فهرس الكتاب
وأشرف أبو سفيان فقال: أفي القوم محمد؟ فقال:"لا تجيبوه"فقال أفي القوم ابن أبي قحافة؟ فقال:"لا تجيبوه". فقال أفي القوم ابن الخطاب؟ فقال: إن هؤلاء قتلوا، فلو كانوا أحياء لأجابوا. فلم يملك عمر نفسه فقال: كذبت يا عدو الله، أبقي الله عليك ما يخزيك! قال أبو سفيان: أعل هبل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم"أجيبوه". قالوا: ما نقول؟ قال"قولوا: الله أعلي وأجل". قال أبو سفيان. لنا العزي ولا عزي لكم. فقال الني صلى الله عليه وسلم:"أجيبوه"قالوا ما نقول؟ قال"قولوا: الله مولانا ولا مولي لكم". قال أبو سفيان يوم بيوم بدر، والحرب سجال. قال الني صلى الله عليه وسلم:"أجيبوه"! قالوا: ما نقول؟ قال"قولوا: قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار"68.
حتى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سار ورائهم بالجيش وأقام ثلاث ليال حتى سميت غزوة حمراء الأسد69.
وكان في هذا أيضًا نفي دلالة مرفوضة وإثبات دلالة مقبولة.
فالوقوف بعد أحد ثلاث لنفي دلالة مرفوضة وهي قبول الهزيمة وإثبات دلالة مقبولة وهي الإصرار علي مواصلة الجهاد بعد حرمان العدو من تحقيق أي نتيجة سياسية لصالحه.
أنموذج:
حدث قام علي حفظ صورة الدعوة في نظر الناس كدلالة مطلوبة.
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما:"كنا في غزاه... فكسع70 رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار! وقال المهاجري: يا للمهاجرين! فسمعها الله رسوله صلى الله عليه وسلم قال: ما هذا؟"
فقالوا: كسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار؟ فقال الأنصاري: يا للأنصار! وقال المهاجري: يا للمهاجرين! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دعوها؛ فإنها منتنة. قال جابر: وكان الأنصار حين قدم النبي صلى الله عليه وسلم أكثر، ثم كثر المهاجرون بعد فقال عبد الله بن أبي... أو عمر بن الخطاب رضي الله عنه: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق! قال النبي صلى الله عليه وسلم: دعه حتى لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه71.
أنموذج:
حدث نشأ بدلالة مقبولة، بعد تجريده من دلالة مرفوضة.
بعث النبي صلى الله عليه وسلم خيلا قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج اليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما عندك يا ثمامة؟ فقال: عندي خير يا محمد: إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تنعم علي شاكر، وإن كنت تريد المال فاسأل ما شئت، فترك حتى كان الغد ثم قال له، ما عندك يا ثمامة؟ قال: ما قلت لك: إن تنعم علي شاكر، فتركه حتى كان بعد الغد، فقال: ما عندك يا ثمامة؟ قال: عندي خير.
فقال: أطلقوا ثمامة. فانطلق إلي نخل قريب من المسجد، فاغتسل ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله 72...
والملاحظة الأساسية في الحديث أن ثمامة ذكر الدم في اليوم الأول؛ ولذا تركه رسول الله صلى الله عليه وسلم مربوطا؛ لأنه لو تركه بعد ذكره الدم لكان معني الموقف هو الطمع في الدية أو الفداء. وفي اليوم الثالث لم يذكر ثمامة الدم أو المال فقال: عندي خير فقال أطلقوا ثمامة.
إن القاعدة السياسية التي يتضمنها هذا الموقف هي شرط جوهري في الممارسة السياسية وإنشاء الموقف السياسي وهو: الوضوح ومعناه أن يكون للموقف تفسير واضح لا يحتمل غيره ولذلك ترك رسول الله ثمامة حتى أصبح لإطلاق سراحه تعبير واحد ومعني واحد هو الإكرام الذي لا يختلط به معني الطمع في الدية أو الخوف من الثأر.
أنموذج:
حدث قام علي حفظ وحدة الموقف، وهي من أخطر دلالات الموقف السياسي.
لما غدر يهود بني قريظة بالمسلمين في غزوة الخندق وتحالفوا مع المشركين كان لابد من إجلائهم؛ لأن وجودهم كان مرهونًا بالمعاهدة التي كانت بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولكن تحالف اليهود مع الأنصار قبل دخول الرسول صلى الله عليه وسلم والذي لم يزل قائما بعد دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة كان يمثل مشكلة خطيرة...
فالواجب إجلاؤهم ٍوقتالهم... وهم حلفاء الأنصار في نفس الوقت... فما الموقف...؟
كان الموقف السياسي هو إحالة أمرهم إلي الأنصار ذاتهم... فطلب منهم رسول الله أن ينزلوا علي حكم من يختارون. وكان من الطبيعي أن يكون اختيارهم من الأنصار باعتبارهم حلفاءهم؛ فاختاروا سعد بن معاذ سيد الأنصار.
وكما تقول كتب السيرة:"فلما أصبحوا نزلوا علي حمك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتواثبت الأوس فقالوا: يا رسول الله إنهم موالينا دون الخزرج، وقد فعلت في موالي إخواننا بالأمس ما قد علمت..."
فلما كلمته الأوس قال: ألا ترضون يا معشر الأوس أن يحكم فيهم رجل منكم؟ قالوا: بلي؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فذاك إلي سعد بن معاذ... فلما حكمه رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني قريظة أتاه قومه فحملوه علي حمار قد وطؤا له بوسادة من أدم، وكان رجلًا جسيمًا جميلًا، ثم أقبلوا معه إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يقولون: يا أبا عمرو، أحسن في مواليك، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما ولاك ذلك لتحسن فيهم؟ فلما أكثروا عليه قال: لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم. فرجع بعض من كان معه من قومه إلي دار بني عبد الأشهل. فنعي لهم رجال بني قريظة، قبل أن يصل إليهم سعد، عن كلمته التي سمع منه.
فلما انتهي سعد إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قوموا إلي سيدكم... فقاموا إليه، فقالوا يا أبا عمرو، إن رسول الله قد أمر مواليك لتحكم فيهم؛ فقال سعد بن معاذ: عليكم بذلك عهد الله وميثاقه أن الحكم فيهم لما حكمت؟ قالوا: نعم، قال: وعلى من ها منا، في الناحية التي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو معرض عن رسول الله إجلالًا له؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم؛ قال سعد: فإني أحكم فيهم أن تقتل الرجال، وتقسم الأموال، وتسبي الذراري والنساء. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة73.
أنموذج:
حدث قام علي أساس توجيه أعداء الدعوة بما يناسب مصلحة الدعوة ذاتها.
قال أبو داود حدثنا محمد بن داود بن سفيان أخبرنا عبد الرازق أخبرنا معمر عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن كفار قريش كتبوا إلي ابن أبي ومن كان معه يعبد الأوثان من الأوس والخزرج ورسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ بالمدينة: آويتم صاحبنا وإنا نقسم بالله لنقاتلنه أو لنخرجنه أو لنسيرن إليكم بأجمعنا حتى نقتل مقاتلتكم ونسبي نساءكم فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ ما كانت تكيدكم بأكثر مما تريدون أن تكيدوا به أنفسكم يريدون أن تقاتلوا بأبنائكم وإخوانكم؛ فلما سمعوا ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم تفرقوا74."
وهذا الموقف يتضمن قاعدة سياسية هامة وهي توجيه أعداء الدعوة إلي اتخاذ الموقف المناسب للدعوة بمنطق المصلحة لهؤلاء الأعداء وهذا الذي فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عبدة الأوثان الذين اجتمعوا لقتاله. وهو ما فعله مع قريش ذاتها عندما بلغه أنهم خرجوا إليه بالعوذ المطافيل75 لقتاله فقال: ويح قريش لقد أكلتها الحرب خلوا بيني وبين القبائل فإن كان الأمر لي عليهم كان شرفا لهم وإن كان الأمر لهم علي كان ما يرجون76. نفس منطق المصلحة يتحدث به الرسول إلي أعدائه ليوجههم إلي الموقف المناسب للدعوة...