فهرس الكتاب

الصفحة 1141 من 1942

ومهمة ربط النص بظروفه لإدراكه بصورة صحيحة.

وتجريد النص من ظروفه لاستخلاص حقيقته المطلقة والثابتة16 هو ما يسمى بـ"الوعي السياسي".

إذن: الوعي السياسي هو مجموعة الحقائق المطلقة المأخوذة من التحليل السياسي للتراث التاريخي للأمة.

ومن هنا يجب ألا نتعامل مع النص التراثي كمجرد استجابة إلى نوع من أنواع الفضول، إنما من منطلق الحركية العلمية وهي أهم خصائص التنظيم السياسي. والحركة العلمية كخصيصة من خصائص التنظيم السياسي هي التعامل مع النص التراثي بمقتضى مفهوم الحكمة أو التصور السياسي.

وفي إطار تحليل الواقع التاريخي للدعوة تتحدد أخطر قضاياها تحديدًا سياسيًّا: وهي قواعد نقل الخبرة.

وأهم هذه القواعد:

تقييم الخبرة الإسلامية وعناصرها:

-الصواب الشرعي.

-بلوغ حد الاستطاعة المادي والتنظيمي لتحقيق الهدف.

-أثر التجربة المتحقق قدرًا.

-الارتفاع بمفهوم الأخوة فوق مستوى الصواب أو الخطأ.

-ربط التجربة بالواقع.

فعند تقييم أي عمل إسلامي في واقع الدعوة نسأل أولًا عن الحكم الشرعي في هذا العمل، فإن كان صوابًا شرعيًّ نسأل: هل بلغ أصحاب هذا العمل حد الاستطاعة المادي والتنظيمي قبل القيام به؟ فإن لم يبلغوا فيكون الحكم عليهم بالتقصير من هذه الناحية، وإن كانوا قد بلغوا فلا بأس عليهم، فإذا توافر الدليل الشرعي بالصواب من حيث الحكم وتوافر حد الاستطاعة المادي والتنظيمي من حيث العمل، ثم كان الخطأ في الممارسة... فإننا نواجه هذا الخطأ بعدة واجبات:

الأول: معالجة هذا الخطأ وأثره في الواقع.

الثاني: قد يحدث خطأ باعتبار الخطة وبالقياس إلى الهدف المحدد، ولكن قد يكون لهذا الخطأ بالاعتبار القدري جانب إيجابي بالقياس إلى الواقع، فعندئذ يجب التنبيه لهذا الخطأ والاستفادة منه في واقع الممارسة.

الثالث: ربط آثار التجربة بكل جوانبها الإيجابية المحددة تخطيطًا أو المحققة قدرًا أو السلبية الناشئة عن الممارسة... بواقع الدعوة وتقييم الوضع النهائي للتجربة.

الرابع: الارتفاع بمفهوم الأخوة فوق اعتبار الخطأ والصواب... بعد الاطمئنان إلى الاجتهاد، وفوق اعتبار النتائج؛ لأنها بقدر الله وحده.

ب) بناء النظرية السياسية (الحق) :

سبق القول بأن السياسة هي المفهوم الجماعي للحكمة... وعلى أساس هذه الحقيقة يكون بناء النظرية السياسية هو الارتفاع بجوانب الحكمة إلى المستوى الجماعي، وذلك بمقتضى الحق.

ويصور الإمام ابن القيم جانب الحق في بناء النظرية، فيقول (بتصرف) : السياسة ما كان فعلًا معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يصنعه الرسول صلى الله عليه وسلم ولا نزل به وحي، ومن قال: لا سياسية إلا بما نطق به الشرع؛ فقد غلَّط الصحابة؛ فقد جرى من الخلفاء الراشدين ما لا يجحده عالم بالسنن... وكفى تحريق علي الزنادقة17، وتحريق عثمان المصاحف، ونفيُ عمر نصر بن حجاج.

ويقول ابن القيم: وهذا موضع مزلة أقدام ومضلة أفهام، وهو مقام ضنك ومعترك صعب فرَّط فيه طائفة فعطلوا الحدود، وضيعوا الحقوق، وجرَّأوا أهل الفجور على الفساد، وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد محتاجة إلى غيرها، وسدُّوا على أنفسهم طرقًا صحيحة من طرق معرفة الحق والتنفيذ له، وعطلوا مع علمهم وعلم غيرهم قطعًا أنه مطابق للواقع ظنًّا منهم منافاتها لقواعد الشرع.

ولعمر الله إنها لم تنافِ ما جاء به الرسول، وإن نافت ما فهموه من شريعته باجتهادهم، والذي أوجب لهم ذلك نوع تقصير في معرفة الشريعة وتقصير في معرفة الواقع وتنزيل أحدهما على الآخر، فلما رأى أولياء الأمور ذلك وأن الناس لا يستقيم لهم أمرهم إلا بأمر وراء ما فهمه هؤلاء من الشريعة أحدثوا من أوضاع سياستهم شرًّا طويلًا وفسادًا عريضًا، فتفاقم الأمر وتعذر استدراكه، وعز على العالمين بحقائق الشرع تخليص النفوس من ذلك واستنقاذها من تلك المهالك...

وأفرطت طائفة أخرى قابلت هذه الطائفة فسوغت من ذلك ما ينافي حكم الله ورسوله... وكلا الطائفتين أُتِيَت من قِبَل تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسله وأنزل به كتبه؛ فإن الله سبحانه أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط... وهو العدل الذي قامت به الأرض والسماوات، فإذا أظهرت أمارات العدل وأسفر وجهه بأي طريق كان فثم شرع الله ودينه، والله سبحانه أعلم وأحكم وأعدل من أن يخص طرق العدل وأماراته وأعلامه بشيء ثم ينفي ما هو أظهر منها وأقوى دلالة وأبين إمارة فلا يجعله منها ولا يحكم عند وجودها وقيامها بموجبها، بل قد بين سبحانه وتعالى بما شرعه من الطرق أن مقصوده إقامة العدل بين عباده وقيام الناس بالقسط، فأي طريق استخرج بها العدل والقسط فهي من الدين ليست مخالفة له... فلا يقال: إن السياسة العادلة مخالفة لما نطق به الشرع، بل موافقة لما جاء به، بل وجزء من أجزائه، ونحن نسميها"سياسة"تبعًا لمصطلحاتكم وإنما هي عدل الله ورسوله ظهر بهذه الأمارات والعلامات. أهـ 18.

ومن بناء النظرية السياسية تحققت:

1)شواهد الحق في الممارسة السياسية فكان أهمها:

العقيدة: وتتحقق كشاهد من شواهد الحق في ارتفاعها فوق الممارسة السياسية والحركية ونظام الدولة.

القوة: التي تفرض الحق كمضمون للنظرية والممارسة السياسية.

الثبات: وأهم شواهد انطلاق الممارسة السياسية من الحق هو ثبات الخط السياسي لهذه الممارسة؛ لأن الحق يرفع الممارسة السياسية فوق ظروف الواقع وزعاماته حتى يبلغ الأمر أن يصبح الخط السياسي هو الذي ينخرط به الواقع وتنتظم به الزعامات.

إن أكبر دلائل البعد عن الحق هو التفاف الخط السياسي حول منحنيات الواقع والالتواء فوق عقباته: وكذلك التلون بلون كل زعامة جديدة والاصطباغ بصبغتها.

وقد قدمت الفترة الإسلامية الأولى نموذجًا لهذا الثبات.

ابتداءً من أخطر مستويات المواقف السياسية.

مثال: إصرار أبي بكر الصديق على جعل أسامة بن زيد على رأس الجيش الذي جهزه الرسول صلى الله عليه وسلم واختار أسامة لقيادته.

وانتهاءً بأبسط مستوياتها.

مثل المرأة التي جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت: أعطني19.

المفاصلة النظرية: بين السياسة الإسلامية والجاهلية.

فللنظرية السياسية الإسلامية مصطلحاتها... وكذلك للنظرية الجاهلية مصطلحاتها الخاصة بها.

وهناك مصطلحات مشتركة. قد تُقرر من جانب النظرية الإسلامية من حيث اللفظ؛ فيصير الأمر الخطير أن تفهم بمدلولها في السياسة الجاهلية. مما يصير به الأمر أشد خطرًا أن تفرض هذه المصطلحات بمدلولها الجاهلي فتنتفي دلالتها الصحيحة في النظرية الإسلامية. ولهذه المصطلحات أمثلة مشهورة أهمها مصطلح الثورة والحرية.

فالثورة في النظرية الجاهلية... تعني رفض الواقع بصورة مطلقة...

كما تعني بصورة مطلقة... الغضب.

وكذلك تعني العنف...

فإذا انتقلنا بمصطلح"الثورة"إلى النظرية السياسية الإسلامية فإننا نرى وجودًا لعناصر مصطلح الثورة ولكنه وجود صحيح.

حيث نرى الرفض موضوعيًا. والغضب واعيًا. والعنف منضبطًا.

فإذا ما أصبح مصطلح"الثورة"بهذه العناصر الصحيحة كان مصطلح الثورة إسلاميًا، وأصبح من الجائز إضافته إلى النظرية السياسية الإسلامية كمصطلح من مصطلحاتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت