ويؤخذ مما قاله لين بول: ( إن محمدًا كان يتصف بكثير من الصفات الحميدة كاللطف والشجاعة ومكارم الأخلاق ، حتى إن الإنسان لا يستطيع أن يحكم عليه دون أن يثار بما تتركه هذه الصفات في نفسه من أثر ، ودون أن يكون هذا الحكم صادرًا عن غير ميل أو هوى ، كيف لا وقد احتمل محمد عداء أهله وعشيرته أعوامًا ، فلم يهن له عزم ، ولا ضعفت له قوة ، وبلغ من نبله أنه لم يكن في حياته البادئ بسحب يده من يد مصافحه ، حتى ولو كان المصافح طفلا ، وأنه لم يمر بجماعة يومًا ، رجالًا كانوا أو أطفالًا دون أن يقرئهم السلام ، وعلى شفتيه ابتسامة حلوة ، وفيه نغمة جميلة كانت تكفي وحدها لتسخر سامعها ، وتجذب القلوب إلى صاحبها جذبًا ) . ومما قاله أيضًا: ( إن كثيرًا من كتاب التراجم والسير من الأوربيين الذين تناولوا الكلام على سيرة محمد لم يتعففوا عن أن يشوهوا هذه السيرة بما أدخلوه عليها من افتراءات وادعاءات ، كاتهاماتهم إياه بالقسوة وارتكاب الموبقات والانهماك في الشهوات ، وإنه كان دجالًا دعيًا وطاغية متعطشًا لسفك الدماء ) .
وعلل مونتيه طعن الغربيين على الرسول بقوله: ( كثيرًا ما حكمت ليه الأحكام القاسية ، وما ذلك إلا لأنه ندر بين المصلحين من عرفت حياتهم بالتفصيل مثله وأن ما قام به من إصلاح الأخلاق وتطهير المجتمع ، يمكن أن يعد به من أعظم المحسنين للإنسانية ) .
وقال: ( لا مجال للشك في إخلاص الرسول وحماسته ) .
قال جان جاك روسو في القرن الثامن عشر: ( من الناس من يتعلم قليلًا من العربية ثم يقرأ القرآن ويضحك منه ، ولو أنه سمع محمدًا يمليه على الناس بتلك اللغة الفصحى الرقيقة ، وذاك الصوت المقنع المطرب المؤثر في شغاف القلوب ، ورآه يؤكد أحكامه بقوة البيان ، لخر ساجدًا على الأرض وناداه: أيها النبي رسول الله خذ بأيدينا إلى موقف الشرف والفخار ، أو مواقع التهلكة والأخطار فنحن من أجلك نود الموت أو الانتصار )
وقال كارلايل أيضًا: ( إن فرط إعجاب المسلمين بالقرآن وقولهم بإعجازه أكبر دليل على تباين الأذواق في الأمم المختلفة والترجمة تذهب بأكثر جمال الصنعة وحسن الصياغة ) .
وجاهر كلود فارير في القرن العشرين بأن ( آيات القرآن جميلة وتحسن تلاوتها ، فيها نفحة طاهرة عجيبة ، لأنها تأمر بالشجاعة والصدق والأمانة ,وتدعو إلى حماية الضعيف وإلى عبادة إله واحد)
وقالت (لورافيشيا فاعليري ) أستاذة اللغة العربية وتاريخ الحضارة الإسلامية في جامعة نابولي بإيطالية: وحاول أقوى أعداء الإسلام - وقد أعماهم الحقد - أن يرموا نبي الله ببعض التهم المفتراة ، لقد نسوا أن محمدًا كان قبل أن يستهل رسالته موضع الإجلال العظيم من مواطنيه بسبب أمانته وطهارة حياته ، ومن عجب أن هؤلاء الناس لا يجشمون أنفسهم عناء التساؤل كيف جاز أن يقوى محمد على تهديد الكاذبين والمرائين في بعض آيات القرآن اللاسعة ، بنار الجحيم الأبدية ، لو كان هو قبل ذلك رجلًا كذابا ؟ كيف يجرؤ على التبشير ، على الرغم من إهانات مواطنيه ، إذا لم يطن ثمة قوى داخلية تحثه - وهو الرجل ذو الفطرة البسيطة - حثًا موصولًا ؟ كيف استطاع أن يستهل صراعًا كان يبدو يائسًا ؟ كيف وفق إلى أن يواصل هذا الصراع أكثر من عشر سنوات في مكة ، في نجاح قليل جدًا وفي أحزان لا تحصى ، إذا لم يكن مؤمنًا إيمانًا عميقًا بصدق رسالته ؟ كيف جاز أن يؤمن به هذا العدد الكبير من المسلمين النبلاء والأذكياء ، وأن يؤازروه ويدخلوا الدين الجديد ويشدوا أنفسهم بالتالي إلي مجتمع مؤلف في كثرته من الأرقاء ، والضعفاء ، والفقراء المعدمين إذا لم يلمسوا في كلمته حرارة الصدق ؟ ولسنا في حاجة إلى أن نقول أكثر من ذلك ، فحتى بين الغربيين يكاد ينعقد الإجماع على أن صدق محمد كان عميقًا وأكيدًا .
مع رسول الله صلى الله عليه وسلم
( في ذكرى المولد تتجه الأنظار إلى المربي الأعظم صاحب الروح الكبيرة التي وسعت آلام الإنسانية وآمالها . فقد غرس في الدنيا - لأول مرة - من أخلاقه ومن روحانيته ومن تربيته صلوات الله وسلامه عليه ، ما ملأ الأرض بالنور ، والعدل والحق . وفي هذه النبذ القصيرة التي نذكرها من أدب رسول الله مع ربه ومع صحبه ومن مواقع كلمه نماذج من تعاليم مدرسته الروحية الكبرى التي أشرقت لها السماوات والأرض ) .
أدبه في عبادته:
كان عليه والصلاة والسلام يجد في العبادة مجلى راحته ، وميدان نعيمه ، كانت قرة عينه في الصلاة ، وكان يقول لبلال حين يريد القيام للصلاة:"أرحنا بها يا بلال"يطيل السجود حتى لتظن عائشة أن الله قد اختاره لجواره وهو ساجد ، ويستحضر من الخشوع والخضوع لله عز وجل ما تفيض منه عبراته ، حتى كان يسمع لصدره أزيز كأزيز المرجل (القدر) من البكاء ، ويكثر من الصلاة في أعقاب الليل ، حتى لتسأله عائشة عن كثرة عبادته ، وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ؟ فيقول لها:"أفلا أكون عبدًا شكورًا"
أدبه مع أهله:
وكان مع هذه العبادة وهذا التبتل يحسن معاملة أهله ، ويداعب أزواجه ، ويتحمل منهن دعابتهن ، وغيرة بعضهن من بعض ، كان يحب عائشة أكثر من زوجاته الأخريات وكان يرسل إليها بنات الأنصار يلعبن معها ، وإذا أحبت شيئًا لا محذور منه ، تابعها عليه . وإذا شربت من الإناء أخذه فوضع فمه في موضع فمها وشرب منه .
أدبه في معاملته:
كان من أحسن الناس معاملة ، وأصدقهم موعدًا ، وأبرهم عهدًا ,إذا استسلف من رجل شيئًا قضاه إياه ودعا له فقال:"بارك الله لك في أهلك ومالك". تقاضاه غريم له دينًا فأغلظ عليه ، فهم به عمر ، فقال عليه الصلاة والسلام:"مه (وتعني أكفف واسكت) ياعمر ! كنت أحوج إلي أن تأمرني بالوفاء ، وكان أحوج إلي أن تأمره بالصبر".
أدبه في صحبته:
كان - كما قال علي رضي الله عنه- أوسع الناس صدرًا ، وأصدق الناس لهجة ، وألينهم عريكة ، وأكرمهم عشرة ، وكان يتألف قلوبهم ، ويكرم كريمهم ، ويتفقدهم في شؤونهم ،ويعطي كلًا من جلسائه نصيبه من التكريم ، حتى يحسب جليسه أنه ليس أحد أكرم عليه منه . من جالسه أو قاربه لحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف عنه . ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها أو ميسور من القول . قد وسع الناس بسطه وخلقه ، فصار لهم أبًا ، وصاروا عنده في الحق سواء . دائم البشر ، سهل الخلق ، لين الجانب ، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب ولا فحاش ، ولا عياب ولا مداح ، يتغفل عما لا يحب ، ولا يقابل أحدًا بما يكره ، إلا أنه في الحق من أشد الناس غيرة على حرمات الله ، وإنكارًا على انتهاك آداب الشريعة ، يجالس الفقراء ، ويصغي إلى العبد والأرملة والمسكين . قال أبو هريرة: دخلت السوق مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فاشترى سراويل ، وقال للوزان:"زن وأرجح"فوثب البائع إلى يده صلى الله عليه وسلم يقبلها ، فجذب يده وقال:"هذا ما تفعله الأعاجم بملوكها ، ولست بملك ، إنما أنا رجل منكم"ثم أخذ السراويل فذهبت لأحمله فقال:"صاحب الشيء أحق بشيئه أن يحمله".
وكان في مجلسه كثير الصمت لا يتكلم في غير حاجة ، يعرض عمن يتكلم بغير جميل ،وكان ضحكه تبسمًا ، وكان كلامه فضلًا لا فضول ولا تقصير ، مجلسه مجلس حلم وحياء وخير وأمانة ، لا ترفع فيه الأصوات قال ابن أبي هالة: كان سكوته صلى الله عليه وسلم على أربع: على الحلم والحذر والتقدير والتفكر ..
نماذج من مدرسته الروحية: