فهرس الكتاب

الصفحة 1143 من 1942

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم أم أموالكم؟ فقالوا: يارسول الله، خيَّرتنا بين أموالنا وأحسابنا، بل تُردُّ إلينا نساؤنا فهو أحب إلينا، فقال لهم: أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، وإذا ما أنا صليت الظهر بالناس فقوموا وقولوا: إنا نستشفع برسول الله إلى المسلمين، وبالمسلمين إلى رسول الله في أبنائنا فسأعطيكم عند ذلك، وأسأل لكم، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس الظهر قاموا فتكلموا بالذي أمرهم به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، فقال: المهاجرون: وما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقالت الأنصار: وما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم 27.

وفي رواية:"فقال الناس. قد طبنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنا لنعرف من رضي منكم ممن لم يرض. فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم28. فردوا عليهم نساءهم وأبناءهم لم يتخلف منهم أحد غير عيينة بن حصن. فإنه أبى أن يرد عجوزًا صارت في يديه منهم، ثم ردَّها بعد ذلك وكسا رسول الله صلى الله عليه وسلم السبي نبطية قبطية".

وعندما يكون الحديث في أمر العامة فلا بد أن يكون للمتحدث صفات ضرورية ولازمة أهمها نفي السفه الذي يثبت الحكمة كما في الحديث:"سيأتي علي الناس سنوات خدّاعات يُصدّقُ فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة. قيل: وما الرويبضة؟ قال: الرجل التافه يتكلم في أمر العامة"29.

ومن ناحية أخرى: فإن مصطلح العامة المسلمة يتحدد بانتفاء صفة الهمج الرعاع وحديث علي بن أبي طالب يبين الصفة الأساسية للهمج الرعاع.

الناس ثلاثة:"عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، والباقي رعاع أتباع كل ناعق"30.

وبذلك يتبين منهج الارتفاع فوق مستوى هؤلاء الهمج الرعاع.

إن الهمج الرعاع قوم لا يفقهون ولا يعلمون.

لا يدركون أصول التفكير فهم لا يفقهون.

ولا يعلمون صواب الواقع. وليسوا على سبيل النجاة.

وصواب التفكير وإدراك الواقع هي النجاة من صفة الهمج الرعاع.

بعدتحديد النظرية السياسية في إطارها الواقعي، وتحديد بناء النظرية السياسية بمقتضى الحق، نأتي إلى المحصلة بين الواقع والحق، أو:

4)العلاقة الجدلية بين الفكر والحركة:

وبادى ذي بدء نريد أن نوضح معنى"العلاقة الجدلية31 بين الفكر والحركة".

ففي البدء تكون الفكرة ثم تكون بها الحركة، فتضيف الحركة خبرة جديدة تضاف إلى الفكرة الأصلية، فيتسع نطاق الفكرة فنتحرك به حركة أوسع؛ فتضيف إلينا الحركة الأوسع خبرة أكبر تضاف إلى نطاق الفكر ليتسع فنمارس بة حركة أوسع وهكذا. هذا هو تفسير جدلية العلاقة بين الفكر والحركة.

وعندما يزداد حجم الفكر دون أن نمارس به حركة مناسبة فإن هذا يمثل خللًا سياسيًا إذ قد تتحول الدعوة بسبب هذا الخلل إذا تضخم إلى ظاهرة فكرية بحتة.

ومن هنا يلزم كضرورة سياسية تحديد إطار الفكر الذي ينشأ من خلال العلاقة الجدلية الصحيحة مع الحركة وهو ما يسمى فكر الحركي.

والإطار الأساسي لهذا الفكر هو قضايا حد الإسلام"قضايا الحكم والنسك والولاء".

ويضاف إليها كل قضايا الفكر المستفادة من خبرة التحرك بقضايا حد الإسلام في الواقع.

وقد سبق تقرير أن الفكر في تطوره مع الحركة مستفاد من خبرة الحركة وأن تحديده يكون باعتبار أصحابه؛ فيصبح أي فكر ناشئ عن خبرة عملية مستفادة من مواجهة صاحبه مع الجاهلية يصبح هذا الفكر داخلًا في إطار الفكر الحركي.

وكما تحدد الفكر تتحدد الحركة.

والإطار الأساسي لهذه الحركة هو التبليغ بالكلمة واستخدام القوة وقيام السلطة؛ فيجب تحديد إطار الحركة الصحيحة التي تنشأ من خلالها العلاقة الجدلية الصحيحة مع الفكر. ومعنى هذا التحديد أن أي كيان لا يتبنى أسلوب التبليغ وإقامة الحجة ورفع اللتباس وتصحيح المفاهيم وأسلوب المواجهة القوية الهادفة إلى إقامة السلطة الإسلامية... أي كيان لا يتبنى هذه الأساليب يكون خارجًا من إطار التحديد السياسي للحركة...

وليكن معلومًا أن الخلل في العلاقة بين الفكرر والحركة خطر عظيم يسبب الفتنة، في مرحلة الحركة والجماعة ويسبب الانهيار32 في مرحلة الدولة.

وأبرز قضايا العلاقة الجدلية بين الفكر والحركة هي: قضية المرحلة المكية والمدنية، وتفسير لتلك العلاقة من أساسها.

وهذه القضية لها عناصر يجب إدراكها ابتدًاء...

أن مرحلة الدعوة بعد تمام نزول القران تجاوزت المرحلة المكية والمدنية شرعًا.

أن اعتبار الدعوة في مرحلة مكية أو مدنية بعد ذلك اعتبار حركي.

فإذا كانت ظروف الدعوة تماثل المرحلة المكية اعتبرناها مرحلة مكية، وإذا كانت ظروف الدعوة تماثل المرحلة المدنية اعتبرناها مرحلة مدنية، ومارسنا تطبيق الأحكام المنهجية لكل مرحلة.

وعندئذ نكون ملزمين بدراسة علة الختلاف المنهجي بين المرحلتين من حيث الواقع.

وبمجرد البدء في الدراسة نجد أن الحد الفاصل البين في هذا الاختلاف هو حد القدرة والاستطاعة.

فإذا كان الأصل في الدعوة هو الإعلان فإن عدم القدرة عليه يجعلنا نمارس حكما منهجيًا مكيًا وهو السرية.

وأهم مثال عن الإعلان وإظهار الدين باعتبار القدرة:

هو جواز إقامة الجمعة والجماعات في غير ديار الإسلام.

فبالرغم من أن إقامة الجمعة التي تحدد لإقامتها شروط فقهية مباشرة أن تكون الدار التي تقام فيها الجمع هي دار الإسلام؛ فإنها تقام في غيرها من باب الجواز إذا كان هناك قدرة على إقامتها.

ولا يحتج لعدم إقامتها بانتفاء الوجوب لانتفاء الشرط الفقهي؛ لأن إقامتها باعتبار القدرة يكون من باب الجواز مثل إقامة الجمعة للمرأة والغلام والعبد من باب الجواز عند القدرة رغم عدم الوجوب بالنسبة لهم؛ لانتفاء شروط وجوبها عليهم.

غير أن السيرة تحفظ لنا حدثًا ثابتًاعن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم به الدليل على اعتبار القدرة في التفريق بين المرحلة المكية والمدنية وهو محاولة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه علي بن أبي طالب كسر الأصنام ليلًا دون أن يراهم أحد. 33

وبعد تحديد المحصلة بين الواقع والحق نكون قد انتهينا من تحديد عنصرين من عناصر الحكمة في تحديد النظرية السياسية؛ لنأتي بعدهما إلى العنصر الثالث وهو الإنسان الذي يمثل الجانب الإنساني في النظرية.

ج) المنطلق الإنساني للممارسة السياسية (المسلم السياسي) :

أما جانب"الإنسان"في النظرية السياسية فإنه يتمثل في مصطلحين:

الأول: المفكر السياسي: وذلك باعتبار أن الفكر مهمة إنسانية صادرة عن الإنسان المرتبط بالحق والناظر في الواقع والمدرك للغاية.

لتصبح جوانب الحكمة هي بذاتها عناصر الفكر السياسي.

وبذلك أصبح لزامًا على المفكر السياسي الإسلامي الالتزام بالأساس الشرعي؛ ليكون الحق هو القيمة العليا التي منها وبها تتحدد جميع أبعاد الممارسة السياسية.

وأصبح لزامًا على الفكر السياسي الإسلامي الارتباط بالواقع بجانبيه: الاجتماعي والحركي؛ وذلك من خلال الارتباط بالواقع الدعوة، وكذلك من خلال الالتزام بقواعد الحركة لهذا الواقع... أيضًا.

وأصبح لزامًا على المفكر السياسي الإسلامي اعتبار قضية الخلافة هي منطلقة الوحيد في بناء وتصور الحقيقة السياسية وذلك على أساس أن الخلافة هي الغاية النهائية للحركة.

وبذلك يكون الفكر السياسي علاقة تفاعل بين التأمل بالحق من جانب الإنسان في الواقع، وإدراك الغاية

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت