فهرس الكتاب
بل إن النتيجة الصحيحة التي يمكن الوصول إليها بأسلوب غير صحيح محكوم عليها بالبطلان ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم:"من قال في كتاب الله برأيه وأصاب فقد أخطأ"60 لأن منهج أو أسلوب الوصول إلى النتائج يجب أن يكون صحيحًا في ذاته حتى يكون صحيحًا في نتيجته وبذلك تقوم الدعوة بالحق ويقوم الإسلام بالإسلام.
2)التوافق بين المبدأ والمصلحة:
إن أهم الحقائق المعروفة في الدعوة الإسلامية أنها دعوة مبادئ؛ وهذا ما سلم به أعداء الدعوة أنفسهم... حتى أن أبا سفيان يسأل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمام هرقل ولم يكن قد أسلم بعد... سؤالًا خطيرًا... أيغدر؟ قال: لا يغدر61...
ولكن موقفا آخريدل على أن الحفاظ على مبادئ الدعوة أمر لايمكن التفريط فيه مهما بلغت درجته وهذا الموقف الرجل أمام الرسول الله صلى الله عليه وسلم وقد جاءه رجل كان الرسول قد أحل دمه ووقف الرجل أمام الرسول ومشى دون أن يمسه أحد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للصحابة: لم لم تقتلوه؟ قالوا يا رسول الله! هلاّ أشرت إلينا؟ فقال: ما كان لنبي أن يكون له غلة. أي إشارة خفية62.
3)التوافق بين الوسيلة والغاية:
وكذلك الوسائل بعد الأساليب يجب أن تكون من الإسلام ذاته. من أجل ذلك رد النبي صلى الله عليه وسلم مشركًا يريد القتال مع المسلمين قائلًا له:"نحن لا نستعين بمشرك"63.
بل قد يبلغ الأمر أن يرد الرسول صلى الله عليه وسلم رجلًا لعن ناقته أثناء الذهاب إلى الغزو قائلًا له: ارجع بها لا تصحبنا بملعون64.
4)الدلالة السياسية للحدث السياسي:
ولما كان الموقف السياسي هو النقطة المتحركة للاتجاه السياسي كان لابد أن يقوم الموقف السياسي علي معناه الدال علي الاتجاه السياسي والقوة السياسية.
وهذا المعني هو ما نتفق علي تسمية بالدلالة السياسية.
وعلي هذا الاساس يقوم إنشاء الحدث بدلالة مقبولة أو نفي دلالة مرفوضة أو الاثنتين معًا.
والدلالة السياسية متعددة: منها الدلالة العملية، ومنها الدلالة القولية، ومنها الدلالة الشخصية.
وأقوي أمثلة ارتباط الموقف السياسي بدلالته هو المفاوضات والمعاهدات.
والدلالة الثابتة التقليدية للمعاهدات من الجانب الإسلامي:
1)إثبات وحدة الموقف.
2)فرض الإرادة السياسية.
3)تحقيق مكاسب عملية.
ومن الجانب الجاهلي غالبا ما يكون هدم هذه الاهداف وتضييع هذه الدلالات.
مثلما قال المفاوض عن قريش لرسول صلى الله عليه وسلم في معاهدة الحديبية:"جئت بأوشاب الناس لتفض بهم بيضتك وما أراهم إلا منفضين عنك"فأثبت له الصحابة غير ذلك عندما ابتدروا نخامة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومسحوا بها أجسادهم، وتنافسوا علي وضوئه ليشربوه؛ حتى رجع المفاوض الي قريش ليقول لها: لقد رأيت الروم وقيصر، والفرس وكسري؛ فما وجدت قومًا يعظمون صاحبهم كما يعظم أصحاب محمد محمدًا؛ وأري أن تصالحوه.
ومثلما حاول مفاوض الفرس في معاهدته مع المسلمين إنشاء شرخ في بناء موقفهم السياسي فاتفق مع المفاوض المسلم علي معاهدة الصلح، وأخبره أنها تبدأ من اليوم الذي تم فيه عقد هذا الصلح، ثم جاء مفاوض آخر فوافق مفاوض الفرس علي المعاهدة وأخبره أنها تبدأ من اليوم الذي جاء فيه المفاوض الثاني فرفض المفاوض المسلم أن يكون بدء المعاهدة من اليوم بل من الأمس كما حدد ذلك أخوه السابق عليه؛ وبذلك تتحقق وحدة الموقف وتخفق خطة الفرس في التفريق بين المفاوضين المسلمين حتى ولو بفارق يوم في تحديد تاريخ المعاهدة.
ولعل وحدة الموقف هذه التي أثبتها المفاوض الثاني هي التي ثبت معها فرض الإرادة السياسية وذلك بتمسكه باتفاق أخيه علي تاريخ المعاهدة.
ثم نبدأ طرح نماذج عامة بعد نموذج المعاهدات للموقف السياسية المتضمنة لجميع أنواع العلاقات بين الموقف السياسي كحدث له دلالته المتحققة من خلاله.
أنموذج:
دلالة سياسية تحققت بالكلام دون عمل وهو حديث عائشة:"يا عائشة لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهدم، فأدخلت فيه ما أخرج منه وألزقته بالأرض، وجعلت له بابين بابًا شرقيًا وبابًا غربيًا فبلغت به أساس إبراهيم"65.
أنموذج:
من أمثلة إثبات الدلالة بصورة واضحة لا تحتمل غيرها هو حادثة المرأة التي ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم قبيلتها وقاتل القبائل حولها.
كنا في سفر مع النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنا أسرينا حتى إذا كنا في آخر الليل وقعنا وقعة ولا وقعة أحلي عند المسافر منها، فما أيقظنا إلا حر الشمس، فلما استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم شكوا إليه الذي أصابهم، قال:"لا ضير - أو لا يضير - ارتحلوا". فارتحل، فسار غير بعيد، ثم نزل فدعا بالوضوء فتوضأ، ونودي للصلاة فصلى بالناس، فلما انفتل من صلاته إذا هو برجل معتزل لم يصلِّ مع القوم، قال:"ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم؟!". قال: أصابتني جنابة... ولا ماء. قال:"عليك بالصعيد؛ فإنه يكفيك". ثم سار النبي صلى الله عليه وسلم فاشتكى إليه الناس من العطش، فنزل فدعا فلانًا - كان يسميه أبو رجاء نسيه عوف - ودعا عليًّا فقال:"اذهبا فابتغيا الماء". فانطلقا فتلقيا امرأة بين مزادتين - أو سطيحتين - من ماء على بعير لها فقالا لها: أين الماء؟ قالت: عهدي بالماء أمس هذه الساعة، ونفرنا خلوفًا. قالا لها: انطلقي إذًا. قالت: إلى أين؟ قالا: إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالت: الذي يقال له الصابئ؟ قالا: هو الذي تعنين، فانطلقي
فجاءا بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم وحدثاه الحديث. قال: فاستنزلوها عن بعيرها، ودعا النبي صلى الله عليه وسلم بإناء ففرغ فيه من أفواه المزادتين - أو السطيحتين - وأوكأ افواههما وأطلق العزالى ونودي في الناس: استقوا. فسقى من شاء، وكان آخر ذاك أن أعطى الذي أصابته الجنابة إناء من ماء قال: اذهب فأفرغه عليك. وهي قائمة تنظر إلي ما يفعل بمائها. وأيم الله لقد أقلع عنها وإنه ليخيل إلينا أنها ملاة منها حين ابتدأ فيها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اجمعوا لها. فجمعوا لها - من بين عجوة ودقيقة وسويقة - حتى جمعوا لها طعاما فجعلوها في ثوب وحملوها ووضعوا الثوب بين يديها، قال لها: تعلمين ما رزئنا من مائك شيئًا، ولكن الله هو الذي أسقانا... فكان المسلمون بعد ذلك يغيرون علي من حولها من المشركين ول يصيبون الصرم الذي هي منه. فقالت يوما لقومها: ما أري أن هؤلاء القوم يدعونكم عمدًا، فهل لكم في الإسلام؟ فأطاعوها، فدخلوا في الإسلام66.
أنموذج:
نفي دلالة مرفوضة، وإثبات دلالة مقبولة.
عن ابن عمر قال: كنا في غزاة فحاص الناس حيصة. قلنا: كيف نلقي النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد فررنا من الزحف، وبؤنا بالغضب؟ فأتينا النبي صلى الله عليه وسلم قبل صلاة الفجر، فخرج فقال: من القوم؟ فقلنا نحن الفرارون، قال: لا بل أنتم العكارون (أي الكرارون) ، فقبلنا يده، فقال: أنا فئتكم وفئة المسلمين، ُثم قرأ (إلا متحرفًا لقتال أو متحيزًا إلي فئة) 67.
وذلك في تفسير قول الله عز وجل:"إذا لقيتم الذين كفروا زحفًا فلا تولوهم الأدبار".
وفي غزوة أحد حيث وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الغزوة وجمع المسلمين حوله ليردوا علي أبي سفيان الذي أراد أن يحقق نتيجة سياسية للغزوة...