فهرس الكتاب
ب) أبعاد الممارسة السياسية (الحدود النهائية) :
1)البعد الجماهيري للتصور السياسي"العامة":
والعامة هي العنصر الأساسي من عناصر الأمة حيث أن الأمة هي: الحكم، والملأ، والعامة وهذا العنصر هو المحقق لمعني الأمة المرتبط بخصائصها القدرية.
وهذه الخصائص هي:
-العصمة: حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم:"لا تجتمع أمتي علي ضلالة"77 وقال:"لا يجمع الله هذه الأمة إلا علي هدي"78.
-الرحمة: حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم:"هذه الأمة مرحومة"79.
-النصر: حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم:"هذه الأمة منصورة"80. وقال"لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر هذا الدين لا يضرهم من خالفهم"81.
وهذه الخصائص مرهونة بالأمة بمعني السواد الأعظم باعتبارها العنصر الأساسي للأمة وكذلك الضمان الأخير لتحقيق معني الجماعة؛ ولذلك جاء معني الجماعة في مجموع النصوص الواردة بأربعة معايير؛ وكان منها معيار العامة 82.
ومما يجب إدخاله في الاعتبار وجوبًا شرعيًا جوهريًا هو أن العامة في دار الإسلام هي المقصودة - أساسًا - بهذا المصطلح. أما العامة في دار الكفر فلا تنطبق إلا علي من كره ما عليه المجتمع من الكفر وهذه هي البراءة المذكورة في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن كره فقد برء إلا من رضي وتابع...
فلا يمكن أن نتصور أن مجموع الراضين عن الكفر والتابعين لأهله الملتصقين بهم في كفرهم أو مجموع الهمج الرعاع أتباع كل ناعق هم المحققون لمصطلح السواد الأعظم.
قيمة التوجه للعامة:
والحقيقة أن التعامل مع العامة ترجع أهميته إلي ارتباطه المباشر بغاية الدعوة وهي الهداية.
وذلك أن غاية الدعوة هي أن يؤمن الناس. وعندما يتمكن أصحاب الدعوة من التعامل المباشر مع الناس.
فإن هذا الأمر تكون له أهمية ضخمة قد تقترب من أهمية محاولة إقامة السلطة الإسلامية؛ لأن هدف هداية الناس هو أهم أسباب قيام هذه السلطة.
كما نعلم أن إسقاط الحكم الجاهلي هو إزاحة لأهم وصول الحق إلي الناس، وعندما تنشأ ظروف الدعوة التي تتاح فيها إمكانية وصول الحق إلي الناس...
تكون قد تحققت نتيجة أصلية هي نفسها أهم نتائج إسقاط الحكم الجاهلي وإقامة الحكم الإسلامي.
ومن هنا كان من أهم معاني الفتح 83 معاهدة الحديبية؛ لأن هذه المعاهدة هي التي أتاحت هذا الاتصال المباشر بين المسلمين والكفار، فحقق هذا الاتصال إيمان تسعة أعشار المسلمين الذين كانوا في فتح مكة ومن هنا كان لمعاهدة الحديبية معني الفتح؛ لأن لها حقيقته وسببه وغايته وهي أن يؤمن الناس...
وكما ترجع قيمة فرصة الاتصال بالناس إلي نتيجتها ترجع إالي سببها.
إن الجاهلية لا تتيح هذه الفرصة... بغير حساب.
إنها تتيحها تسليما بأقل الأخطار عليها.
إن الجاهلية توازن كما وازنت قريش فوافقت علي المعاهدة، وأعطت الجاهلية فرصة الدعوة عندما أيقنت أن الدعوة أمر واقع لا يمكن مواجهته. وعندما أيقنت أن استنفاد طاقة الدعاة في الدعوة بالكلمة هو البديل الحتمي لممارسة القوة.
فالفرصة لها ثمن، والفرصة ليست رخيصة، والفرصة ليست عارضة...
إنها محسوبة وبدقة من جانب الطرف الجاهلي الذي سلم بحركة الدعاة المتجهة إلي الناس.
وباعتبار أن عنصر الكثرة هي أهم عناصر العوام؛ فإن تحقيق الإضلال لهم أصبح أكبر أهداف الشيطان؛ لأن الشيطان يسعي أن يموت أكثر الناس علي الكفر.
ومن هنا فإن التعامل المباشر مع الناس هو الذي يقطع علي الشيطان هدفه في الإضلال العام.
وقد تكون مهمة إسقاط الحكم الجاهلي بالصفة الانقلابية أخطر وأشد؛ ولكن دعوة الناس مباشرة تستوعب أكبر عدد ممكن من هؤلاء الناس.
وهذا هو الذي يعطي لأسلوب الاتصال المباشر بالناس أهمية وقيمة.
فليست الخطورة معني مرادفا للأهمية في منهج الحركة.
فقد يكون الأمر أقل خطورة وأكثر أهمية.
أو أقل أهمية وأكثر خطورة.
ضرورة التوجه... ذلك لأن التوجه هو الذي يحقق أكبر فرصة لاستخلاص الطاقات الصالحة للحركة... وهناك في واقع الناس معادن مغمورة يقول فيها النبي صلى الله عليه وسلم:"خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا"84.
إن التوجه إلي الناس... لا يعني أن يؤمن كل الناس... فإذا كانت الاستجابة قليلة فإن هذهالقلة هي النتيجة الطبيعية؛ وإدراك هذه الحقيقة يعالج اليأس الذي قد يطرأ علي أصحاب الدعوة إذا بذلوا جهدًا ضخمًا مع الناس.
ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم:"الناس كإبل مائة... لا تكاد ترى فيه راحلة"85.
كما يعالج الرسول صلى الله عليه وسلم اليأس في نفوس الدعاة إذا اقتربوا ممن يحمل كرهًا شديدًا للدعوة بحيث يصبح هذا الامر سببًا في الأمل والرجاء؛ فيقول النبي صلى الله عليه وسلم:"أشد الناس كرهًا لهذا الأمر هم أشد الناس حبًا له بعد الدخول فيه"86.
والقاعدة السياسية في تحقيق التأثير في العامة هي تحقيق مقتضيات الكيان الصحيح للدعوة:
1)البطولة وهي النموذج الإنساني السليم للتأسي والاقتداء إسلاميًا.
2)التماسك. ويراجع فيه معاهدة الحديبية.
3)التضحية والبذل.
4)الثبات علي العقيدة الذي جعل مشركًا يسلم لما ضرب مسلمًا ليقتله، فسمعه يقول: فزت ورب الكعبة.
أما أساسيات التوجه من حيث الاسلوب الحركي ومن حيث قضايا التبليغ.
فإن الأسلوب الحركي في دعوة العامة قائم علي قاعدة أن نغشي الناس كما قال الصحابي للنبي صلى الله عليه وسلم عند قدومه إلي المدينة:"اغشنا في مجالسنا"87.
ومن كلمة"اغشنا"ينطلق أسلوب التعامل مع العامة.
ومن كلمة"غشي"تنشأ عناصر الأسلوب. ومن لسان العرب.
1)أن غشينا من ذلك شيء من القصد إلي الشيء والمباشرة والتوجه.
2)وفي حديث المسعي: فإن الناس غشوه أي ازدحموا عليه وكثروا.
3)الغشاء: الغطاء والعموم.
4)غشي الشيء: إذا لابسه.
وبذلك يجتمع في معني (غشي) التوجه، والتعميم والازدحام والكثرة والملابسة.
يجب أن نغشي الناس فنذهب إليهم بكثرة... وليس مجرد التسلل إليهم.
ونغشاهم... وليس مجرد لقاءات عابرة.
والهدف...
هو أن تعيش الجماهير واقع الدعوة الذي يستردهم من أسر الإعلام الجاهلي.
الجماهير أسيرة... والدعوة تتطلب إنقاذهم واستردادهم وفك أسرهم.
والوسيلة: هي أن تصبح دعوة الجماهير موازية ومقابلة لمكر الليل والنهار.
السحر... البهارج والألوان الشيطانية التي تأخذ عيون الناس.
موازية للخبث الذي يصل إلي أعماق النفس البشرية.
للإغراء والفتنة... للكيد والدهاء.
الجماهير في وضع لا يطاق... نادرًا ما تجد ناجيًا من لوثته.
وحتى لا تخاف الجماهير عندما ترى الدعاة يقتربون منهم.
يجب أن يكون هذا الاقتراب من خلال المبررات الطبيعية لهذا الاقتراب.
فترتكز حركة التوجه إلي الجماهير من خلال مبرراته الطبيعية:
القرابة... الجواز... الصداقة... أو أي مبرر طبيعي آخر...
هذا هو الأساس في الأسلوب الحركي في التوجه للعامة.
ثم نأتي إلي الأساس في أسلوب عرض القضايا وهو البساطة.
الأمية:
والحد النهائي للبساطة هو مفهوم الأمية...
والأمية تعني التسليم بحقائق هذا الدين بغير مسلمات فكرية مسبقة؛ وعندئذ يخلو الملتقي من الخلط بين وحي السماء والثقافات الخاصة، ويعبر النبي صلى الله عليه وسلم عن حقيقة الأمية بقوله:"نحن قوم أميون الشهر وهكذا وهكذا"88 مشيرًا بيده وأصابعه.
يعني أنه أشار بيده ثلاث مرات:
في المرة الأولي والثانية يبسط أصابعه كلها دلالة علي عشرة أيام وعشرة أيام، وفي الثالثة بسط أصابعه عدا واحدًا؛ للدلالة علي رقم (9) أي أن الشهر (29) يومًا.