فهرس الكتاب
والدولة هي مقتضى التوحيد؛ لأن الدولة هي الحُكم، والحكم هو مقتضى التوحيد:"ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون".
والدولة هي التمكين للدين في الأرض:"وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم".
والدولة هي الأداة الأساسية لإقامة الدين:"الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور".
لقد كانت بيعة العقبة الأولى هي أول مرحلة فعلية لإقامة الدولة... وكان مضمونها:"حتى أبلغ دعوة ربي"41.
فالدولة هي الوسيلة الأساسية للدعوة.
وفي قول الله:"ونريد أن نمن على الذين استضعفوا".
فندرك أن الدولة لرفع الاستضعاف عن المسلمين.
وفي قوله سبحانه:"حتى لا تكون فتنة".
ندرك أن الدولة لرفع الفتنة من جانب غير المسلمين؛ ويكون الدين لله.
ولذلك جاء تعريف وظيفة الدولة في التصور السياسي بأنها: مجموع الأهداف التي يجب أن تسعى الإرادة السياسية إلى تحقيقها من خلال الأداة النظامية42.
إن الدولة عندما تكون للدعوة فإن هذا معناه أن يكون الحاكم ونظم الحكم والمحكومين به أداة للدعوة.
بل تكون الدعوة قضية كل إنسان وحياة كل نسمة في دولة الدعوة.
بل يبلغ الأمر بأن تكون الدعوة قضية الهدهد في دولة سليمان نبي الله.
يعرفِّ الشرك:"وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله".
ويعرِّف التوحيد:"ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السموات والأرض".
ويعرِّف سبب الشرك:"وزين لهم الشيطان أعمالهم".
ويعرِّف السبيل:"فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون".
يتأخر وهو مطمئن؛ لأن معه نبأ عظيم... نبأ فوق النظام... نبأ من أجله كان النظام... يتأخر ومعه عذره؛ لأن معه قضية الدعوة وهي قضية الحاكم وقضية الدولة وقضية الأمة... هدهد يعرف أن الدعوة لأهل الأرض جميعهم؛ فيجب ألا يكون شرك في أي مكان، ففي سبأ شرك يجب القضاء عليه... حتى لو لم تكن سبأ في ملك سليمان.
ودون أن يكون من رجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ودون أن يكون من رجال الحسبة.
ودون أن يكون مكلفًا... أو موظفًا.
فالدعوة هي الضمير وهي الوعي والذات وهي الهوية.
ولذلك يقول الإمام ابن القيم في شفاء العليل: ولما كان الهدهد داعيًا إلى الخير وعبادة الله وحده والسجود له جاء النهي عن قتله... كما رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه43.
لقد كانت دعوة الهدهد ولاء للدولة الإسلامية.
فكلن لا بد أن يكون على الدولة الإسلامية واجب حمايته بعد أن أعطاها ولاءه، فجاء نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتله ومعه النملة والنحلة44.
من أجل ذلك يجب أن تكون خطوط الحركة مشدودة إلى هدف الدولة.
وهذه الخطوط هي أخطر خطوط التصور السياسي للحركة الإسلامية.
الخط الأول: هو أن يكون لقيام الدولة الاعتبار الأول في منهج الحركة وبحسب مقتضيات الواقع وطبيعة الظروف وبكل الإمكانيات.
ولكن...
هذا الاعتبار لا يوقف كل كيان الحركة على هذا الهدف إذ أن هناك أهدافًا موازية ضرورية في ذاتها بصفة شرعية ومؤدية إلى هذا الهدف الأساسي بصفة حركية.
وأهم هذه الأهداف:
-رفع الالتباس عن الناس واستفاضة البلاغ... وهذه هي الصفة الشرعية...
وهذا العمل هو في نفس الوقت بالصفة الحركية... يعني تكوين القاعدة المؤيدة للدولة الإسلامية ونظام الحكم الإسلامي عندما يقوم... ويبقى بعد ما يقوم.
-الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر... وهذه هي الصفة الشرعية وهذا العمل هو في نفس الوقت بالصفة الحركية تهيئة الواقع الاجتماعي للإذعان لحكم الله.
-جمع الإمكانيات لإقامة الدولة... وهو من إعداد القوة، وهذه هي الصفة الشرعية وهذا العمل هو في نفس الوقت بالصفة الحركية... سيحمي الحركة من الوصول إلى مرحلة حدوث العجز الإداري والفني عند إقامة السلطة.
والشرط الأساسي في ممارسة تحقيق هذه الأهداف الموازية لهدف إقامة السلطة هو ألا يطغى هدف بعينه على بقية الأهداف الموازية، وألا يطغى مجموع الأهداف الموازية على هدف إقامة السلطة والإعداد لها بالصورة الحركية المباشرة؛ لأن له الاعتبار الأول في الدعوة... ودون أن يوقف هذا الهدف الأساسي هذه الأعمال لأنها واجبات أصلية بصفتها الشرعية، ومؤدية إلى الهدف الأساسي بصفتها الحركية.
الخط الثاني: هو أن يكون للمستضعفين في زمن الحركة الولاية في نظام الدولة45... وذلك لأن الدولة والسلطة فتنة فلا يجب أن يتعرض لها إلا من لا تضره بإذن الله... والمستضعفون هم الذين عرضت على قلوبهم الفتن كالحصير عودًا عودًا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث46.
فالمستضعفون هم الذين لا تضرهم الدنيا والسلطان بعد أن مروا بمرحلة الاستضعاف...
من ناحية أخرى... فإن تولية المستضعفين مسألة عدل... يدل على ذلك خطبة عمر بن الخطاب التي رواها ليست عند عباس قائلًا: خطب عمر بن الخطاب بالجابية فقال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقامي فيكم فقال:"استوصوا بأصحابي خيرًا، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم"47. كما قال عمر أيضًا في موضع اخر: إن الله عز وجل جعلني خازنًا لهذا المال وقاسمه له ثم قال: بل الله يقسمه وأنا بادئ بأهل النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم أشرفهم، نفرض لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم عشرة الاف إلا جويرية وصفية وميمونة، فقالت عائشة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعدل بيننا، فعدل بينهن عمر، ثم قال: إني بادئ بأصحابي المهاجرين الأولين فإنا أخرجنا من ديارنا ظلمًا وعدوانًا، ثم أشرفهم، ففرض لأصحاب بدر منهم خمسة الف: ولمن شهد بدرًا من الأنصار أربعة الاف ولمن شهد أحد ثلاثة الاف قال: ومن أسرع في الهجرة أسرع به العطاء، ومن أبطأ في الهجرة أبطأ به العطاء؛ فلا يلومن رجلًا إلا مناخ راحلته48.
ومن ناحية ثالثة... فإن تولية المستضعفين وهم خير من حفظهم الله من فتنة السلطة سيكونون خير من يحفظون أمانة السلطة.
وهذه خطبة عتبة بن غزوان التي تمثل الوثيقة السياسية التي يتأكد منها منهج الدعوة في الانتقال من مرحلة الحركة إلى مرحلة الدولة.
خطبنا عتبة بن غزوان فحمد الله وأثنى عليه، قال: أما بعد: فإن الدنيا قد اذنت بصرم وولت حذاء ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء يتصابها صاحبها وإنكم منتقلون منها إلى دار لا زوال لها؛ فانتقلوا بخير ما بحضرتكم فإنه قد ذكر لنا أن الحجر يلقى من شفة جهنم فيهوي فيها سبعين عامًا لا يدرك لها قعرًا، ووالله لتملأن، أفعجبتم، ولقد ذكر لنا أن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين سنة؛ وليأتين عليها يوم وهو كظيظ من الزحام ولقد رأيتني سابع سبعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لنا طعام إلا ورق الشجر حتى قرحت أشداقنا فالتقطت بردة فشققتها بيني وبين سعد بن مالك فاتزرت بنصفها واترز سعد بنصفها فما أصبح اليوم منا أحد إلا أصبح أميرًا على مصر من الأمصار، وإني أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيمًا وعند الله صغيرًا، وإنها لم تكن نبوة قط إلا تناسخت حتى يكون اخر عاقبتها ملكًا فستخبرون وتجربون الأمراء بعدنا49.
ومن تحليل الوثيقة يتبين: