فهرس الكتاب

الصفحة 1180 من 1942

قوله صلى الله عليه وسلم: «إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدينِ، فَإنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالْغُلُو فِي الدينِ» ( السيوطي ، 3/ 9309 ) .

وعن أنسَ بن مالكٍ رضيَ الله عنه قال: «جاء ثلاثةُ رَهْطٍ إلى بيوتِ أزواج النبيِّ صلى الله عليه وسلم يسألونَ عن عبادةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فلما أُخبروا كأَنهم تَقالُّوها، فقالوا: وأينَ نحنُ منَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم؟ قد غَفر اللهُ لهُ ما تقدَّمَ من ذنبِهِ وماتأخَّر. قال أحدُهم: أما أنا فأنا أصلِّي الليلَ أبدًا. وقال آخر: أنا أصومُ الدهرَ ولا أُفطر. وقال آخر: أنا أعتزِلُ النساء فلا أتزوَّجُ أبدًا. فجاء رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فقال: أنتُم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما واللهِ إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصومُ وأُفطر، وأصلِّي وأرقُد، وأتزوجُ النساء، فمن رغِبَ عن سُنَّتي فليسَ مني» . ( البخاري ، 9/5063 ) .

وعن عبدِ الله بنِ عمرو قال: «أنكَحَني أبي امرأةً ذاتَ حَسَبٍ، فكان يتعاهَدُ كَنَّتَهُ فيسألها عن بَعلها فتقول: نِعْمَ الرجُلُ من رجل، لم يطأ لنا فِراشًا ولم يُفتِّشْ لنا كَنَفًا مُنذ أَتيناه. فلما طال ذلك عليه ذكر للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال: الْقَنِي بِه فَلَقِيته بَعدُ، فقال: كيف تصوم؟ قلت: أصوم كلَّ يَومٍ. قال: وكيف تخْتم؟ قلت: كل ليلةٍ.قال: صمْ في كلِّ شهر ثلاثةً، واقرأ القُرآنَ في كلِّ شَهْرٍ. قالَ: قلْتُ: أُطِيقُ أَكْثَرَ من ذالِكَ، قالَ: صُم ثلاثةَ أيام في الجمعة. قال: قلت: أطِيقُ أكثرَ من ذلك. قال: أفطر يومَين، وصُم يومًا. قال: قلت: أطِيقُ أكثر من ذلك، قال: صُم أَفضَل الصَّوم صوْم داود، صيامَ يومٍ وإفطارَ يَومٍ، واقرأْ في كلِّ سبع ليالٍ مرَّةً. فَلَيتَني قبلتُ رُخْصةَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وذاكَ أنّي كبرتُ وضَعُفت فكان يَقرأ على بعض أهله السُّبعَ من القرآن بالنهار والذي يقرؤه يَعرضه من النهار ليكُونَ أَخَفَّ عليه بالليل وإذا أراد أن يتقوَّى أفطَرَ أيامًا وأحصى وصام مِثلَهُنّ، كراهيةَ أَن يَتركَ شيئًا فارقَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم عليه» . ( البخاري ، 8 / 5052 ) .

وعن ابن عباس: « أن رجلًا قال: يا رسول الله ، ما شاء الله وشئت ، فقال: جعلتني لله عدلًا ؟ بل ما شاء الله وحده » ( أحمد 1 / 2565 ) .

وبما سبق من أحاديث يتضح موقف التربية الإسلامية من الغلو كتحريمه والإنكار على مرتكبيه ومجادلتهم بالتي هي أحسن وبالحوار وإقامة الحجة عليهم .

ويمكن الاستشهاد على ذلك بتأمل كيفية تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع أهل الكتاب ( وهم من روّاد الغلو والتطرف ) حيث تظهر حكمة القول في التعامل مع أهل الكتاب و دعوتهم إلى الله تعالى ، وأن يجادلوا بالتي هي أحسن ، بحسن خلق ولطف ولين كلام ، ودعوة إلى الحق ، وتحسينه بالأدلة العقلية والنقلية ، ورد الباطل بأقرب طريق وأنسب عبارة ، وأن لا يكون القصد من ذلك مجرد المجادلة والمغالبة وحب العلو ، بل لا بد أن يكون القصد بيان الحق ، وهداية الخلق ، كما قال عز وجل: (وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (العنكبوت:46)

وقال عز وجل: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) (آل عمران:64)

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستخدم القول الحكيم في دعوته إلى الله عز وجل ، ومن ذلك ما روته عائشة رضي الله عنها قالت: «دخلَ رَهطٌ من اليهود على رسولٍ الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: السَّامُ عليكم. قالت عائشة: ففهمتُها فقلت: وعليكمُ السامُ واللعنة. قالت: فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: مهلًا يا عائشة، إنَّ اللهَ يحبُّ الرفقَ في الأمرِ كلِّه. فقلتُ: يا رسولَ الله، أولم تَسمعْ ما قالوا؟ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: قد قلتُ وعليكم» ." (البخاري 12/5886) "

وليس معنى هذا أن الحكمة تقتصر على الكلام اللين والرفق والعفو ، بل تكون أحيانًا بالموعظة الحسنة والترغيب والترهيب وبيان الحق علمًا وعملًا ، وتارة تكون باستخدام الجدال بالتي هي أحسن ، وتارة تكون باستخدام القوة وبالجهاد في سبيل الله ،

وبالتأمل في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وفي كيفية تعامله مع أهل الكتاب يمكن للناظر إجمال ذلك فيما يلي:

1-دعوتهم إلى الحق والهدى والإيمان .

2-مناظرتهم ومجادلتهم بالتي هي أحسن .

3-عقد العهود والمواثيق معهم والوفاء بها .

4-الإحسان إليهم وحسن معاملتهم .

5-مبايعتهم والاقتراض منهم والتعاون معهم .

6-قتالهم واستخدام القوة معهم .

وفي سيرته صلى الله عليه وسلم تتجلى التربية الإسلامية الحقة في التعامل مع الغلاة والمتطرفين من المسلمين وغيرهم .

الإفرازات السلبية للغلو

لا شك أن للغلو والتطرف إفرازات ونتائج سلبية وعواقب وخيمة"كالجور على حقوق أخرى ينبغي أن تراعى ، وواجبات يجب أن تؤدى ، وسوء الظن بالناس ، والنظر إليهم من خلال منظار أسود يخفي حسناتهم على حين يضخم سيئاتهم ، والغلظة في التعامل والخشونة في الأسلوب والفظاظة في الدعوة" ( فرج ،1426هـ،ص 10 ) .

ومن الإفرازات السلبية للغلو:"الشخصية المتطرفة على المستوى العقلي بأسلوب مغلق جامد التفكير ، أو عدم القدرة على تقبل أي معتقدات تختلف عن معتقداتها أو أفكارها أو معتقدات جماعتها ، وعدم القدرة على التأمل والتفكير والإبداع" ( المصدر السابق ، ص 11 ) .

والغلو والتطرف يفرز جماعة من الناس"لا يؤمنون بالحوار مع الآخر ، ولا يؤمنون بحرية الدين ، أو التعامل مع الأجنبي وبقائه في البلاد الإسلامية التي أقرها الإسلام في قوله تعالى: (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ) (البقرة: من الآية256) " ( المصدر السابق ، ص 12 ) .

ومن الملاحظ أن"أصحاب الأفكار المتطرفة لديهم رغبة جامحة في إقصاء الآخر ، فهم الوحيدون القادرون حسب رؤيتهم على فهم الحقائق والأمور. ولديهم أحادية في النظر ، فالحقائق لديهم ليس لها إلا وجه واحد وطريق الحياة ليس له إلا مسار واحد في رؤيتهم."

وأنهم يحملون توجهات عقدية وفكرية تؤكد ما لديهم من قناعات ولا يرغبون في التنازل عنها كما أنهم غير مستعدين للتخلي عنها أو مناقشة الآخرين فيها." ( اليوسف ، 1425هـ ، ص 12 ) ."

سبل الوقاية والعلاج من مشكلة الغلو والتطرف الديني

إن الوقاية والعلاج من مشكلة الغلو والتطرف الديني تكون بالأمور التالية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت