فهرس الكتاب

الصفحة 1150 من 1942

ولعل أهم أمثلة التعالي الجاهلي بالثقافة المقابلة للأمية... كانت الثقافة اليونانية والرومانية.

وكانت هذه الثقافة هي بذاتها مادة اختلاط حقائق الدين المسيحي المنزلة من عند الله.

وكانت سببًا مباشرًا في دخول هذه الوثنية إلي الدين المسيحي والترحيب بها لكثير من بلاد الدين المسيحي ذاته.

وكما تكون البساطة أساسا في أسلوب عرض قضايا الدعوة كذلك تفعل الجاهلية وفي مواجهة قضايا الدعوة.

الارتكاز الجاهلي علي خصائص الجماهير

هذا هو النمرود الذي حاج إبراهيم ربه يقول:"أنا أحيي وأميت) فينتقل سيدنا إبراهيم إلي دليل آخر ولم يكن هذا تسليمًا بإمكانية ذلك ولكنه اليقين بإمكانية خداع الجماهير بأي صورة من الصور التي وردت في التفسير. وهي أن يأتي بأثنين محكومًا عليهما بالإعدام فيعدم أحدهما، ويترك الآخر، ويقول: أنا أحيي وأميت. فتصرخ الجماهير المقتنعة بذلك الموقف الوهمي والمتحمسة لموقف الملك الكذاب."

هذه هي الجماهير في ظل الجاهلية.

وهذا فرعون يقول: (يا هامان ابن لي صرحًا لعلي أبلغ الأسباب) إنما يحقق مضاعفة الخضوع؛ لأنهم يعرفون هامان كما يعرفون فرعون.

تتضاعف رموز السيطرة في إحساس الجماهير.

هذا هو النمرود الذي حاج إبراهيم في ربه يقول:"أنا أحيي وأميت"... فينتقل سيدنا إبراهيم إلى دليل آخر، ولم يكن هذا تسليمًا بإمكانية ذلك، ولكنه اليقين بإمكانية خداع الجماهير بأي صورة من الصور التي وردت في التفسير... وهي أن يأتي باثنين محكومًا عليهما بالإعدام فيعدم أحدهما ويترك الآخر، ويقول: أنا أحيي وأميت. فتصرخ الجماهير بذلك الموقف الوهمي والمتحمسة لموقف الملك الكذاب.

هذه هي الجماهير في ظل الجاهلية.

وهذا هو فرعون يقول:"يا هامان ابن لي صرحًا لعلي أبلغ الأسباب"... إنما يحقق مضاعفة الخضوع؛ لإنهم يعرفون هامان كما يعرفون فرعون.

تتضاعف رموز السلطة في إحساس الجماهير.

وعندما يقول:"ابن لي صرحًا"يبدو أمام الجماهير في غاية الموضوعية والمنطقية، وكأنه سيسر مع القضية خطوة خطوة، وأمام الناس.

وبذلك تصبح الجماهير الساذجة أمام الفضاء... يضع أعينهم أمام الفراغ... ماذا بعد الصرح؟! لا شيء... وهذه هي النتيجة المطلوبة.

أن يعتقد الناس أنه لا شيء في السماء وأن موسى كاذب.

إن البساطة أمر واضح محقق.

إن العامة تنخدع بمنتهى البساطة.

ألم يجعل لهم السامري عجلًا جسدًا له خوار؟ وبنفس منطق السامري واصل الصليبيون الخداع.

وهذا فصل حيل الرهبان:

وفيها يقول ابن تيمية:"وقد صنف بعض الناس مصنفًا في حيل الكهان، مثل الحيل المحكية عن أحدهم في جعل الماء زيتًا بأن يكون الزيت في جوف المنارة فإذا نقص صب فيها ماء فيطفو الزيت على الماء؛ فيظن أن نفس الماء انقلب زيتًا."

ومثل الحيلة المحكية عنهم في ارتفاع النخلة، وهو أن بعضهم مر بدير راهب... أسفل منه نخلة فأراه النخلة صعدت شيئًا حتى حازت الدير فأخذ من رطبها، ثم نزلت حتى عادت كما كانت، فكشف الرجل الحيلة... فوجد النخلة في سفينة في مكان منخفض إذا أرسل عليه الماء امتلأ حتى تصعد السفينة، وإذا صرف الماء إلى موضع آخر هبطت السفينة.

ومثل الحيلة المحكية عنهم في التكحل بدموع السيدة مريم، وهو أنهم يضعون كحلًا في ماء متحرك حركة لطيفة، فيسيل حتى ينزل من تلك الصورة فيخرج فيظن أنه دموع.

ومثل الحيلة التي صنعوها بالصورة التي يسمونها القونة بصيدنايا، وهي أعظم مزاراتهم بعد القيامة وبيت لحم، حيث ولد المسيح وحيث قبر - في زعمهم - فإن هذه هي صورة السيدة مريم، وأصلها حشة نخلة سقيت بالأدهان حتى سمنت وصار الدهن يخرج منها مصنوعًا يظن أنه من بركة الصورة.

ومن حيلهم الكثيرة... النار التي يظن عوامهم أنها تنزل من السماء في عيدهم في قمامة... وهي حيلة قد شهدها غير واحد من المسلمين والنصارى ورأوها بعيونهم أنها نار مصنوعة يضلون بها عوامهم، يظنون أنها نزلت من السماء، ويتبركون بها، وإنما هي صنعة صاحب محال وتلبس"89."

وقد أورد ابن كثير رحمه الله عند تفسيره قول الله تعالى:"يعلمون الناس السحر) حكاية عن بعض الرهبان، وهو أنه سمع صوت طائر حزين الصوت ضعيف الحركة، فإذا سمعته الطيور ترق له فتلقي في وكره من ثمر الزيتون ليتبلغ به، فعمد هذ الراهب إلى صنعة طائر على شكله، وتوصل إلى أن جعله أجوف فإذا دخلته الريح يسمع منه صوتًا كصوت ذلك الطائر، وانقطع في صومعة ابتناها، وزعم أنها على قبر بعض صالحيهم، وعلق ذلك الطائر في مكان منها، فإذا كان زمان الزيتون فتح بابًا من ناحيته، فتدخل الريح إلى داخل هذه الصورة فيسمع صوتها كل طائر في شكله أيضًا، فتأتي الطيور فتحمل من الزيتون شيئًا كثيرًا فلا ترى النصارى إلا ذلك الزيتون في هذه الصومعة، ولا يدرون ما سببه، ففتنهم بذلك وأوهمهم أن هذا من كرامات صاحب هذا القبر... عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة."

وبعد عرض البعد الجماهيري للتصور السياسي... قيمته وضرورته وأسس ممارسته، فإنه يجب أن يتقرر:

أن العمل الجماهيري لا يمثل بديلًا عن العمل العسكري ولا نقابلًا له ولا مؤثرًا فيه.

ذلك لأن حسابات العمل الجماهيري قائمة على هدف استيعاب"القوة الجاهلية"في تيار الحركة الإسلامية، ولأن هدف العمل العسكري هو إضعاف هذه القوة وإفناؤها.

وفي حالة العمل الجماهيري المحقق [لاستيعاب] القوة الجاهلية.

وفي حالة العمل العسكري المحقق [لإفناء] القوة الجاهلية التي لم يستوعبها العمل الجماهيري.

لن تكون هناك [قوة جاهلية] رافضة لإقامة الحكم الإسلامي.

ولكن السنة الثابتة للتدافع بين الجاهلية والإسلام لن تترك التيار الإسلامي يستوعب الواقع الجاهلي بجماهيره وقوته دون أن تمنعه.

ومن هنا نشأ مفهوم حتمية العمل العسكري... بحيث يصل هو الآخر إلى مرحلة السنة الثابتة للعمل الإسلامي.

ولذلك قرر ورقة بن نوفل لرسول الله صلى الله عليه وسلم حقيقة المعاداة باعتبارها سنة ثابتة من سنن الثوابت، وليس باعتبارها حقيقة مستخلصة من خبرة الواقع.

فكانت حقيقة التدافع هي الحقيقة الأولى التي قالها النبي صلى الله عليه وسلم بعد حقيقة الوحي من حديث ورقة، إذ قال له بعد إخباره بالنبوة: يا ليتني كنت جذعًا إذ يخرجك قومك. قال:"أو مخرجيَّ هم؟!".

قال: نعم... ما أتى أحد بمثل ما أتيت به إلا أُخرج وعُودي90.

وكما يكون الارتكاز على بساطة الجماهير في الإضلال يكون الارتكاز على تحقيق العصبية الجماهيرية للجاهلية.

إن تحقيق عصبية العامة للحكم الجاهلي مهمة صعبة، ولكن الجاهلية تمارسها بكل دقة، ونموذج تلك الممارسة هو الممارسة الفرعونية، وعناصر تلك الممارسة هي أن يشعر العامة أنهم أصحاب السلطة (شركاء في القرار) وهذه فكرة فرعون عندما قال:"فماذا تأمرون".

ويبلغ إحساس العامة بالسلطة الكاملة عندما يقول لهم فرعون:"ذروني أقتل موسى". إن فرعون يقول للعامة: ذروني. ودون أن يستطيع أحد أن يمنعه... يطلب فرعون من العامة أن يتركوه... يطلب التفويض الشعبي في اتخاذ القرار المناسب تجاه موسى، وأن يشعر العامة أنهم أصحاب المصلحة"يريد أن يخرجكم من أرضكم".

أن يشعر العامة أنهم أصحاب السياسة"ويذهبا بطريقتكم المثلى"... سياستكم ومذهبكم السياسي.

أن يشعر العامة أنهم أصحاب القضية والمبدأ"إني أخاف أن يبدل دينكم".

أن يشعر العامة أنهم حماة الواقع وأصحاب الإصلاح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت