام بما أوتي من حق وبصيرة ووضوح يملأ الكون بهديه القويم، وتشير الدراسات والإحصاءات إلى أنه أكثر الأديان انتشارًا رغم الضعف الذي ينتاب الأمة الإسلامية عمومًا، ورغم الحملات المسمومة التي ما فتئت تفتري على الإسلام على صفحات الإعلام وشاشات القنوات وغيرها من وسائل الاتصال، ليتحقق من بعد ذلك كله موعود الله ?يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون? (التوبة: 32) .

ولو أنصف المرء لردد ما قاله الدكتور نظمي لوقا عن النبي r:"أعرض بوجداني عن تلك النظرة الجائرة أو المتجنية التي نظر بها كثيرون من المستشرقين وغيرهم إلى الرسول العربي، ولكني حين أحتكم إلى العقل أرى الخير كل الخير فيما جنحت إليه .. فما كان كآحاد الناس في خلاله ومزاياه، وهو الذي اجتمعت إليه آلاء الرسل، وهمة البطل، فكان حقًا على المنصف أن يكرم فيه المُثل ويحيي فيه الرَّجل". (214)

إن البشرية اليوم أحوج ما تكون إلى الإسلام، إذا ما أرادت أن تتخلص من مشكلات عصرنا المتفاقمة، فالإسلام وحده كفيل بالقضاء على أمراضنا النفسية والاجتماعية، وهو وحده من يملك العصا السحرية التي تخفض معدلات الانتحار وتعيد لحياة البائسين المعذبين جمالها ورونقها في ظلال الإسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت