فهرس الكتاب

الصفحة 1142 من 1942

حيث سيكون الرفض الموضوعي للواقع في التغيير والغضب الواعي في التعامل والعنف المنضبط في المواجهة... فمصطلح الثورة الإسلامية ليس مجرد رفض للواقع ولكن للباطل في هذا الواقع بحيث إذا كان في هذا الواقع حق أخذت به الثورة الإسلامية وأقره الإسلام وأصبح جزء من نظامه... مثل الزواج الذي أقرته الشريعة وقد كان نوعًا من الزواج في الجاهلية...

وأما الغضب فهو قمة الوعي؛ لأنه غضب لله... وليس غضبًا شخصيًّا يفقد فيه الغاضب وعيه ويصبح إغلاقًا.

وأما العنف فهو الأمر المنضبط بسياسة القوة وأحكامها الشرعية.

وبذلك يتحقق مصطلح الثورة الإسلامية بمنطلق خاص للتغيير يتميز بالحسم المتأني مثل معالجة مشكلة الرق20.

إن التقابل المطلق بين النظرية السياسية الإسلامية والجاهلية يقتضي الحذر الشديد من المحاولة الخاطئة للخلط بين مصطلحات النظرية السياسية الإسلامية وغيرها...

وابتداءً بالمصطلحات الضخمة كالثورة.

وانتهاءً بأدق التعبيرات البسيطة مثل رفض تعبير الإمبراطورية الإسلامية بدلًا من الخلافة.

مرورًا بأمثلة الخلط بين المفاهيم الإسلامية وغيرها مثل الخلط بين الشورى والديمقراطية... بما بينهما من فوارق جوهرية محددة حتى في الأساس المشترك بينهما؛ فالشورى قائمة على إجماع الرأي، وكذلك الديمقراطية، ولكن لصاحب الرأي في الشورى اعتبار كبير في هذا الإجماع... وليس إجماع الهمج الرعاع أتباع كل ناعق؛ كما في الديمقراطية21.

وانطلاق الممارسة السياسية من التصور السياسي بنظريته وأبعاده ومصطلحاته لايعني الاتفاق المطلق بين مفكري السياسة الإسلامية ومحلليها؛ لأن عنصر التفكير العقلي وإدراك الواقع والتصور المرحلي للهدف داخلة ضمن هذه الممارسة. وهي الأمور التي يكون فيها الاختلاف شيئًا طبيعيًّا. مما يجعل الممارسة السياسية سببًا في تحقيق أكبر اتساع لنطاق الاختلاف بين مفكري الحركة الإسلامية.

ومواجهة هذا الخطر تتمثل بصورة أساسية في تحديد:

2)ثوابت الفكر السياسي:

أ) تأصيل الفكر السياسي.

وأول ثوابت هذا التحديد هو إدراكنا للعلاقة بين الفقه والسياسة الذي تتحدد به طبيعة الممارسة.

وهي الحكمة ذاتها.

ذلك لأن الحكمة كما اتفقنا هي المفهوم الفردي للسياسة.

والحكمة هي الفقه.

وبذلك تصبح كل أصول الفقه أساسًا في الممارسة السياسية.

ب) الإطار السياسي للفكر الحركي:

والذي يُحدَّد بالإجابة على هذا السؤال:

ما هي الكتابات التي تكوِّن في مجموعها إطار الفكر في واقع الحركة الإسلامية...

إن هذا التحديد شرط جوهري في تنظيم العلاقة الصحيحة بين الفكر والحركة...

إن فقد هذا التحديد يجعل الدعوة معرضة لخطر التحول إلى مجرد ظاهرة فكرية ضخمة تتضاءل بجانبها واقعية الحركة حتى تضيع.

وتحديد هذه الكتابات بأصحابها قد يحقق فائدة السهولة في الرجوع إليها.

ولكن الأفضل هو إثبات القاعدة التي يتحدد بها هذه الكتابات ليصبح هذا التحديد أساسًا للفكربصورة مطلقة.

والقاعدة الأساسية:

-أن يكون صاحب الكتاب سلفي الفهم.

-أن يكون صاحب الكتاب هو نفسه من أصحاب التجارب الواقعية والعملية في مواجهة الجاهلية، وأن تكون كتاباته مرتبطة بواقعه وتجاربه ومواجهته بصورة مباشرة.

مع مراعاة أن ينطبق على جميع هذه الكتابات وأصحابها... قاعدة: أن كل إنسان يخطئ ويصيب ويؤخذ من كلامه ويرد عليه.

-وأن تتجرد في نفس الوقت عملية الأخذ والرد من عوامل الغيرة والحسد والأحاسيس الحقيرة التي قد تسعى بصاحبها إلى التفكير في هدم شوامخ الفكر ورؤوس الهدى والرشاد22.

ج) التنظيم السياسي للفكر:

وحرية الفكر في إطار الجماعة مكفولة في حدود الكتاب والسنة وأنه لا حرية خارج هذه الحدود.

وإعلان الرأي حق شرعي بشرط واجب شرعي مقابل؛ وهو أن تنقطع علاقة الفرد برأيه بمجرد الاطمئنان إلى وصول هذا الرأي إلى ولي الأمر.

وعندئذ ينطبق على هذا الرأي قواعد الجماعة في الحكم علي الرأي... والوصول إلى الصواب.

وبذلك يصبح الواجب شرطًا يقابل حقًّا؛ لأن تجاوز هذا الشرط ذلك يُسلم الفرد إلى مرحلة الانشقاق الفكري والمنهجي إذا تبنى رأيه بعد حكم الجماعة فيه بالبطلان.

ثم تُسلمه هذه المرحلة إلى الخروج عن الجماعة إذا أخذ موقفًا مبنيًّا على رأيه المحكوم عليه بالبطلان.

وبعد تحديد ثوابت الفكر السياسية المحققة للاتفاق على الحق ننتقل إلى مقتضيات الاتفاق على الحق في تلك الممارسة.

وأهم مقتضيات انطلاق الممارسة السياسية من الحق التعامل مع المعارضين للجماعة.

3)المعارضة السياسية:

والتصور السياسي الإسلامي يعتبر أفضل النماذج السياسية في التعامل مع أصحاب المعارضة السياسية...

فهناك مصطلحات أساسية متعلقة بمفهوم الجماعة:

1)الجماعة بمعنى الحق.

2)الجماعة بمعنى الأمير.

3)الجماعة بمعنى العامة.

4)الجماعة بمعنى العلماء.

ونضيف إلى هذه المصطلحات بخصوص المعارضة السياسية مصطلحين أوليين:

مصطلح الفرقة: وهو الخروج عن الجماعة بمعيار الحق الاعتقادي.

ومصطلح الطائفة: وهو الخروج عن الجماعة بمعيار الأمر العملي.

بمعنى: أن الفرقة: هي خروج عقيدي...

والطائفة: خروج عملي...

ولكل منهما أسلوب في التعامل:

فأسلوب التعامل مع الفرقة: بحسب قضية خروجهم عن الجماعة سواء كانت كفرًا أوبدعة.

وأسلوب التعامل مع الطائفة: بحسب قضية خروجهم عن الإمام أو الأمير.

وتعدد معاني الجماعة قائم على أساس الحفاظ عليها في كل الظروف...

أما المعنى الأساسي للجماعة فهو الجماعة بمعنى الحق والوارد فيه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم

في الحديث:"التارك لدينه المفارق للجماعة"23.

ولكن عند تعدد الحق في الأفهام في إطار قضايا التوحيد تكون المفاصلة وتكون الفرقة، وإذا تعدد الحق في غير هذا الإطار كان رأي الأمير هو المعيار الذي تتبناه الجماعة في تلك القضية؛ ويتحقق بذلك الجماعة بمعنى الأمير... والوارد فيه حديثه صلى الله عليه وسلم:"من أطاع الأمير فقد أطاعني"24.

وعند غيبة الإمارة يكون إجماع العامة المسلمة هو معيار الحق وهو الوارد فيه قول رسول الله:"عليكم بالسواد الأعظم..."25.

وعند عجز السواد الأعظم عن الإجماع يكون للعلماء حق الطاعة، ويتحقق فيهم معنى الجماعة.

ولكن السواد الأعظم الذي يعتبر معيارًا للحق له صفات محددة وأهمها: توطين النفس على هذا الحق.

ولذلك لايكون هناك تقليد في مهمة إنشاء العامة المسلمة كما قال صلى الله عليه وسلم:"لا تكن إمعة إن أحسن الناس أحسنت وإن أساؤوا أسأت، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساؤوا فلا تسيئوا"26.

ومن هنا أيضا فإن للعامة في منهج الدعوة مسئولية خطيرة.

فليس في التعامل مع العامة نمط الهياج والصور المزيفة...

وعندما يكون المطلوب معرفة إجماع العامة أو الرأي العام لهم؛ فإن المهمة تبدأ بإثبات رأي الفرد.

يقول ابن إسحاق: إن وفد هوازن بالجعرانة أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أسلموا فقالوا: يا رسول الله، إنا أصل وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء مالم يخف عليك، فامنن علينا منَّ الله عليك. قال: وقام رجل من هوازن، أحد بني سعد بن بكر يقال له زهير يكنى أبا صرد فقال: يا رسول الله إنما في الحظائر عماتك وخالاتك وحواضنك اللاتي كن يكفلنك، ولو أنا ملحنا للحارث بن أبي شمر، أو للنعمان بن المنذر ثم نزل من بمثل الذي نزلت به رجونا عطفه وعائدته علينا، وأنت خير المكفولين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت