فهرس الكتاب

الصفحة 1144 من 1942

وإذا كان التأمل يعكس النبوغ الفردي والحساسية الذاتية...

فإن الواقع ترجمة للمعاناة اليومية من خلال الممارسة...

والاستمرارية الفكرية تفترض التتابع المستمر والمعاناة المنتظمة في علاقة ثابتة بين الفكر والحركة؛ حتى تتحقق الغاية.

الثاني: الزعامة السياسية:

والزعامة السياسية تعني باختصار: القدرة الذاتية على اتخاذ القرار السياسي المحقق لأكبر احتمالات الصواب وأقضى درجات الاطمئنان النفسي"يعني الجانب الإنساني للقرار السياسي".

وعلى هذا فإن الزعامة السياسية تتطلب بهذا الاعتبار عدة صفات أساسية:

الإخلاص الملهم للصواب والمجبر للخطأ والمحقق للثواب في كلا الأمرين والمحقق في نفس الوقت للتجرد من الصراعات النفسية والمؤثرات العاطفية والمصلحة الشخصية.

التوكل المعين على خوض التجربة قبل بدئها وعلى تحمل اثارها بعد تمامها.

الذكاء المحقق للإحاطة بالقرار واثاره واحتمالاته وبدائله؛ بدقة ذهنية واستشفاف مستقبلي يستوفي حق التفكير في القرار بأسرع وقت ممكن بحيث لا يصل صاحب التفكير إلى مرحلة الاستغراق النظري المضل والمحير.

الخبرة المستخلصة من تجارب الماضي المشابهة للتجربة القائمة لتحقيق كل عناصر الصحة والصواب بأسهل الأساليب، وتحقيق أكبر العوامل النبهة للتجربة إلى المزالق والثغرات التي دفع ثمنها أصحاب التجارب السابقة حتى لا يتضاعف الثمن وتتضاءل الحصيلة.

العزم الذي يجعل صاحب القرار منطلقًا بقراره بأقصى الاطمئنان الشرعي والحركي والنفسي... اطمئنانًا يملؤه ويتعداه منه إلى جميع المحيطين به فيطمئنوا كما اطمأن اطمئنانًا واثقًا، بغير غرور يعمي عن الحقيقة، وبغير تردد يضيع الهدف ويحير المشاركين له في الموقف.

القوة الشخصية التي يأخذ بها فرصته الكاملة في اتخاذ قراره ويتنبه بها ألى المحاولات الطبيعية المصاحبة لكل قرار جديد والتي يحاول فيها أصحابها نقد أو رفض القرار من المحيطين بصاحب القرار عندما يكون حوله المخلص غير الذكي والذكي الفاقد للخبرة؛ حيث سيتمثل كل فقد لأي عنصر من عناصر الإخلاص والذكاء والخبرة في محاولة معاكسة لصاحب القرار...

القوة الشخصية التى ينشئ بها واقعًا جديدًا، ويدخل بها في مرحلة جديدة، ويحدث بها متغيرات جديدة بقرار واحد يتطلب رجلًا قويًا وزعيمًا سياسيًا.

صدق الإيمان الذي يجعله يتعرف على مصلحة الدعوة بكل كيانه ومواهبه.

تخطر له الفكر ويلهم الأمر. ويعيش الصواب.

يعيش قضيته... يغير ظروفه وينهض بأمته ويحيي حضارته.

الصبر الذى يتحمل به المناوأة من المختلفين معه داخل كيانه السياسي، والمتربصين به خارج كيانه، والضاغطيت عليه من العقول غير الفاهمة، والحاقدين عليه من النفوس غير السوية... الصبر الذي يحقق المرحلية المنبطة بلا بطء الخائف، ولا تهور المتحمس.

الحبوالألفة: التي تعين علي الأطمئنان لقراره وتخفف من وطأة الخطأ إذا حدث وتعين علي تحمل المعاناة المترتبة علي الخطأ... الحب الذي يجعل الجميع يبذل كل ما في وسعه؛ لإنجاح قرار يحبون صاحبه"خير أمرائكم من تحبونهم"34.

الربانية التي تحمي الزعيم من أي تناقض بين الحق المطلق وإنسانيته.

البصيرة التي تحمي الزعيم من غيبة الغاية عن تصوره.

العلم الذي يحمي الزعيم من الغفلة بالواقع وطبيعة الأمور.

وبذلك تجتمع في الزعامة السياسية كل العناصر المحققة لمضمون النظرية السياسية.

فتصبح الزعامة هي المحصلة النهائية للممارسة.

كما تصبح الزعامة السياسية أساسًا في بناء النظرية السياسية مما يجعل هذا الأساس مقدمة ضرورية لتحقيق الإحكام بين جوانب بناء النظرية السياسية...

وذلك بعد تمام الوصول إلي الغاية.

د) أهداف العمل السياسي (الغاية) :

وجانب الغاية في التصور السياسي، له معني جوهري وهو الهداية؛ لأن الهداية هي غاية الدعوة وحكمتها.

وباعتبار أن السلطة هي الوسيلة الأساسية لتحقيق الهداية. (إن الله يزع بالسلطان ما لم يزع بالقران) 35.

وباعتبار أن للسلطة حدًا نهائيًا وهو الخلافة؛ أصبحت الخلافة هي الصيغة السياسية لغاية الهداية.

ولكن إقامة السلطة ابتدًاء، والخلافة كحد نهائي لها تقتضي القوة... والقوة تقتضي الشهادة.

والشهادة تقتضي الجنة...

فأصبحت الشهادة والجنة غاية نهائية علي المستوي الفردي لأصحاب الدعوة.

وبذلك يتحدد مجموع الغايات بصورة مرتبة:

الهداية: كغاية نهائية للدعوة.

الدولة والخلافة: كصيغة سياسية لتلك الغاية.

الشهادة والجنة: كمقتضي؛ لتحقيق تلك الصيغة. وهذه الحقائق الثلاث هي التي تمثل في التصور السياسي جانب الغاية.

وبحسب ترتيب حقائق الغاية في التصور السياسي.

أصبحت غاية الهداية هي الهدف التي ترتبط بها كل الأساليب.

وهذا الأرتباط حقيقة بارزة في التصور الإسلامي العام حيث أن الغاية والأسلوب ليس بينهما في التصور الإسلامي أي تناقض.

ومن هنا أصبحت غاية الهداية هي المحصلة النهائية لكل أبعاد التصور السياسي.

فالهداية هي محصلة البعد العسكري بدليل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم"36 وقوله:"عجبت لقوم يجرون الي الجنة بالسلاسل"37.

والهداية هي محصلة البعد القتصادي بدليل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إني أعطي الرجل وغيره أحب إلي منه مخافة أن يكبه الله في النار"38 وقول الله:"والمؤلفة قلوبهم...".

والهداية هي محصلة البعد الجماهيري39...

غير أن نقطة الضوء المكثفة حول حقيقة الغاية في التصور السياسي هي حق هذه الغاية علي مستوي كيانات الحركة المتعددة التي تتبني جميعها الهداية كغاية واحدة لتلك الكيانات.

فيجب أن يكون لهذه الغاية الواحدة - وهي الخلافة - حق مفروض علي طبيعة العلاقة بين الكيانات المتعددة الهادفة إلي هذه الغاية الواحدة.

ثانيًا

الصيغة السياسية لحركة الهداية

أ) دولة الدعوة:

والسعي للخلافة كصيغة سياسية للغاية، يبدأ بإقامة الدولة المرتبطة بالهداية.

فالدولة الإسلامية أساسها نشر الدعوة والعقيدة، والدعوة الإسلامية محورها ووظيفتها خلق القناعة بحقيقة الدين.

وواجب الرسول صلى الله عليه وسلم هو الدعوة:"ادع إلي سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن"... هذه الطبيعة المتميزة كان لا بد وأن تكوِّن بخصائصها جميع عناصر ومتغيرات النموذج السياسي الإسلامي... فالدولة وظيفتها الدفاع عن العقيدة، وأساس شرعية السلطة ومحور وسبب وجودها هو نشر الدعوة فيها، والدعوة والسلطة يتفاعلان كحقيقة ديناميكية واحدة، ورغم أن المحور الأساسي وجوهر هذا التفاعل هو الدين إلا أن السلطة هي التي تأتي فتخلق ذلك الإطار الذي يتيح للمواطن بأن يحقق ذاته من خلال الاستجابة إلى قواعد الممارسة الدينية... وهكذا فإن شرعية السلطة هي الدين وأداة الدين هي السلطة.

إن واجب الدولة هو أن تدعو إلى كلمة الحق، وأن تدعو من خلالالإقناع، والاقتناع بهذا المفهوم لذا كان ولا بد أن يتحول إلى قواعد للمارسة في كل ما له صلة بنظرية التعامل السياسي في الحضارة الإسلامية.

وكذلك فإن البيعة كعقد سياسي مصدر للسلطة تتمركز حول عنصر أساسي هو وحده محور شرعيتها وهو مضمون الممارسة للسلطة: احترام الأحكام الإسلامية فإذا حدث إخلال بذلك المضمون يصير المسلم وقد أضحى ليس من حقه - فقط - عدم الطاعة، بل من واجبه رفض تلك الطاعة ومقاومة الحاكم ولو بالسلاح40.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت