فهرس الكتاب

الصفحة 1167 من 1942

وأما السيرة في الأمة ،فهي سيرة من أحب لأمته الخير ومنحها النصح ، ودلها على الهدى ، ولآثرها على نفسه وأهله ، ولم يحتجن دونها مالًا ولا أثاثًا ولا رياشًا ، بل كان يعطيها ويحرم نفسه ولا يملأ بيوتها بالنعمة ، وإن بيوت أزواجه ليلفحها حر الخشونة والإقلال وشظف العيش ، وهي سيرة من لم يحمل أتباعه على ترك الدنيا ليعيشوا فيها كالغنم المشتتة بين قطيع الذئاب ! ولا حملهم على ركوب الدنيا فيكونوا فيها كالكلاب المسعورة إن لم تنهش اللحم فقد مزقت الثياب ! أوقد فيهم جذوة العمل للحياة مع شعلة الإيمان بالله ، وبثّ فيهم روح الثورة على الباطل والتمرد على الظلم والترفع عن الدنايا ، وغرس فيهم - وهم في الحرب - أرق شمائل الإنسانية الرحيمة في السلم ، فكان في حربه أسع صدرًا وأكثر رحمة وأبر بالأسرى والضعفاء من كثير من زعماء الدول في سلمهم وسياستهم ورعايتهم للشعوب .

وأما الإصلاح للعالم الإنساني فحسبه هذا النظام الذي جنب العالم ويلات المادية وضعف الروحانية السلبية ، وحسبه هذه القوانبين التي جاءت في اشتراكيتها نمطًا فريدًا خلا من عيوب المذاهب الاشتراكية كلها وجمع محاسنها كلها .

حسبه من الاصلاح العالمي أنه أنشأ أول دولة اشتراكية إنسانية في العالم ، وأول مجتمع اشتراكي إنساني في التاريخ ، وأول جيل اشتراكي علمي إنساني يبني أسمى الحضارات .

ذلكم هو محمد رسول الله ! .. باني أول دولة ! ومنشئ أول مجتمع!

من أقوال الغربيين عن الرسول وشريعته

قال المستشرق الفرنسي المسلم"ناصر الدين رينه":

وكان النبي يُعنى بنفسه عناية تامة ، إلى حد أن عرف له نمط من التأنق على غاية من البساطة ، ولكن على جانب كبير من الذوق والجمال . وهو في كل ذلك يريد من حسن منظره البشري أن يروق الخال سبحانه وتعالى .

ومن هذا كان يحرِّم بشدة التغالي في الملبس ، وعلى الخصوص لبس الحرير ، حتى لايتيح للأغنياء فرصة التعالي على الفقراء...

وقال غوستاف لوبون بعد أن نقل أوصاف الرسول عن المصادر الإسلامية:"ويضاف إلي الوصف السابق ما رواه مؤرخو العرب الآخرون من ، أن محمدًا كان شديد الضبط لنفسه ، كثير التفكير صموتا ،حازما سليم الطوي عظيم العناية بنفسه ، مواظبًا على خدمتها بالذات حتى بعد اغتنائه ."

وكان محمد صبورًا قادرًا على احتمال المشاق ، ثابتًا بعيد الهمة ، لين الطبع وديعًا ، فذكر أحد خدمه أنه ظل عنده ثماني عشرة سنة فلم يُعزره قد في تلك المدة ولو مرة واحدة.

وكان محمد مقاتلا ماهرًا ، فكان لا يهرب أمام المخاطر ولا يلقي بيديه إلى التهلكة ، وكان يعمل ما في الطاقة لإنماء خُلُق الشجاعة والإقدام في بني قومة .

وقيل: إن محمدا كان مصابًا بالصَّرع ولم أحد في تواريخ العرب ما يُبيح القطع في هذا الرأي ، وكل ما في الأمر ما رواه معاصرو محمد ، وعائشة منهم ، من أنه كان إذا نزل الوحي عليه اعتراه احتقان وجهي فغطيطُ فغشيان وإذا عدوت حماسة (واندفاع) محمد ، وجدته حصيفًا سليم الفكر ...

ولا يقف أيُّ قول بخداع محمد ثانية أمام سلطان النقد ، ومحمد كان يجد في حماسه ما يحفزه إلى اقتحام كل عائق ، ويجب على من يود ، يفرض إيمانَه على الآخرين أن يؤمن بنفسه قبل كل شيء ، ومحمد كان يعتقد أنه مؤيد من الله فيتقوى فلا يرتد أما أي مانع .

وجَمَعَ محمد قبل وفاته كلمة العرب ، وخلق منهم أمة واحدة خاضعة لدين واحد مطيعة لزعيم واحد ، فكانت في ذلك آيته الكبرى ...

ومهما يكن الأمر ، فإن مما لا ريب فيه أن محمدًا أصاب في بلاد العرب نتائج لم تصب مثلها جميع الديانات التي ظهرت قبل الإسلام ومنها اليهودية والنصرانية ، ولذلك كان فضل محمد على العرب عظيمًا ،ويتجلى هذا الفضل العظيم في جواب رُسُل عمر بن الخطاب إلى كِسْرى حين سألهم عن أعمال النبي ، قال أولئك الرسل:"فأما ما ذكرت من سوء حالنا فما كان أسوأ حالا منا وأما جوعنا فلم يكن يشبه الجوع ، كنا نأكل الخنافس والجِعلان والعقارب والحيَّات ، فكنا نرى ذلك طعامنا ،وأما المنازل ، فكانت ظهر الأرض ، ولم نلبس إلا ما غزلنا من أوبار الإبل وأشعار الغنم ، كان ديننا أن يقتل بضعنا بعضًا ويُغير بعضنا على بعض ، وكان أحدنا يدفن ابنته وهي حيَّة كراهية أن تأكل من طعامنا ، فكانت حالنا قبل اليوم على ما ذكرنا لك ، فبعث الله إلينا رجلًا معروفًا نعرف نسبه ونعرف وجهه ومولده ، فأرضُه خيرُ أرضنا ، وحسبُه خير أحسابنا وبيته أعظم بيوتنا وقبيلته خير قبائلنا ، فقذف الله في قلوبنا التصديق له واتباعه ، فما قال لنا فهو قول الله وما أمرنا فهو أمر لله ، فقال لنا: إن ربكم يقول"إني أنا الله وحدي لا شريك لي ، كنتُ إذ لم يكن شيء وكلُّ شيء هالك إلا وجهي ، وأنا خلقت كل شيء وإليَّ يصير كل شيء ، وإن رحمتي أدركتكم فبعثتُ إليكم هذا الرجل لأدلكم على السبيل التي بها أُنجيكم بعد الموت من عذابي ولأحلكم داري دار السلام ، فنشهد عليه أنه جاء بالحق من عند الحق"."

وإذا قِيسَت قيمة الرجال بجليل أعمالهم كان محمد من أعظم عرفهم التاريخ ، وأخذ بعض علماء الغرب يُنصِفون محمدًا مع أن التعصب الديني أعمى بصائر مؤرخيهم عن الاعتراف بفضله ، قال العلامة بارتلمي سنت هيلر: ( كان محمد أثر عرب زمانه ذكاء وأشدَّهم تدينا وأعظمهم رأفة ، ونال محمد سلطانه الكبير بفضل تفوقه عليهم ، ونعد دينه الذي دعا الناس إلى اعتقاده جزيل النِّعم على جميع الشعوب التي اعتنقته ) .

وقال"كارليل":

لقد أصبح من أكبر العار على كل فرد ممدن في هذا العصر أن يصغي إلى ما يظهر من أن دين الإسلام كذب ، أن محمدا خداع مزرو ، وآن لنا أن نحارب ما يشاع من مثل هذه الأقوال السخيفة المخجلة ، فإن الرسالة التي أداها ذلك الرسول ما زالت السراج المنير مدة اثني عشر قرنًا لنحو مائتي مليون من الناس أمثالنا ، خلقهم الله الذي خلقنا ، أكان أحدهم يظن أن هذه الرسالة التي عاش بها ومات عليها هذه الملايين الفائتة الحصر أكذوبة و خدعة ؟ أما أنا فلا أستطيع أن أرى هذا الرأي أبدًا ، فلو أن الكذب والغش يروجان عند خلق الله هذا الرواج ويصادفان منهم ذلك التصديق والقبول ، فما الناس إلا بله ومجانين ، وما الحياة إلا سخف وعبث وأضلولة ، كان الأولى بها أن لا تخلق". وما نظن أكبر محب للرسول يقول فيه وفي دعوته عن طريق المنطق أحسن من هذا ."

وقال تولستوي الحكيم الروسي:

( ومما لا ريب فيه أن النبي محمدًا كان من عظام الرجال المصلحين الذين خدموا المجتمع الإنساني خدمة جليلة ، ويكفيه فخرًا أنه هدى أمة برمتها إلى نور الحق ، وجعلها تجنح للسكينة والسلام وتؤثر عيشة الزهد ، ومنعها من سفك الدماء وتقديم الضحايا البشري وفتح لها طريق الرقي والمدنية وهو عمل عظيم لا يقوم به إلا شخص أوتي قوة ، ورجل مثل هذا جدير بالاحترام والإكرام ) .

وقال وليم موير في كتابه (سيرة محمد ) :

امتاز محمد بوضوح كلامه ويسر دينه ، وقد أم من الأعمال ما يدهش العقول ، ولم يعهد التاريخ مصلحًا أيقظ النفوس ، وأحيا الأخلاق ورفع شأن الفضيلة في زمن قصير كما فعل محمد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت